الاتحاد

تقارير

قمة ميونخ الأمنية··· نبرة أميركية جديدة

قمة ميونخ الأمنية··· نبرة أميركية جديدة

قمة ميونخ الأمنية··· نبرة أميركية جديدة

بتشديده على مفردات الشراكة والتعاون يكون جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، قد دشن فصلاً جديداً في علاقات أميركا الخارجية خلال المؤتمر الأمني الذي استضافته ألمانيا بعد عرضه الحديث إلى إيران وترميم العلاقات الأميركية المتوترة مع روسيا· لكن أعضاء من فريق السياسة الخارجية في البيت الأبيض وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي الجنرال، جيمس جونز، طالبوا بضرورة تعجيل التحرك في أفغانستان، مؤكداً أنها ''ليس مجرد مشكلة أميركية، بل هي مشكلة دولية''·
هذا الخطاب المزدوج الذي يركز على الدبلوماسية وفي الوقت نفسه يريد حسم موضوع أفغانستان استقبل في المؤتمر بمزيج من التقدير والحذر، فمع أن الرئيس أوباما يحظى باحترام خاص من قبل الأوروبيين، إلا أن الدعم مازال ضعيفاً فيما يتعلق بإرسال قوات إضافية إلى أفغانستان، وهو الأمر الذي يهدد بنشوء خلافات جديدة بين ضفتي الأطلسي وإن كانت المشاعر الإيجابية هي ما ميز مؤتمر ألمانيا· وللتدليل على هذه الأجواء يمكن الإشارة إلى مجموعة من المعطيات: ففرنسا تستعد لإعادة الانضمام إلى حلف شمال الأطسي، كما أن العلاقات بين برلين وباريس تحسنت كثيراً مقارنة بالسابق، كما استقبلت روسيا بارتياح كبير التعهدات الأميركية بانتهاج مقاربة جديدة مع موسكو، وذلك رغم إصرار الولايات المتحدة على استكمال مشروع الدرع الصاروخية المثيرة للجدل في أوروبا الشرقية·
فقد أعلن بايدن يوم السبت الماضي أمام جمهور ضم قادة الدول الأوروبية مثل المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، فضلاً عن قادة حلف شمال الأطلسي أن أميركا لن تتصرف بمفردها وبأنها لن تضحي بمبادئها من أجل أمنها، فضلاً عن تأكيده أن واشنطن لن تهمل مسألة الاحتباس الحراري ولن تدخر جهداً للتصدي للتغير المناخي، كما تحدث نائب الرئيس عن ''نبرة جديدة قائمة على الشراكة باعتبارها ضرورة وليست ترفاً''·
غير أن الجنرال جونز وفي معرض حديثه يوم الأحد الماضي إلى ممثلي الدول التي أرسلت قواتها إلى أفغانستان كان حاسماً في الإشارة إلى أن المقاربة الحالية للحرب التي استمرت ثماني سنوات ''لا تواكب خطورة الوضع واستعجاله في أفغانستان''، ملمحــــاً إلى أن إدارة أوباما لن تقف مكتوفة الأيدي· ويتوقع في هذا الإطار أن تجري وكالة الأمن القومي خلال الشهـــور المقبلة ''مشاورات سريعة ومكثفة'' مع الحلفاء للتوصل إلى حل بشأن أفغانستان قد يشمل إعادة تشكيل حلف شمال الأطلسي ليتناسب مع حجم التحديات في أفغانستان، لا سيمـــا كمـــا قال الجنرال جونز ''ونحـــــن في مفترق طرق تاريخـــــي··· ولا نستطيع الفشل''·
والواقع أن ردود الفعل الإيجابية التي رافقت المشاركة الأميركية في المؤتمر ترجع في جزء كبير منها إلى الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، وهو ما عبر عنه ''جوشين بيتنر''، المعلق بصحيفة ''داي زيت'' الألمانية قائلاً ''لو كان أحد من إدارة بوش تلفظ بالكلام الذي قاله بايدن لعارضناه فوراً، لكن الوضع اليوم مختلف وعلينا الاستماع إلى القادم الجديد''· وفي الإطار نفسه أوضح ''جون كونبلوم''، السفير الأميركي السابق في برلين أن قمة ميونخ تمحورت حول ''إصلاح العلاقات مع أوروبا''، مضيفاً أن الوفد الأميركي المشارك ''أعلن أمام الجميع كل ما هو إيجابي، وربما ذلك يضع أوروبا في زاوية ضيقة من الناحية الدبلوماسية''·
ويذكر أن قمة ميونخ عقدت منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث انصبت معظم المباحثات حول مراقبة التسلح لينتقل النقاش في السنوات الأخيرة إلى الاضطرابات السياسية كتلك التي شهدها العام 2003 عندما تصادم وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر مع وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد حول ما إذا كان العراق يتوفر فعلا على أسلحة للدمار الشامل· وفي العام 2007 برز تحد آخر عندما صاغ الرئيس الروسي موقفاً جديداً أكثر حضوراً لروسيا وأعلن بوضوح رفضه الشديد لتوسع حلف شمال الأطلسي ناحية الشرق، وشهد العام الماضي انسحاب الوفد الأميركي أثناء تناول الكلمة رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني·
بيد أنه في هذه السنة كــــان من اللافـــت إكمال لاريجاني لكلمته دون مغادرة الوفد الأميركي، وإن بدا واضحاً تغيب المسؤول الإيراني عن كلمة جوزيف بايدن· وفيما استفاض لاريجاني في الحديث عما يراه مظالم إيرانية خلال كلمته في المؤتمر، وتعريجه أيضاً على معاناة الفلسطينيين خلال حرب غزة، حمل خطابه أيضاً بعض إشارات الانفتاح على الإدارة الأميركية الجديدة، قائلا إن الوقت قد حان ''لمد الجسور''·
وفي هذا السياق أشار السفير الأميركي السابق لحلف شمال الأطلسي، ''روبرت هانتر'' إلى الحجم الكبير للوفد الإيراني المشارك هذه السنة والذي يفوق مشاركته في السنوات السابقة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأوروبيين لمسوا بعض ''الحماس في تصريحات لاريجاني مثل تلك التي أشار فيها إلى ''الفرصة الذهبية'' المتاحة أمام أميركا في هذه اللحظة''· وفيما يتعلق بروسيا فقد أكد بايدن عزم بلاده مواصلة مباحثات مراقبة التسلح مع موسكو بعد انتهاء صلاحية الاتفاقية الموقعة في هذا الشأن خلال العام الجاري، لكنه شدد أيضاً على أن فريق أوباما لن يتفق مع روسيا حول جميع القضايا، وهو بالتالي ''لن يعترف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية كدولتين مستقلتين''·
وعن إقدام روسيا على الإيعاز لقرغيزستان بإغلاق القاعدة الجوية الأميركية فوق أراضيها مقابل ملياري دولار يقول ''أندري فيديروف'' الباحث في مجلس الساسيات الدفاعية بموسكو ''إن الرسالة هنا تخاطب مباشرة وضع العلاقات الأميركية الروسية، فنحن على استعداد لدعم مهمة الناتو في أفغانستان، ولدينا الكثير من الأهداف المشتركة، لكن في الوقت نفسه على الولايات المتحدة أن تعرف بأن عليها التفاوض مع روسيا إذا كانت تريد إقامة خط إمدادات بديل يصل أفغانستان ويمر عبر أراضي الاتحاد السوفييتي السابق''· وأكد نائب رئيس الوزراء الروسي ''سيرجي إيفانوف'' من ناحيته أن بلاده مستعدة ''لانطلاقة جديدة'' في علاقاتها مع الولايات المتحدة، لكنه رفض تقديم تنازلات في القضايا الخلافية قائلاً ''نحن لسنا في بازار شرقي ولا نقوم بمساومات كما يفعـــل الباعـــة في البازارات''·

روبرت ماركند-ألمانيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا