الاتحاد

الإمارات

ملتقى الباحثين عن مأوى


تحقيق : علي مرجان
يبدو أن الرصيف قصة لن تنتهي·· فهو صديق يؤنس أبطال الكثير من الحكايات التي تمر على هامش حياتنا المفعمة بتفاصيل يومية جعلتنا ننظر إليه وكأنه ساكن لا يقوى على الحركة ·· إن الرصيف - بكل ما فيه- هو بئر للأسرار والتجاوزات التي قد لا نمتلك الشجاعة لأن نحكي عنها للبشر·
هي أسرار وحكايات من قمة المجتمع وقاعه، وربما تبدو الصورة بديعة تغطيها طبقات الكريمة والبهارات، لكنها ومن الأسفل أقرب إلى بركان ثائر··حياة ليست للنشر·
'الاتحاد' تواصل فتح ملف الرصيف والبشر·· نقترب أكثر·· ونكتشف المزيد·
وسط زحام البشر الذين امتلأ بهم الرصيف الواسع بشارع الضيافة ·· جلس م ·م، الذي اقترب عمره من الخامسة والأربعين عاما، شاردا·· تكسو ملامحه سحابة حزن وحالة يأس كأنه اقترب من الوقوع في بئر عميقة ··سألناه عن سر جلوسه هنا وشروده هناك ·· احتار كثيرا في الرد، لكنه وبعد دقائق معدودة بدأ يحكي : أنا مدرس كيمياء ·· ·· تركت وظيفتي، ودفعت ما أملك لكي أحصل على الإقامة هنا ·· الآن مرت ثلاثة شهور كاملة ولا مكان يأويني إلا هذا الرصيف·
صمت قليلا وهو يمسح دمعة سالت من عينيه وعاد ليكمل : أنا مستعد لأن أعمل في أي شيء· صمت مرة أخرى وعاد ليردد : أي شيء ·· أي شيء ·
هكذا صار الرصيف بيتا آمنا للباحثين عن وظيفة·· تعرفهم من وجوههم الشاحبة ونظرات الأماني التي يطاردك بها أي منهم وكأنه غريق يتعلق بقشة·
إن ما دفع أيمن صلاح الذي قضى في دبي ستة شهور كاملة للجلوس على الرصيف القريب من مسكنه في شارع المطينة ، ومقررا الهروب من الزحام الذي يسيطر على الغرفة التي يشاركه فيها ثمانية أشخاص ·· لا يبحث عن نزهة في الهواء الطلق وإنما يبحث عن أية فرصة لعمل مؤقت يمنحها إياه الباحثون عن عمالة على ساحات الأرصفة·
ويحكي أيمن: هنا وعلى ذلك الرصيف عشرات الشباب الباحثين عن وظيفة والذين يمثل لهم هذا المكان موقعا سحريا للالتقاء وإيجاد الفرص المتاحة التي تنحصر في جدار يبحث صاحبه عمن يهدمه أو يزينه، ومنذ الرابعة عصرا وحتى وقت متأخر من اليوم تكون جلساتهم الطويلة التي يجمعها أمل واحد يتلخص في ميلاد فرصة عمل لم تأت بعد ·
وعلى بعد خطوات، كان محمد وحيد الذي اختار أن يخرج ما بداخله في الجريدة التي اعتاد أن يتصفحها من الوضع جالسا على الرصيف وعلى مدار 3 ساعات متواصلة يوميا ·· محمد يبحث هو الآخر عن وظيفة، لكنه دائما ما ينتظر أصدقاءه في ذلك المكان·· والغريب أنهم أكدوا له أن تلك الساحة من الطريق هي الأفضل ليلتق بهم وليبحث عن فرصة عمل وسط أقرانه·
نائمون في الهواء الطلق
ما زلنا نستخرج من الرصيف حكاياته التي لا يبوح بها لبشر، بل يكتمها بداخله ملقيا بها في بئر عميقة·· وليس أدل على ذلك مما يفعله الكثيرون عندما يلقون بأجسادهم على سطحه ويذهبون في سبات عميق ··سألنا أحدهم: لماذا ؟·· أجاب : لأن الرصيف صار هو بيتي المتنقل ·· ولأنني لست قادرا على الحياة داخل غرفة لها جدران·
مفاجأة دفعتنا لتكرار السؤال على آخر- رفض البوح باسمه- وأجاب: من خلال جولة سريعة لأرصفة الكثير من شوارع دبي يمكنك أن تشهد العشرات ممن ينامون على سطحه أو في المتنزهات العامة بعد أن رحل عنها زوارها ·
مواهب على الرصيف
عبد الحميد إبراهيم ، وهو ما زال يبحث هو الآخر عن وظيفة، يتحدث، في منطقة أخرى، قائلا: عمري 30 سنة ، وحضرت إلى هنا منذ 10 أيام ·· ما زلت أبحث عن عمل لكن بدون نتيجة، وأرى أن الرصيف هو أيضا ملتقى أولئك الذين يمتطون دراجاتهم العادية أو البخارية ، أجلس لأتابعهم مثلما أحرص على متابعة هواة لعبة الكاراتيه الذين تمثل لهم الأرصفة الواسعة والمتنزهات العامة مكانا لممارسة تدريباتهم ·
ويضيف عبد الحميد : الرصيف يشهد ميلاد العديد من المواهب الغنائية التي يلتف حولهم أصدقاؤهم في سهرات ليلية يكون الغناء خلالها هو طريق الهروب من أحزان دفينة·
باختصار ·· هذا هو الرصيف·· الذي لم يتجرأ أحد على الاقتراب من عوالمه المتناقضة ، لكنها حياة مختلفة التقطناها من زحام الحياة·

اقرأ أيضا

نهيان بن مبارك يفتتح «معرض الأدوية» في أبوظبي