الاتحاد

تقارير

ميتشل··· هل يحرك سلام الشرق الأوسط؟

ميتشل··· هل يحرك سلام الشرق الأوسط؟

ميتشل··· هل يحرك سلام الشرق الأوسط؟

قليلون هم الساسة الذين يستطيعون أن يبدأوا ملخص سيرتهم الذاتية بعبارة مثل:''خلال الأعوام1995-،1999 تمكنت من حل واحد من أقدم صراعات العالم، وأكثرها استعصاءً''· لذلك، عندما كان الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون يبحثان عن مبعوث أميركي للسلام في الشرق الأوسط، فإن الرجل الذي كتب فعلاً في سيرته الذاتيه هذه العبارة وهو جورج ميتشل، كان لا بد أن يبرز باعتباره الخيار الأفضل·
فهل هناك أحد يمكن تكليفه بمهمة تحقيق السلام في الشرق الأوسط أفضل من رجل غدا خبيراً بطرائق عقد الصفقات المعقدة التي تمكن خلالها من نزع الفتيل عن صراع دامٍ في أيرلندا؟ وخلال عمله كوسيط للسلام في أيرلندا اشتهر ميتشل السيناتور السابق بصبره، وعناده، وبراجماتيته، واستعداده للاستماع للآخرين، وتصميمه على إنجاز الأشياء حتى نهايتها بالإضافة لتجرده التام· وليس هناك شك أن السيناتور السابق الذي عاد من أول زيارة له إلى الشرق الأوسط الأسبوع الماضي كمبعوث لأوباما، هو أكثر من يعرف أن تلك المزايا الشخصية التي مكنته من تحقيق النجاح في تلك المقاطعة البريطانية لن تكون كافية -وحدها- لتحقيق النجاح في الشرق الأوسط: فالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني هو الآن أبعد كثيراً عن التسوية مما كان عليه الصراع في أيرلندا منتصف التسعينيات، علاوة على أن بلفاست لا تشبه غزة اليوم· مع ذلك يصر العارفون به، أو الذين عملوا معه على القول بأن سماته الشخصية تؤهله تماماً للعب دور الوسيط النزيه·
أبرز تلك السمات في نظر''جيري آدمز'' الزعيم ''الجمهوري القومي الأيرلندي''، هي اهتمامه بالتفاصيل ورفضه الانسياق وراء الحيل الخبيثة، والتسويف المستمر من جانب طرفي الصراع، وهي الصفة التي مكنته من تحقيق ذلك الإنجاز وعززت من شهرته· قال ''آدمز'' في مقابلة أجريت معه مؤخراً:''لقد وجدته دائماً شخصاً دمث الطبع، مرحاً، وصبوراً وأرى أن خبرته في حل الصراع الأيرلندي ستكون خير عون له في مهمته بالشرق الأوسط''·
وهنا قد يرد على الذهن سؤال: هل هذه الصفات قابلة للنقل إلى الشرق الأوسط؟ بمعنى آخر: هل الصفات التي مكنت ميتشل من النجاح في أيرلندا ستمكنه من تحقيق النجاح في الشرق الأوسط كذلك؟
المشكلة المتعلقة باستخدام مهارات ميتشل في الشرق الأوسط، هي أن حجم العداوات في هذه المنطقة تجعل من الصعوبة بمكان -حتى بالنسبة لرجل يتوفر على تلك الصفات- تحقيق التسويات المطلوبة بين طرفي الصراع· وهناك عنصر اختلاف آخر بين المشكلتين، وهو أن ميتشل حينما وصل إلى أيرلندا للقيام بمهمته كانت هناك اتفاقيات لوقف إطلاق النار مطبقة بالفعل منذ فترة، وكان هناك إدراك ملح لدى طرفي الصراع بأن الوقت قد حان لعقد صفقة·
يختلف هذا عن الوضع القائم حالياً في الشرق الأوسط، وذلك كما يقول''أمنون أران'' الخبير بشؤون الشرق الأوسط بمدرسة لندن للاقتصاد:
