الاتحاد

تقارير

المهاجرون··· أول ضحايا الركود الروسي

الأزمة الاقتصادية··· عبء جديد على  الروس

الأزمة الاقتصادية··· عبء جديد على الروس

منذ سنوات قليلة، سافر ''إليشر عزيزوف'' بالقطار من طاجيكستان إلى موسكو بحثاً عن حياة أفضل، وجدها هناك بالفعل، فمن خلال عمله كحارس ومسؤول مخزن في محل لبيع الزهور، كان عزيزوف البالغ من العمر 32 عاماً، والذي ينتمي إلى عائلة من المزارعين الفقراء، يكسب ما لا يقل عن 1000 دولار شهرياً وهو دخل يزيد 15 مرة عن الدخل الذي كان يحصل عليه في قريته الأصلية الفقيرة، وكان يمكنه من الإنفاق على نفسه، وعلى عائلته الممتدة التي تتكون من زوجته وأبنائه الخمسة، ووالديه، وإخوته وأخواته·
كان الوضع يبدو جيداً للغاية بالنسبة لعزيزوف، وذلك قبل أن يقدم صاحب العمل على تخفيض راتبه بمقدار الثلثين بسبب الأزمة العالمية التي ضربت روسيا، وهو دخل لا يكفيه حتى للإنفاق على نفسه، أو دفع نصيبه في إيجار الشقة المزدحمة التي يسكن فيها مع عدد آخر من العمال المهاجرين· وبهذه الكيفية وجد عزيزوف نفسه في محطة القطار مرة أخرى مفكراً في رحلة العودة الطويلة إلى قريته· وبهذه المناسبة يقول في نبرة حزينة وهو يقف في محطة ''كازانسكي'' للسكك الحديدية مع مجموعة أخرى من العمال الذين كانوا يشتكون من أنهم لم يستلموا رواتبهم منذ شهور: ''لقد كان والدي فخوراً بي عندمـــا كنت أحول إليه جزءاً كبيراً من راتبي السابق· لقد كنت أمثل أملهم هنا في روسيا، وكانوا يعتمدون عليّ في توفير احتياجاتهم وتحقيق الاستقرار لهم''·
وعزيزوف ليس سوى واحد من ملايين العمال المهاجرين الذين اجتذبتهم الطفرة في أسعار النفط في روسيا خلال السنوات الثماني الماضية، والذين يكافحون الآن من أجل تدبير أمور معيشتهم بالكاد، في الوقت الحالي الذي تصارع فيه الدولة أسوأ حالة ركود تمر بها منذ عقد من الزمان·
ومحنة العمال المهاجرين في روسيا، الذين يصل عددهم إلى 12 مليوناً تقريباً، ستكون محسوسة بشكل كبير في بلادهم الأم وخصوصاً جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الواقعة في وسط آسيا، والتي كانت تحويلات المهاجرين تمثل نصف ناتجها المحلي الإجمالي· كما تمثل هذه المشكلة تحدياً كبيراً للحكومة الروسية، التي ترى أن تزايد أعداد المهاجرين المهمشين والعاطلين عن العمل يمثل خطراً كبيراً على مجتمع يعاني في الأصل من مشكلات عديدة ناتجة عن العنف الذي تقف وراءه دوافع عنصرية·
ومما يفاقم من هذه المشكلة أيضاً أن روسيا تدرك أنه لا غنى لها عن هؤلاء المهاجرين خصوصاً على ضوء التقلص الكبير في أعداد الروس في سن العمل، والذي يدفعها دفعاً إلى الاستعانة بالعمال الأجانب· ولكن الخطاب القومي المتعصب، وارتفاع معدلات البطالة بين الروس أنفسهم، أديا إلى تغذية ردة فعل معادية للعمال الأجانب؟ ويحذر الناشطون في مجال حماية حقوق المهاجرين من أن تؤدي مشاعر العداء للأجانب إلى خروج جماعي لهم من روسيا إلى أوطانهم الأصلية لأن ذلك لو حدث فستكون له تداعيات سلبية للغاية على الاقتصاد الروسي·
ومما يفاقم من المشكلات التي يعاني منها العمال الأجانب كذلك أن الركود الناشب في روسيا حالياً بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، يفاقم من الظروف السيئة أصلاً التي كان هؤلاء العمال يعملون ويعيشون في ظلها· فمعظمهم من المقيمين في روسيا بشكل غير شرعي وليس لديهم سوى جهات محدودة يمكن أن يلجأوا إليها طلباً للعون، إذا ما تأخر أصحاب الأعمال عن صرف رواتبهم لشهور عديدة أو امتنعوا عن صرفها من الأساس أو أجبروهم على العمل في ظروف غير صحية وخطرة·
وليس هذا فحســب بل إن هؤلاء العمال يعانون من ظروف معيشية غاية في السوء حيث يضطرون إلى التكدس في غرف صغيرة أو مساحات ضيقة وهـــو ما يؤدي أحياناً إلى وقوع أحداث كارثية مثل الحريق الذي اندلع الشهر الماضي وأسفر عن مصرع سبعة عمال طاجيك كانوا يعيشون في مرآب للسيــارات في أحــد أحياء موسكو·
وحول ذلك تقول ''جين بوكانان'' كاتبة تقرير منظمة ''هيومان رايتس ووتش'' الخاص باستغلال عمال البناء المهاجرين في روسيا: ''إن المشكلة بالنسبة لهؤلاء العمال هي أن الخيارات المتاحة لهم في مواطنهم الأصلية أسوأ بكثير من تلك المتاحة لهم هنا في روسيا مما يجبرهم على القبول بمزيد من المخاطر· وأعتقد أن الظروف التي يمر بها هؤلاء العمال في الوقت الراهن ظروف بالغة الخطورة حقاً''·
يشار إلى أن الجماعات الناشطة في مجال حماية حقوق العمال الأجانب تمكنت من رصد زيادة دراماتيكية في أحداث العنف المرتبطة بأسباب عنصرية ضد العمال الأجانب وخصوصاً أولئك القادمين من دول آسيا الوسطى، حيث تبين سجلات تلك الجماعات أن عدد العمال الذين لقوا مصرعهم جراء هذه الجرائم قد وصل إلى 122 قتيلاً العام الماضي مقارنة بـ25 فقط عام ·2005 وفي واحدة من أفظع تلك الجرائم استلمت إحدى تلك الجماعات رسالة بالبريد الإلكتروني مرفقة بصورة لرأس مقطوع لرجل طاجيكي تم العثور على أجزاء من جثته من طرف الشرطة في نفس اليوم· واتهمت الرسالة العمال ذوي البشرة الداكنة بالتسبب في ''موجة غير مسبوقة من الجريمة'' في روسيا، وهددت بقتل المسؤولين الروس الذين يتقاعسون عن طردهم·
ويؤكد ''ميرزا ليم ميرزا كريموف'' 28 عاماً، هو مهاجر من قرغيزيا يعمل كهربائياً وتم الاستغناء عنه مؤخراً أنه لا يغادر مسكنه بعد حلول الظلام خوفاً من مثل تلك الجرائم ولكنه يخطط للبقاء في موسكو والبحث عن وظيفة جديدة، ويقول: ''أنا لست متفائلًا بالعثور على وظيفة جديدة، ولكنني أيضاً لست متشائماً، ويمكن أن تقولوا إنني بين هذا وذاك''·

سارة شافر - موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا