صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

كاردينال النمسا لـ "الاتحاد": لماذا نعمم الإرهاب على المسلمين وهم أغلب ضحاياه؟!

الكاردينال «شونبورن» يتحدث لـ «الاتحاد»  (من المصدر)

الكاردينال «شونبورن» يتحدث لـ «الاتحاد» (من المصدر)

حوار: إميل أمين

خلال الأيام القليلة الماضية، التقت «الاتحاد» كريستوف شونبورن كاردينال دولة النمسا، ورئيس أساقفة فيينا للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وذلك على هامش زيارته الأولى العاصمة المصرية القاهرة، والرجل أحد من يُعرفون بأمراء الكنيسة، أي «الكرادلة»، والذين عادة ينتخب البابا من بينهم، وهو معروف بكونه مفكراً ولاهوتياً أكاديمياً ومعلماً يحمل رسالة دكتوراه في علوم اللاهوت وعدداً من درجات الدكتوراه الفخرية، كما يشغل عضوية الأكاديمية الأوروبية للعلوم، وله باع طويل في مهاجمة الداروينية، وفي الأصل هو راهب دومنيكاني من جماعة الفيلسوف واللاهوتي الأشهر «توماس الإكويني» صاحب طرح «القانون الطبيعي».

يعُد الكاردينال «شونبورن» من الكرادلة المتقدمين وأصحاب النفوذ في حاضرة الفاتيكان، وليس سراً أنه كان في أعقاب وفاة البابا «يوحنا بولس الثاني» من الأسماء المرشحة لمنصب البابوية، وجرى الأمر عينه بعد استقالة البابا بنيدكتوس السادس عشر، ويبقى اسمه مطروحاً في المستقبل لاسيما وأنه لم يبلغ بعد سن الخامسة والسبعين (من مواليد 1945)، ما يمكن من اختياره حَبراً أعظم للكنيسة الكاثوليكية، وحتى الساعة له أدوار رائدة ورائعة في الكنيسة الكاثوليكية لا سيما على صعيد التقريب بين التيار المحافظ والتيار الليبرالي، عطفاً على صوغه لتوجهات التعليم الكاثوليكي في ثوبه العصري. والكاردينال «شونبورن» قريب من العالمين العربي والإسلامي، وهو من دُعاة الحوار مع الإسلام والمسلمين، وله آراء مهمة وإيجابية على هذا الصعيد، عطفاً على رؤاه لنوازل حاضرات أيامنا، وفي المقدمة منها أحوال أوروبا الفكرية والروحية، عطفاً على موجات اليمين، والأصولية الصاعدة فيها، ويتوقف كثيراً عند منعطفات العالم في القرن الحادي والعشرين، وبصورة خاصة الإرهاب وأسبابه. يتسم الكاردينال «شونبورن» بالتواضع والمودة، يجيد التحدث بعدد من اللغات، وأجرينا معه هذا الحوار:

نموذج الإمارات

بعض الدول العربية لها خبرة في التسامح الديني واحترام شعائر الآخرين.. كيف تنظرون إليها؟

أظن أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم لنا مثالاً جيداً على التسامح الديني، وهناك قوانين أصدرتها السلطات تنظم هذه المسألة، وأنا أعرف جيداً الأسقف «بول هندر» المنوط به المسيحيين هناك، وكان صديقي من أيام إقامته في سويسرا، وأظن أن النموذج الديني والتسامحي الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة، هو نموذج جيد وخلاق ورائد، وأتطلع إلى أن يسود نموذج التسامح الإماراتي، وينمو في أرجاء الشرق الأوسط والعالم العربي كافة.

إشكالية الطاقة

كيف ترون أحوال العالم مع بداية الألفية الثالثة، وهل كان «أندرية مالرو» على حق حين تساءل عن كونها ألفية دينية أم لا؟

بدأت الألفية الثالثة بآمال عظيمة، ولاحقا بدأ واضحاً أن هناك تحديات كبيرة في الطريق، فالنمو والثروة على سبيل المثال تحولا إلى أزمة، فالطاقة والنفط الرخيص كان لابد لهما من أن ينتهيا، والعالم يعتمد على طاقة غير متجددة، ولهذا فنحن مقبلون على إشكالية طاقة في العقود القادمة، وهذه واحدة من أهم التحديات العالمية.

ظهرت كذلك التحديات الدينية، فبعد فترة علمانية طويلة في نهاية القرن العشرين، أعتقد الجميع أنها نهاية الأديان، غير أن التساؤلات الدينية اليوم في كل مكان، وحديث الأديان هو السؤال الأول في كل مكان.

البعض يعتبر ازدياد الأصولية الإسلامية هو التحدي الأول والأخير حول العالم. ما صحة هذا القول؟

لا، ليس التحدي الأصولي في الإسلام فقط، أو التوتر الحادث داخل الإسلام، هناك تصاعد في الأصولية الهندوسية وكذا في البوذية، المسيحية تعاني من عدم الوحدة، نحن مقسمون إلى كنائس متعددة وجماعات مختلفة، كلها تحت عباءة المسيحية ولكننا غير متحدين، لكن مع ذلك يبقى هناك الأمل واسعاً في أن يسود الحب الجميع، من أجل الوصول للإنسانية الواحدة، لا المنقسمة أو المفككة.

حرب عالمية ثالثة

هل العالم يعيش بالفعل حرباً عالمية ثالثة مجزأة كما قال البابا فرانسيس؟

نعم ذلك هو حال العالم، صراعات مختلفة حول العالم، بعضها يمكن أن يقود لمواجهات أكثر سخونة.. انظر إلى الحال في سوريا، إنها حرب لا فائدة منها ولا طائل من ورائها. لماذا لا تقوم الدول العظمى بإيقاف هذه الحرب عبر إيقاف التسليح؟ إنها حرب مدمرة، والشعب السوري هو الذي يدفع الثمن. الناس تموت، واللاجئون بالآلاف والملايين. هذا جزء من الحرب العالمية الحالية بالفعل؟

لماذا رفض الحبر الأعظم وصف الصراعات والحروب الحالية على أساس أنها حروب دينية؟

البابا رفض فكرة المنظور الديني، فالبعض يستخدم هذا المنظور من أجل تحقيق استراتيجيات بعينها، بعيدة جدا عن مفاهيم الأديان، التي تحث على المحبة والسلام، لا الحرب والخصام.

رفض البابا فرانسيس ربط الإسلام بالإرهاب بشكل حصري كما يسعى البعض... ما دلالة هذا الرفض؟

نحن نرفض ربط البوذية بالإرهاب في سريلانكا، كما نرفض ربط الهندوسية بالجزء الأصولي الهندوسي في الهند والذي يحاول الافتئات على بقية الأديان الأخرى، هذه ليست البوذية أو الهندوسية في عمومها، الكاثوليك والبروتستانت تقاتلوا لعقود في شمال أيرلندا، قتلوا بعضهم، هذه ليست المسيحية بعموم المشهد، لماذا إذن نعمم الإرهاب على الإسلام في حين أن أكبر عدد من ضحايا الإرهاب هم من المسلمين وفي دول إسلامية... الأمر حقاً لا يستقيم.

لماذا تصاعد الإرهاب مؤخراً على النحو الذي نراه حول العالم شرقا وغرباً، وهل من مسببات جذرية له؟

قصة الإرهاب والإنسانية قصة طويلة، ويخطئ من يظن أنها وليدة السنوات الأخيرة، في سنواتي الأولى كانت عندي خبرة عن الإرهاب في ألمانيا، عندما كنت طالباً، الجماعات الإرهابية مثل «بادر ماينهوف» كان لها المنظور نفسه الذي نراه الآن، كانوا متدينين، جاؤوا من عائلات متدينة، واتخذوا الأصولية طريقاً، ودائماً كان طريقهم مملوءاً بالمراحل نفسها والإغراءات، بداية يفقدون الصبر على الأوضاع القائمة، ولاحقاً يخيل إليهم أنهم قادرون على امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم تخليق ملكوت الله على الأرض، إنها الأفكار نفسها التي طرحتها الشيوعية في العهد السوفييتي، وقد كانت بدورها آلة جبارة للإرهاب.

«داعش» بعيون أوروبية

كيف ترون بعيون أوروبية حالة الإرهاب في العالم الإسلامي لاسيما ظاهرتي «القاعدة» و«داعش»؟

أعتقد أن الإرهاب الذي يتخذ اللون الإسلامي في العالم العربي، تنطبق عليه الشروط السابقة نفسها، فالشباب يفقدون الصبر والأمل لأسباب غير واضحة أحياناً ومفهومة في أحيان أخرى، منها ظروف سياسية، وأخرى اجتماعية وتالياً يعتقدون أن الخلافة أو مملكة الله يمكن أن تنشأ عبر تفجير كل ما هو قائم، وعندها سيظهر عالم جديد، إنها نفس الإيديولوجية، لذلك من المهم أن ندرس ظاهرة الإرهاب بطريقة مقاربة، علينا الرجوع إلى حالة الإرهاب السوفييتي في زمن لينين، والوقوف أمام إرهاب هتلر، وتأمل حالة «جيفارا» وآخرين في أميركا اللاتينية، وكيف كان يعمل كل نموذج إرهابي وأعتقد أنك ستجد دائما قاسما مشتركا ليس هو الدين، بل العباءة الدينية المنحولة التي يتدثر بها الإرهابيون.

هل ترصدون معنا ظاهرة تصاعد الأصولية في العديد من الدول الأوروبية؟

الأصولية الأوروبية شيء مقلق بدرجة ما، وهناك إشكالية حقيقية بالفعل، وأظن أن أفضل جواب على الأصولية الأوروبية وأي أصولية أخرى، هو التعليم الجيد، عبر أنظمة تقدمية مفيدة وخلاقة، مع العمل على تحسين الظروف الاجتماعية، فكلما ساءت هذه الأخيرة تحديداً وجد الإرهاب والأصولية مجالاً للنمو لاسيما في ظل نقص الهياكل الاجتماعية السليمة والبنى الاقتصادية السليمة.

هل تشعر بالقلق على أوروبا

من الإسلام؟

كما قلت مؤخرا، أنا لا اشعر بالقلق من الإسلام في أوروبا، بل أشعر بضعف المسيحية في أوروبا، ولهذا السبب تنتشر الأصولية في أوروبا. بشيء من الصراحة.. هناك من الأوروبيين أصوليون أو غيرهم من يرى أن القارة في مواجهة حالة من حالات الأسلمة.. كيف ترون هذه المعضلة؟ السؤال ليس سؤال الإسلام في أوروبا، إنه سؤال التغير السكاني، 40% من سكان العالم مسلمون، والعديد منهم صغار وشباب، إشكالية أوروبا اليوم هي تناقص معدل المواليد، ولذلك فإنه من الطبيعي أن من لديه أطفال وتوالد سيأخذ مكان آخر. المسلمين في أوروبا الآن أقلية عددية، لكنهم الأكثر تكاثراً، ولذلك أتفهم ما يراه البعض منهم من أنهم البديل القادم لأوروبا. هذا أمر لا يخيفنا لكنه في الوقت نفسه يطرح مسؤوليات علي الأوروبيين وجذورهم المسيحية، ما يعني أنه هناك حاجة كبرى ليقظة الإيمان المسيحي في أوروبا.

التواصل الاجتماعي وتأجيج الكراهية

كنتم من الأصوات الرافضة لرسومات «تشارلي أبيدو» التي تحقر الرموز الدينية الإسلامية والمسيحية. هل من مشكلة في التعبير عن الرأي في أوروبا اليوم؟

نعم رفضت رسومات «تشارلي أبيدو» كما أرفض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عندما تلعب دوراً في إذكاء الكراهية بين الناس، هناك تحد يواجه الجميع الآن حول التواصل الإنساني والإعلامي، إذ لابد أن نجد وسائل تواصل بديلة، لكنها يجب أن تقدم احتراماً إنسانياً للآخرين، لا زرع الكراهية، وتشجيع الأصولية على النماء، عندما اقرأ التعليقات على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، أجد نوعاً من الكراهية المجانية ومن أسف هذه تجد لها مريدين في الشوارع، في كل مكان وليس في أوروبا فقط، واعتقد أن هذا أمر يجب أن ينتهي مع مرور الوقت، وإيجاد بدائل إيجابية.

وقفتم ضد الأصوات المطالبة برفض بناء المساجد في أوروبا أو حق المسلمات في ارتداء الحجاب. لماذا؟

الموقف مختلف باختلاف الدول الأوروبية، لكن هناك عناصر أكررها دائماً، بالنسبة لأوروبا والدول الأخرى، ذلك أنه إذا قبلنا فكرة الحريات الدينية، فهذا يعني حرية العبادة بشكل عام لجميع أتباع الأديان، فالمسلمون يسمح لهم ببناء المساجد والمسيحيون يسمح لهم ببناء الكنائس، هناك نظام عام له حدود إرشادية وقوانين تنظيمية، أتكلم على الأقل بالنسبة للنمسا، وفي كل الأحوال هو سؤال من اتجاهين.

قواسم مشتركة

هل من قواسم مشتركة تدفع في تقديركم المسيحيين والمسلمين للتعايش والتعاون معاً؟

المسيحيون والمسلمون يؤمنون بالحياة الأبدية، يؤمنون بالدينونة النهائية والتي لابد من أن نمر بها، لذلك فإن اقتناعي بأن كلينا مسلمين ومسيحيين يجب أن نعطي حسابا عن حياتنا، وأحد الأسئلة الأولية التي سوف يسألنا عنها الله تعالى.. هل فضلت العدالة؟ هل فضلت السلام؟ هل فضلت المصالحة... إن التحديات القائمة حول العالم الآن هي تحديات لكلينا وليس لأحدنا دون الآخر.

هل تعتقدون أن الحوار بين أتباع الأديان آلية صالحة بشكل أو بآخر لمواجهة الأصولية العنيفة؟

لا يوجد بديل عن الحوار، إنه يقرب المسافات بين البشر، ويباعد من الكراهيات، ويعمق من حديث المودات والإنسانيات.

أوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط بعد ما جرى في العراق وسوريا مدعاة لقلق كثيرين.. هل هو قلق مبرر؟

كما يقول مسلمون كثر اليوم، خسارة المسيحيين في الشرق الأوسط أي اختفاؤهم، سيكون خسارة مروعة للمنطقة بأكملها، لأسباب عديدة منها أسباب سياسية كذلك، هؤلاء الذين لهم نظرة إقليمية واسعة، يجب أن يفعلوا كل شيء من أجل الحفاظ على وجود المسيحيين العرب، اختفاؤهم مسألة درامية بالفعل، ومأساة إنسانية تنتقص من فسيفساء الحضارة العربية العريقة.

عارضتم في تصريحاتكم فكرة مقاطعة إسرائيل. لكن على الجانب الآخر ألم يحن الوقت لإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني؟

أنا أؤمن بقوة فيما قاله البابا بندكتوس عندما زار إسرائيل، والبابا فرانسيس عندما زار الأردن، كل منهما صرح بود بالغ بأنه حان الوقت لزرع الأمل في المنطقة من خلال قيام دولة فلسطينية مستقلة، هذا تحد كبير، وأظن أن كل الجهود يجب أن تكرس من أجله، من أجل الوصول إلى حياة جديدة وجدية معا، المصالحة هي أفضل طريق للقضاء على العنف، وخلق حياة راقية طيبة صادقة.

نصائح للشباب

يطلق عليكم لقب «صديق الشباب»، فما هي نصيحتكم للشباب حول العالم من كل الأديان والأجناس والأعراق؟

أقول لهم: لا تقعوا في فخ الإيديولوجيات، لا تؤمنوا بأولئك الذين يعدونكم بجنة سهلة على الأرض، آمنوا بالإنسانية المهيكلة جيداً، آمنوا بشجاعة الالتزام الواحد تجاه الآخر، آمنوا بخلق مجتمعات إنسانية وبشرية جيدة.. هذه هي نصيحتي.