الاتحاد

عربي ودولي

من المسؤول عن أزمة الأحزاب المصرية·· الحكومة أم المعارضة ؟

تحقيق ـ محمد أبوالفضل:
من الصعوبة تجاهل وجود أزمات كبيرة تعصف بغالبية الأحزاب السياسية في مصر، بعضها يعود لعيوب في القوانين والمؤسسات التي تنظم آليات عملها، والبعض الآخر يرجع الى ضعف في الأداء السياسي لأحزاب الحكومة والمعارضة، بسبب مجموعة من العوامل التي أعاقت التطور الطبيعي لها، وظهرت ملامح المشكلة في صورة خلافات وانقسامات وانشقاقات واحتكاكات استخدمت فيها كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، ولم يكن المشهد الدرامي في حزب الوفد وحده، فقد سبقه حدوث مشاهد ساخرة في أحزاب كثيرة، والمثير أن الأوضاع دخلت نفقا قاتما، يحتاج الى ترتيبات واجراءات تساعد على ضخ دماء نقية فى عروق التجربة الحزبية، التي جرى تشويه عدد من مقاطعها، وبدلا من أن تتحول لقاطرة تجذب إليها دولا عربية، أصبحت نموذجا يخشى البعض من تكراره، وبدلا من المساهمة في تطوير الحياة السياسية بدأت عدة دوائر تنظر إليها باعتبارها عنصرا يتقاطع مع مبادئ الديمقراطية وحافزا لتأكيد القناعات حيال الانزواء، فمعظم المواطنين من مسلمين وأقباط آثروا مقاطعة العمل الحزبي، وأدى اختلاط الحابل بالنابل الى قيام 'الاتحـاد' باستطلاع آراء نخبة من القيادات في عدد من القوى السياسية لرصد الواقع وتحديد المسؤول عن المأزق، هل الحكومة بما وضعته من قيود قانونية على الممارسة أم الأحزاب التي أتاح ضعفها فرصة لتشويه التجربة المصرية ؟·
الشاهد أن الخلافات داخل الأحزاب لم يسلم منها الحزب الوطني الحاكم، الذي بدأت تبايناته تطفو على السطح، وكشفت الاستقالة التي قدمها الدكتور اسامة الغزالي حرب من لجنة السياسات عن مضامين سياسية كثيرة، فالمسألة تجاوزت خروج عضو نشط من هياكل الحزب اعتراضا على عقم الاصلاحات داخله، الى التحذير من نمو الخلافات فى صفوفه، بعد ظهور مطالبات بحتمية اعادة صياغة بعض المفاهيم برؤية تنهى دور الحرس القديم وتعظيم تصورات وتوجهات الحرس الجديد، بما ينذر بعدم استبعاد أن تقود عملية قصقصة أجنحة التيار الأول الى احتقان ربما تظهر معالمه القوية فى شكل انقسامات داخل التيار الثاني·
اعتبر حسين عبد الرازق أمين عام حزب التجمع الوحدوي الخلافات السياسية بمثابة ظاهرة صحية في الحياة الحزبية عموما، لكن طريقة التعامل معها تختلف من حزب لآخر، فهناك من يحلها بوسائل ديمقراطية وثمة من يلجأ الى أدوات بعيدة عن ذلك تماما، وتغليب الاتجاه الأول يخلق نوعا من الثراء السياسي، حيث يقوم على حرية الاختيار والانتخاب، في حين يفضي الأسلوب الثاني الى تعكير الأجواء ومنع أي تطور مؤسساتي·
الأزمة تتجاوز الوفد
ورفض عبد الرازق الوقوف عند أحداث الوفد الدامية، قائلا إن حزب التجمع اتخذ قرارا بعدم التعليق على المشاكل الداخلية في أي حزب آخر، مؤكدا ابتعاد التجمع عن الانقسامات وما يشهده من تباينات في الرؤى تعزز ديمقراطيته التي كشفتها محكات كثيرة في السنوات الماضية، معترفا أن الحياة الحزبية في مصر يشوبها قصور واضح، ولا تتوافر لها العوامل الكافية لحيويتها، نتيجة القيود الصارمة التي فرضها قانون الأحزاب،على حركتها السياسية وآليات تمويلها ماديا، لصالح حزب واحد يهيمن على السلطة ومفاصلها منذ ثلاثين عاما، ويحتكر أجهزة الاتصال بالجماهير، وقد خلق هذا الوضع معادلة خاطئة تقوم على 'حزب حاكم للأبد وأحزاب معارضة للأبد أيضا'، لذلك لابد أن تظهر تصرفات ترسخ الأضرار والضغوط الواقعة على الحياة الحزبية، والواجب فتح المجال لعملية تداول السلطة الغائبة، عبر توفير قنوات سياسية سليمة تبتعد عن التوازنات المعقدة التى يفرضها الحزب الحاكم·
ونظر الدكتور عصام العريان رئيس المكتب السياسى لجماعة الاخوان المسلمين(المحظورة) الى ما حصل في الوفد على أنه 'تشويه متعمد لصورة الحزب العريق' مما ألحق الأذى بالأحزاب وكل القوى السياسية في مصر، ولديه اقتناع بالشك فى أن أجهزة الدولة أرادت وضع الأحزاب فى مشهد سيئ ، فقد كان أمامها العديد من الفرص للتدخل الايجابى وانقاذ الموقف، لكنها اعترفت بعد فوات الأوان برئاسة المستشار مصطفى الطويل للوفد على أنقاضه، وبعد تحطيم أشياء كثيرة فى جدرانه المادية والسياسية، وأرجع مأزق الوفد الى كل من قانون ومحكمة الأحزاب التي ضاعفت القيود المفروضة، لذلك فالتخلي عنها وفتح الباب لتهيئة المناخ للتطور بصورة صحيحة يمثل عنصرا مهما لأي انفراج سياسي نطالب به دوما· وأرجع العريان عدم ظهور انشقاقات كبيرة أو خلافات على السطح داخل الجماعة الى الضغوط الأمنية التي تعرض لها فجعلتها أكثر قدرة على التماسك وسرعة في احتواء وتطويق التباينات، ولم يستبعد حدوث خلافات في حالة حصول جماعته على الرخصة القانونية، مشيرا الى أنها تعرضت فعلا لأزمات متعددة عندما كانت تعمل بشكل قانونى قبل ثورة يوليو 1952 وفى بداياتها، حيث واجهت عام 1938 انشقاقا تحت لافتة ما سمي بـ 'شباب سيدنا محمد' وخرج من الاخوان آنذاك وكيل الجماعة الشيخ السكري، وتعرضت عام 1954 لمحنة كبيرة وانقسامات حادة·
الانزواء ·· والمشاركة
من جهته، أكد الدكتور محمود أباظه نائب رئيس الوفد وقائد التيار الاصلاحي أن الحزب تجاوز الكبوة التى مر بها، وسيشرع فى مرحلة اعادة بناء هياكله على قواعد سليمة تكفل له الحضور السياسي الذي يتواءم مع تاريخه الطويل فى العمل الحزبى، ويقوم على أسس راسخة من الديمقراطية، من أجل المشاركة الايجابية واحداث تغييرات في الأوضاع السياسية التى تعانى منذ فترة من انسداد، اثر على كثير من المجالات، وسيكون الاتجاه نحو تكريس آليات الاصلاح السياسى خيارا أساسيا فى التوجهات العامة للحزب، مشددا على أهمية البناء الداخلى أولا، لتجاوز مرارات المرحلة الماضية، ولديه قناعة وزملائه فى أن الوفد سوف يحتل مكانته ويستعيد دوره فى المساهمة كممثل محورى فى الاتجاهات الليبرالية فى مصر حاليا · وأشار يوسف سيدهم الناشط القبطى ورئيس تحرير صحيفة 'وطني' لمجموعة من الدوافع التى أدت الى انعزال عدد كبير من الأقباط عن المشاركة السياسية، فى مقدمتها الشكوك والمخاوف من جدوى العمل السياسى، والشعور بأن هناك غبنا مجتمعيا واقعا عليهم على أكثر من مستوى وهم بحاجة للأخذ بأيديهم واقناعهم بأهمية المشاركة فى الأحزاب والنقابات والاكتفاء بجعل الكنيسة مكانا للعبادة، وأكد أن 'وطنى' تقدم نموذجا ناجحا للاختلاط والتعاون بين المسلمين والمسيحيين، شمل مناحي متعددة، بينها المجال السياسي، وهذه التجربة يمكن أن تكون أحد أدوات استثمار الثراء السياسى فى المجتمع والابتعاد عن العزلة·
ومع التقدير للاجتهادات والتحليلات السابقة، إلا أن عددا كبيرا من المراقبين حملوا أحزاب المعارضة ذاتها جزءا من الأزمة، حيث فشلت فى الاستفادة من الانفتاح السياسى الذى تعيشه مصر منذ سنوات واعادة صياغة منظومة تكون رقما صحيحا بداخلها، وتفرغ معظمها لتصفية الحسابات والسعي وراء مكاسب عاجلة، وتكفي الاشارة الى أن غالبية الانتقادات التى توجهها قيادات المعارضة للحزب الحاكم، من زاوية الانسداد والعقم والشيخوخة وخلافه ··، تعصف بها وربما أكثر ، إذ يفتقد عدد من الأحزاب لأبسط قواعد الديمقراطية داخله، التى تعتبر أحد اسباب ما تشهده الساحة من خلافات وأزمات متتالية ، وتلجأ الى أدوات غير ديمقراطية لتحقيق أهداف تبدو وكأنها ديمقراطية ، ولعل التخلى عن هذه الازدواجية يمثل مدخلا مناسبا لتصحيح كثير من الأوضاع ، بعدها تتفرغ لخوض غمار الضغط على الحكومة لتحقيق مكاسب سياسية ، لأن تعزيز المصداقية بين القول والفعل مسألة مركزية لانعاش الحياة الحزبية·

اقرأ أيضا