''تجربة ميتشل ستكون أكثر ملاءمة عنــــد الوصــــول إلى المرحلـــة التـي يمكن عندها تجميع عناصر صفقة يمكن للطرفين أن يتفاوضا بشأنها من خلال وسيط للتوصل إلــــي تسويــــــة ما، ولكن المشكلـــة في الشرق الأوسط أن طرفـــــي الصراع لا يزالان بعيدين عن ذلك كل البعد''· ومما يصب في صالح ''ميتشل'' أنه ليس جديداً على الشرق الأوسط حيث كان قد أمضى ستة شهور في المنطقة في مهمة لتقصي الحقائق أثناء الانتفاضة الثانية بعد أن كان قد انتهى من مهمته في بلفاست· وخلال التقرير الذي أعده في ختام مهمته لتقصي الحقائق، أوصى''ميتشل'' بإنهاء القيود الإسرائيلية المفروضة على حرية حركة الفلسطينيين، وتجميد بناء المستوطنات على أراضي الضفة الغربية، وإنهاء العنف من جانب الفلسطينيين، وهو كما نرى تقرير يتسم بالنزاهة والمساواة بين الطرفين·
وعلى الرغم من أن هناك بعض أوجه التشابه في الصراعين مثل: المجتمعات المنقسمة انقساماً عميقاً، مسائل الشرعية، وتداعيات التقسيم، والرؤى المتضاربة للتاريخ، فإن صراع أيرلندا يعتبر أحادي البعد إذا ما قورن بصراع الشرق الأوسط·
حول هذه النقطة تقول ''رايم اللاف'' الخبيرة بصراع الشرق الأوسط بمعهد ''شاثام هاوس'' وهو معهد فكري مقره لندن:''في الشرق الأوسط هناك احتلال الأراضي الفلسطينية، ووجود أعداد ضخمة من اللاجئين في قطاع غزة والبلاد العربية والأجنبية وهو ما يختلف عن الوضع في أيرلندا الشمالية التي لا يوجد بها مسائل مثل المستوطنات، كما لا يوجد فيها قضايا معقدة مثل قضية القدس تحتاج إلى حل· ولا أعتقد أنــــه من الممكن تطبيق الدروس المستخلصة من تجربة ميتشل في إيرلندا، من أجل حل الصراع في الشرق الأوسط''· علاوة على ذلك كان ميتشل أثناء مهمته الأيرلندية يعرف مع من يتحدث، وهــــو ما يختلف عن الوضع في الشرق الأوســـط· فحتى إذا ما نُصح مثلاً بالحديث مع ''حماس''، فإن السؤال الذي سيواجهه: (مــــع من تحديــــداً في حماس يمكـــن أن يتحادث، هل مع قيادتها السياسية في دمشق، أم مع قيادتها السياسية في غزة، أم مع قادتها العسكريين؟)·
وعلى الرغم من تعقد وضع المفاوضات في الشرق الأوسط، فإن الشيء الذي يتوقع أن يضيف إليها مزيد من التعقيد هو فوز زعيم ''اليمين'' الإسرائيلي''بنيامين نتانياهو'' في الانتخابات التي ستجري اليوم والذي وعد بأنه في حالة فوزه في الانتخابات بطرد ''حماس'' كلية من غزة·
ويرى ''اران'' أن السمات الشخصية لميتشل يمكن أن تحدث فارقاً فيما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة، ولكننا إذا أخذنا في الحسبان حرب يوليو 2006 في لبنان، وحرب غزة ،2009 والشقاق بين الفلسطينيين، والتوجه نحو ''اليمين'' في إسرائيل، وتهميش ''فتح''، فإننا سنتوصل إلى خلاصة مفادها أن هذه الاشياء هي الأكثر قدرة على تحديد المسار الذي تتخذه المفاوضات من السمات الشخصية''·
وهناك عدد قليل من الخبراء يتوقع أن يتمكن ميتشل من تحقيق اختراقات في بداية ما يعتبرون أنه سيمثل رحلة طويلة وشاقة من الدبلوماسية المكوكية، وخصوصا على ضوء ما قاله ميتشل من أنه يخطط لتحقيق'' وجود مستمر ودائم في المنطقة''· علاوة على ذلك ينظر البعض إلى الخطوات المبكرة التي قام بها منذ تعيينه على أنها مجرد إعلان نوايا وليس ممارسة في مجال صنع السلام· وتقول السيدة ''رايف اللاف'': كل ما هنالك هو أنهم في أميركا يريدون أن يضعوا أقدامهم هنا كي يثبتوا أن أوباما لا يتجاهل موضوع الشرق الأوسط في حين أن الحقيقة هي أن أمامه مسائل أكبر مثل الاقتصاد، والعراق، وأفغانستان''·

مارك رايس أوكسلي-لندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا