الاتحاد

تقارير

الأيديولوجية الثورية في إيران والبراجماتية الاقتصادية

الأيديولوجية الثورية في إيران والبراجماتية الاقتصادية

الأيديولوجية الثورية في إيران والبراجماتية الاقتصادية

في واحد من أبرد فصول الشتاء التي عرفها الإيرانيون في السنوات الأخيرة، فشلت حكومة طهران في توفير الغاز الطبيعي لآلاف الأشخاص في البلاد، مما تسبب في حرمان البعض منهم من الدفء لأيام، بل وأسابيع في بعض الحالات؛ وحسب عدد من المسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين والمحللين السياسيين، فإن أزمة التدفئة هذه أدت إلى زيادة وعي الإيرانيين بالتباين بين تزايد نفوذهم الخارجي وضعفهم في الداخل؛ فمن الأصوليين إلى الإصلاحيين، بدأ الناس هنا يجهرون بالحاجة إلى تبني مقاربة أكثر براجماتية، تُخفف الخطاب المعادي للغرب، وتركز أكثر على تحسين إدارة البلاد واستعادة عافية إيران الاقتصادية·
وعلى ما يبدو، فقد عمقت التحديات الداخلية المتزايدة، وفي مقدمتها فترة ركود وتضخم صعبة في ظل ارتفاع التضخم وضعف الاقتصاد، التوترات بين الرئيس ''محمود أحمدي'' نجاد والمؤسسة الدينية التي يأتمر بأوامرها، كما أدت إلى إعادة تفكير جماعي في إدارة ''أحمدي نجاد'' في وقت تستعد فيه إيران للاحتفال بالذكرى التاسعة والعشرين للثورة الإسلامية هذا الشهر، وإجراء الانتخابات البرلمانية في الرابع عشر من مارس، ويقول نادر طالب زاده، وهو مخرج سينمائي يدعم أحمدي نجاد: ''أعتقد أن الثورة الإسلامية تمر بأزمة هوية، ولكننا ننضج بشكل تدريجي''؛ وبالمقابل هناك ثمة مؤشرات متزايدة، على أن الحكومة لا تهتم كثيرا بسماع الأصوات الأخرى، وتتجه نحو الحفاظ على سلطتها عبر تكميم أفواه المنتقدين، فبالنسبة للانتخابات البرلمانية، تم حتى الآن إقصاء نحو 70 في المائة من جميع المرشحين الإصلاحيين؛ وبينما يقول أنصار الرئيس إن رفض هؤلاء تم استنادا إلى معايير قانونية، مثل عدم الولاء للنظام الإسلامي أو الاعتراض على فكرة التوفر على مرشد أعلى، يرى الإصلاحيون أن الرفض إنما يندرج ضمن الجهود الرامية إلى إبقائهم خارج السلطة· والأسبوع المنصرم، أغلقت الحكومة أهم مجلة نسائية إيرانية، كانت تصدر على مدى 16 عاما، كما اعتقلت السلطات مجموعة صغيرة من الطلبة بعد مظاهرة في جامعة طهران احتجاجا على الظروف المزرية في سكن الطلاب؛ وفي هذا السياق، يقول ''مراد سغافي'' -كاتب وفيلسوف في طهران-: ''إن رد فعلهم القوي على أي شيء إنما يشي بضعفهم''، مضيفا قوله: ''لقد اعتقلوا 10 طلاب لأنهم يعتقدون أنهم إذا لم يفعلوا ذلك، فإن 100 طالب آخر سيظهرون· أجل، إنهم يشعرون بالضعـــف!''·
اللافت أنه حتى المرشد الأعلى، غير خلال الأسابيع الأخيرة لهجته تجاه الرئيس، حيث وجه انتقادات نادرة وأعاد التأكيد على مكانته باعتباره راعي سياسة إيران الخارجية والنووية إذ قال: ''إن الحكومة الحالية، وعلى غرار أي حكومة أخرى، لا تخلو من العيوب التي ينبغي الإشـــارة إليها بلطف''، مضيفـــا ''غير أن بعض الأفراد يحاولون انتقـــاد وإهانـــة كل خطوة تخطوهـــا الحكومـــة، والحــال أن أغلبية هؤلاء الأفراد مهملون ولا يعـــون أنهم يتصرفون انسجاما مع بروباجندا الأعداء''· يقول ''سيد ليلاز'' -خبير اقتصادي شغل لفترة قصيرة منصب نائب وزير في الحكومة الإصلاحية السابقة-: ''إن المرشد الأعلى يدرك أن هذا الاقتصاد لا يخدم أحدا، وبالتالي، فإنه يحاول إعادة بنائه من الداخل''· من جانبه، قال مستشار للمرشد الأعلى طلب عدم الكشف عن اسمه تفاديا لخصام مع الرئيس: ''ثمة إجماع'' على الحاجة إلى إدارة أفضل· غير أن المحللين والسياسيين والأنصار يقولون إن الرئيس ليس مضطرا للتغير مادام أن مزاج التغيير يتوقف عند النخبة السياسية، وإن المشاكل لم تُضعف حتى الآن دعمه الفقراء له، مضيفين أن شعبيته مازالت مرتفعة، وأنهم ينظرون إليه باعتباره رجل المبادئ والنوايا الحسنة، وإن كان ذلك قد بدأ يقل قليلا·
في جنوب طهران، بالقرب من مطار الإمام الخميني الدولي، يقع حي ''ربات كريم''؛ الناس في هذا الحي ظلوا بدون غاز على مدى أيام خلال الشهر الماضي، ومازالوا يعانون انقطاعات التيار الكهربائي في الليل ومنتصف النهار، حسب أقوال السكان، فقد تحول نقص الغاز الطبيعي في إيران إلى أزمة عندما قطعت تركمانستان إمداداتها في ديسمبر بسبب خلاف حول الأسعار؛ ومما يذكر هنا أن إيران لا تتوفر على ما يكفي من المصافي لسد حاجياتها، ورغم أن ''ربات كريم'' حي محافظ ومنغلق على الأجانب ويدعم الرئيس؛ إلا أنه في ظل تكدس الثلوج في الأزقة وتوالي الليالي الباردة، فإن الأعصاب بدأت تتوتر؛ وفي هــــذا السياق، يقول ''نور أسد زاده'' -صاحب دكان في الحي عمره 70 عاما-: ''لدي مستأجر في شقة هنا في البناية؛ ولم يكن الغاز متوفرا على مدى أيام، طلب مني المساعدة، ولكنني قلت لـــه مــاذا عساني أفعل؟ فالأمــر بيد الحكومة!''·
على مدى سنوات، كان يبدو أن الحكومة تتطور وتبتعد عن الدولة التي تحددها الإيديولوجيا الثورية فقط؛ فقد ركز الرئيس السابق ''علي أكبر هاشمي رفسنجاني''، وهو نفسه ممن ساهموا في الثورة، على العلاقات الاقتصادية البراجماتية؛ في حين ركز خلفه ''محمد خاتمي'' على تخفيف القيود الاجتماعية ودعا إلى ''حوار الحضارات''، ثم جاء ''أحمدي نجاد'' -الذي ينتمي إلى جيل جديد وطبقة من الرجال الذين خاضوا الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات- الذي عمل منذ وصوله إلى السلطة على إعادة إيران إلى الزمن الذي كانت فيه الإيديولوجيا الثورية محدد الدولة·
يقول المؤرخ ''كافيه بيات'': ''إن فكرة ضرورة تصدير الثورة وإلا فإنه سيُقضى عليك، عنصرٌ مترسخ آخر، لقد كانت هذه الفكرة في سبات خلال حكم رفسنجاني وخاتمي، ولكنها صحت من جديد''، مضيفا ''لقد حاولنا أن ننساها، ولكنها عادت!''·


ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا