الاتحاد

الاقتصادي

اقتصاد المعرفة ينهي دور القوى العاملة

أمل المهيري:
يعتبر اقتصاد 'النفاذ' محكوماً بمجموعة جديدة من الافتراضات التجارية التي تختلف جذرياً عن تلك التي استخدمت لإدارة اقتصاد السوق؛ فلا يعتمد النجاح التجاري في اقتصاد النفاذ على مقايضة السلع في الأسواق، إنما يعتمد - بصورة أكبر - على إقامة علاقات تجارية طويلة الأجل· ومن الأمثلة على ذلك، العلاقة المتغيرة بين السلع والخدمات التي ترافقها؛ فبينما كان التركيز في معظم فترات العصر الصناعي يتم على بيع السلع وما يرافقها من ضمانات الخدمة المجانية للمنتج بوصفها حافزاً للمشتري، فإن العلاقة اليوم بين السلع والخدمات أصبحت معكوسة؛ فهناك الآن عدد متزايد من الأعمال التجارية التي تتيح منتجاتها مجاناً على أمل الدخول في علاقات الخدمة الطويلة الأجل مع العملاء·
يرجع ذلك إلى وجهة نظر المؤلف جيرمي ريفكن، رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية بواشنطن في كتابه:'عصر الفرص- الثقافة الجديدة للرأسمالية حيث الحياة تجربة مكلفة'، الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تناول من خلاله التغيرات الجذرية التي يشهدها الاقتصاد العالمي والتحولات التاريخية التي تحدث في طبيعة النظام الرأسمالي، والتي بدأت منذ وقت مبكر من القرن العشرين ومهدت لعصر جديد قيد التشكل يقوم على مفهوم 'النفاذ' (Access)·
وتقوم أطروحة المؤلف الأساسية على أن الاقتصاد العالمي، وجوهره النظام الرأسمالي، ينتقل من عصر الملكية إلى عصر 'النفاذ'، أو من عصر السوق إلى عصر الشبكة؛ فالاقتصاد الرأسمالي الذي كان قد تأسس على فكرة مقايضة الملكيات المادية بين البائعين والمشترين في الأسواق أخذ يتحول نحو مفهوم 'النفاذ' إلى الملكيات المادية والمجردة بين المزودين والمستخدمين الذين تربطهم علاقة شبكية·
ويعتبر ريفكن أن 'النفاذ' أخذ يصبح أداة مفاهيمية فاعلة لإعادة التفكير بنظرتنا العالمية الموسعة ونظرتنا الاقتصادية أيضا، ما يجعله الأكثر قوة ونفوذاً في العصر القادم·
النفاذ والمقايضة
ولا يقصد بأطروحته تلك أن الملكية ستختفي في عصر النفاذ المقبل، بل على العكس ستظل موجودة لكنها لن تكون متاحة للمقايضة في الأسواق· وبدلاً من ذلك يحتفظ المزودون في الاقتصاد الجديد بالملكية، ويمنحون الآخرين (العملاء) حق الاستخدام أو الاستئجار أو يفرضون رسوماً على الدخول أو الوصول إليها أو الاشتراك فيها نظير استخدامها فترة وجيزة· كما أن الأسواق ستبقى، لكن الدور الذي تلعبه في الشؤون الإنسانية سيتضاءل باستمرار·
وتتقدم الأعمال التجارية كثيراً - حالياً - في طريق التحول من الملكية إلى النفاذ؛ وتقوم بتصفية عقاراتها، وتقليص مستودعاتها، وتأجير أجهزتها ومعداتها لتخليص نفسها من أنواع الملكيات المادية الممكن تصورها· ولم تعد هناك قيمة لامتلاك الكثير من الأشياء، ففي عالم التجارة المعاصرة يتم اقتراض معظم الأشياء المطلوبة لإدارة الأعمال المادية نفسها·
وفي الاقتصاد الجديد أيضا تميل المنتجات المادية، التي كانت منذ وقت طويل مقياساً للثروة في العالم الصناعي، إلى التجرد؛ فهو - كما يطلق عليه ريفكن - اقتصاد عديم الوزن· كما تغدو ملكية رأس المال المادي، التي كانت محور نمط الحياة الصناعية، هامشية بشكل متزايد بالنسبة إلى العملية الاقتصادية· وبالمقابل، يعتبر رأس المال الفكري القوة الدافعة للعصر الجديد، وتعتبر المفاهيم والأفكار والصور - وليس الأشياء - البنود الحقيقية ذات القيمة في الاقتصاد الجديد· ولم تعد الثروة هي رأس المال المادي بل الخيال والإبداع الإنساني·
الآلات تنافس البشر
إن السيطرة على المفاهيم والأفكار تميز عصر النفاذ المقبل· ففي القرن الحادي والعشرين تتزايد تجارة المؤسسات بالأفكار، ومن ثم يتزايد شراء الناس للنفاذ إلى تلك الأفكار والتجسيد المادي لها؛ إذ إن القدرة على احتكار الأفكار وبيعها هو التعبير النهائي للحرفة التجارية الجديدة·
كذلك، يجلب عصر النفاذ معه تغييراً رئيسياً في طبيعة التوظيف؛ فقد كانت قوة العمل البشرية في العصر الصناعي منهمكة في إنتاج السلع والقيام بالخدمات الأساسية· أما في عصر النفاذ فالآلات الذكية تحل بصورة متزايدة محل قوة العمل البشرية في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات؛ إذ تتحول المزارع والمصانع والعديد من الصناعات الخدمية القائمة على قوة العمل البشرية الإدارية (المكتبية) بسرعة إلى الأتمتة·
وستقوم الآلات المفكرة في القرن الحادي والعشرين بإنجاز الكثير من الأعمال الجسدية والذهنية، بدءاً من المهمات البسيطة المتكررة وانتهاء بالأعمال الفكرية الاحترافية المعقدة جداً· ومن المحتمل ألا تكون العمالة الرخيصة في العالم أرخص من التقنية التي ستحل محلها· وبحلول العقود الوسطى من القرن الحادي والعشرين، ستتوافر لعالم التجارة القدرة التنظيمية والوسائط التقنية لتوفير البضائع والسلع والخدمات الأساسية للأعداد المتزايدة من السكان باستخدام جزء من قوة العمل العاملة حالياً؛ فربما تكون هناك حاجة بحلول عام 2050 إلى أقل من 5% من السكان البالغين لإدارة عالم الصناعة التقليدي·
كان رفع القيود عن الوظائف والخدمات الحكومية في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، بمنزلة آخر صرعة؛ ففي خلال أقل من 20 عاماً، نجحت السوق العالمية في استيعاب أجزاء كبيرة مما كان يعد سابقا عالم الحكومة - بما في ذلك قطاعات النقل والمواصلات والخدمات العامة والاتصالات - في عالم التجارة· وحالياً، حول الاقتصاد اهتمامه إلى آخر قطاع مستقل متبقٍ من النشاط الإنساني، ألا وهو الثقافة نفسها؛ حيث أخذ عالم التجارة يتعدى - تدريجياً وخلسة - على الطقوس والرموز والقيم الثقافية، والحركات الاجتماعية والارتباطات المدنية، والمهرجانات والفنون والرياضة والألعاب·
صدارة الثقافة
ويشير ريفكن إلى أن الإنتاج الثقافي سيحتل صدارة الحياة الاقتصادية في العصر الجديد؛ فإن كان العصر الصناعي قد تميز بإنتاج السلع والخدمات التقليدية، فإن عصر النفاذ يتعلق بتسويق منظومة كبيرة من الموارد الثقافية على هيئة ترفيه وتجارب شخصية مدفوعة الأجر· لقد بدأ الإنتاج الثقافي بالتفوق على الإنتاج المادي في التجارة الدولية؛ حيث تفسح شركات عصر الصناعة العملاقة القديمة - مثل إكسون وجنرال موتورز ويو أس أكس وسيرز - المجال أمام شركات الرأسمالية الثقافية العملاقة الجديدة، مثل فياكوم وتايم وارنر وديزني وسوني وسيجرام ومايكروسوفت ونيوز كوربوريشن وجنرال إلكتريك وبوليجرام· وتقوم الشركات الإعلامية العابرة للحدود، التي تتمتع بشبكات اتصالات تمتد حول العالم، بالتنقيب عن الموارد الثقافية المحلية في كل أنحاء العالم ثم تعيد تجهيزها بوصفها سلعاً وترفيهاً ثقافياً· ويذكر الباحث أن خمس سكان العالم اليوم ينفقون من دخلهم على النفاذ إلى التجارب الثقافية بقدر ما ينفقون على شراء السلع الصناعية والخدمات الأساسية، كما أن التجارة العالمية في السلع الثقافية بجميع أشكالها قد تضاعفت أكثر من ثلاث مرات في العقد الأخير من القرن العشرين·
ويلتفت ريفكن إلى قضية سيطرة شركات الإعلام الأمريكية على التجارة الثقافية العالمية، وما تسفر عنه من انتشار الهيمنة الأمريكية على ثقافات العالم، فقد تصدرت الصادرات الأمريكية من المنتجات الترفيهية وغيرها من المنتجات الثقافية الاقتصاد العالمي، وهو ما دفع رئيس الوزراء الكندي السابق، كيم كامبل، إلى القول إن الإنتاج الثقافي كان عبارة عن وسيلة لأمركة العالم· وتنعكس عملية الهيمنة هذه في الانقراض الكلي للعديد من لغات العالم وحلول اللغة الإنجليزية مكانها بصفتها حاملة لواء التجارة الثقافية الجديدة، ولاسيما أنها اللغة الأكثر استخداماً في الفضاء الإلكتروني·
وإذا كان الصراع الجغرافيا السياسية في العصر الصناعي تركز على قضية سيطرة الاستعمار، والاستعمار الجديد تاليا، على الموارد الطبيعية المحلية وقوة العمل، فإن الصراع الجغراسياسي في العصر الجديد يتم بشكل متزايد على قضية النفاذ إلى الثقافة المحلية والعالمية، وقنوات الاتصال التي تنقل المحتوى الثقافي بشكل تجاري·
التجارة تهدد الثقافة
وينبه ريفكن إلى أن استيعاب عالم الثقافة في عالم التجارة يدل على حدوث تغيير جوهري في العلاقات الإنسانية مع ما يرافقها من نتائج مثيرة للإشكاليات بالنسبة إلى مستقبل المجتمع؛ فمنذ بداية الحضارة البشرية وحتى الآن، كانت الثقافة تسبق الأسواق أهمية دائماً· ويوجد الناس عموماً المجتمعات ويضعون القوانين المفصلة للسلوك الاجتماعي ويعيدون صوغ القيم والمعاني المشتركة ويبنون الثقة الاجتماعية على شكل رأس مال اجتماعي· ولا تنهمك المجتمعات في التجارة إلا بعد تطور الثقة الاجتماعية والتبادل الاجتماعي بصورة كبيرة· لقد كان عالم التجارة دائماً مشتقاً من عالم الثقافة ومعتمداً عليه؛ ويعود سبب ذلك إلى أن الثقافة هي المعين الذي تنبع منه مبادئ السلوك المتفق عليها، وهي المبادئ التي تخلق بدورها بيئة موثوقاً بها يمكن أن تتم فيها الأعمال التجارية· وعندما يبدأ عالم التجارة بافتراس عالم الثقافة فإنه يهدد بتدمير الأسس الاجتماعية بحد ذاتها، وهي الأسس التي أتاحت المجال لظهور العلاقات التجارية·
وإن كانت الرأسمالية في عصر الملكية والأسواق قد ركزت على بيع السلع والخدمات وتسليع العمل، فإن الرأسمالية في عصر الشبكات تتجه نحو تسليع العلاقات الإنسانية والتجربة الإنسانية برمتها· ولكن - كما يتساءل المؤلف مستنكرا - عندما تصبح معظم العلاقات تجارية وعندما تتحول حياة كل شخص إلى وقت مسلع على مدار الساعة، ماذا يبقى للعلاقات ذات الطبيعة غير التجارية؛ أي علاقات القرابة والجيرة والاهتمامات الثقافية المشتركة والعلاقات الدينية والمشاركة المدنية؟ وعندما يصبح الوقت نفسه سلعة وتصبح حياة المرء عبارة عن سلسلة من الصفقات التجارية المستمرة، ماذا يحدث لأنواع العلاقات المتبادلة التقليدية؟ وما يثير القلق - بالنسبة إلى الباحث - هو أن هناك جهوداً تبذل على نطاق واسع لخلق مجتمع بديل بصبغة تجارية من دون أن يلاحظها أحد أو تخضع للنقد والتحليل، رغم ما تنطوي عليه من تبعات ممتدة أفقياً ورأسياً على المجتمع· وعندما يصبح كل مظهر من مظاهر كينونتنا تقريبا نشاطاً مدفوع الثمن، فإن الحياة الإنسانية نفسها تصبح المنتج التجاري النهائي، ويصبح القطاع التجاري الحكم النهائي على وجودنا الشخصي والجماعي·

اقرأ أيضا

تقنية 5G.. مميزات جديدة تفوق البشر