الاتحاد

ألوان

العلماء: الاتجار بالدين فساد في الدنيا وخزي في الآخرة

د. محمد الشحات الجندي

د. محمد الشحات الجندي

أحمد مراد (القاهرة)
رفض العلماء كافة صور الاتجار بالدين وتوظيفه من قبل بعض الجماعات والأفراد من أجل تحقيق مكاسب شخصية سياسية كانت أو تجارية أو اجتماعية أو غير ذلك من شؤون الدنيا.

ووصف العلماء توظيف الدين لخدمة المصالح الخاصة بأنه فساد بيّن، وتجارة خاسرة، وخزي في الدنيا والآخرة، وسوء استغلال للدين المقدس الذي أمر الله تعالى أن يصان، وألا يقحم في أي صراعات أو منافسات من شأنها أن تزيد الشقاق في صفوف المجتمع المسلم.
وشدد العلماء على ضرورة تبصير الناس بخطر الجماعات والأفراد الذين يوظفون الدين من أجل مآرب خاصة، وهم في سبيل ذلك يتظاهرون بالتدين، ويزعمون أنهم يمثلون الدين الحنيف، وأنهم يدافعون عن قيمه وتعاليمه ومبادئه، وهم في الحقيقة يتسترون وراء ذلك ويخفون أطماعهم الدنيوية، الذي يسعون إلى تحقيقها.

مكاسب دنيوية

يستنكر الدكتور محمد الشحات الجندي - الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية - قيام البعض بتوظيف الدين من أجل تحقيق مكاسب دنيوية، موضحاً أن القرآن الكريم حذر في كثير من الآيات من هذه التجارة الخاسرة منها قول الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)، «سورة البقرة: الآية 16»، وكذلك قول الله عز وجل: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، «سورة البقرة: الآية 86».

ويقول: الإتجار بالدين واستغلاله لتحقيق منافع دنيوية بمثابة فساد كبير في الحياة الدنيا، وخزي وخسارة في الآخرة، ومن ثم يجب العمل على توعية جمهور العامة بخطر الجماعات والأفراد الذين يوظفون الدين من أجل مآرب خاصة، وهم في سبيل ذلك يتظاهرون بالتدين، ويزعمون أنهم يمثلون الدين الحنيف، وأنهم يدافعون عن قيمه وتعاليمه ومبادئه، وهم في الحقيقة يتسترون وراء ذلك ويخفون أطماعهم الدنيوية، الذين يسعون إلى تحقيقها.
ويشير عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى أنه في السنوات القليلة الماضية انتشرت في المجتمعات العربية والإسلامية ظاهرة استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية ومالية واجتماعية، ويتضح ذلك جلياً في أسلوب بعض الجماعات والفصائل التي تصف نفسها بالإسلامية رغم أن أفعالها تتعارض مع صحيح الإسلام في ما يخص المعاملات، ومن هنا كان لابد من كشف حقيقة هذه الجماعات وأهدافها من وراء استغلال الدين، وينبغي على كل مسلم أن يعلم أنه لا يوجد فصيل يتميز عن الآخر إلا بالعمل والسعي من أجل الرقي وتحقيق التنمية لنفسه ولمجتمعه مبتغياً في ذلك مرضاة الله تعالى.
ويضيف: نحن في أمس الحاجة إلى أن نرفع درجة الوعي لدى أفراد المجتمعات العربية والإسلامية، وتعريفهم بأن الإسلام الحنيف دين عمل وعلم وتقدم، وليس قاصراً على المظاهر الخارجية، التي لا دخل لها بجوهر الإسلام، وأن الحساب سيكون على العمل وليس على أي شيء آخر.

الصراعات والمنافسات

ويرفض الدكتور محمد كمال إمام - أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية - محاولات توظيف الدين لخدمة أهداف تجارية أو سياسية أو شخصية، مؤكداً أن هذا الأمر فساد كبير، وتجارة خاسرة، وسوء استغلال للدين المقدس الذي أمر الله تعالى ألا يقحم في أي صراعات أو منافسات من أي نوع. ويؤكد أن أبرز صور الإتجار بالدين توظيفه في الصراعات السياسية، كالتنازع الحزبي بين طوائف معينة من أجل الحصول على مناصب أو منافع، وبالتأكيد الدين لا يتدخل في مثل هذه الأمور، ويجعل للناس الحرية الكاملة في أن يختاروا من يشاءون، ولا يصح هنا أن تخرج أراء ترتبط بتوجهات سياسية لتخدم فصيلاً أو حزباً دون الآخر، موضحاً أن علاقة الدين بالسياسة في الفترة الأخيرة قد شابها الكثير من المفاهيم الخاطئة التي أنتجت المشاكل الفكرية، التي تعيشها الأمة الإسلامية.

السياسة متغيرة

وأشار أستاذ الشريعة الإسلامية إلى أن خطر ربط الدين بالسياسة ليس لأن الإسلام لا توجد به تشريعات سياسية، بل لأن السياسة متغيرة وتتغلب فيها المصالح، وقد تخدم فئة معينة أوحزباً محدداً، لذلك يكون إبعاد الدين عن التوظيف لمآرب سياسية من الواجبات، معرباً عن أسفه لاستغلال بعض الجماعات لحاجات الناس المادية والاجتماعية لتحقيق أغراض والحصول على أصوات انتخابية، مؤكداً أن ذلك يخالف مقاصد الشريعة، فيقول الله عز وجل: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)، «سورة الروم:الآية 39»، فمن يحسن يجب أن يبتغي بإحسانه وجه الله، وأما من يقدم الخدمات الخيرية للناس من أجل مكاسب سياسية فهو نوع من الربا السياسي.

تجارة بالدين

ويؤكد الشيخ محمد زكي - الأمين العام الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً - أن توظيف الدين من جانب فصائل سياسية أو أفراد أو جماعات أو شركات لتحقيق مكاسب شخصية دنيوية دون مصلحة عامة للوطن أو الأمة هو نوع من التجارة بالدين، وهي تجارة لا مكسب فيها، وإنما خسران وخزي في الدنيا والآخرة.

ويشدد على أن الإتجار بالدين أمر مرفوض شرعاً، ولا يمكن القبول به بأي شكل من الأشكال، والحقيقة أن هناك خطراً أكبر يقع عند استخدام أو توظيف الدين في حسم منافسات وصراعات سياسية أو تجارية، فهذا من شأنه تعميق الخلاف والشقاق بين المسلمين وأبناء الوطن الواحد لمجرد خلاف سياسي أو تجاري، وهو أمر ممقوت ومحرم شرعا، ومن شأنه التورط في اقتتال واحتراب لا شرعية دينية له، ولا مصلحة فيها إلا لأعداء الوطن في الداخل والخارج، ورب كلمة طيبة تكون سبباً في حقن الدماء وتقريب الفرقاء، ورب كلمة خبيثة تكون سبباً في إزهاق الأرواح وزيادة الشقاق بين أبناء الوطن الواحد.
ويقول الشيخ زكي: الدين مصدر تجميع لا مصدر تفريق، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وإقامة العدل بين الناس علي مختلف أجناسهم، ومن ثم لا يجوز توظيفه لتحقيق مكاسب شخصية حتى لا يتحول إلى مصدر للتفريق والشقاق، فالدين لا يوظف إلا بما يعود بالنفع العام، وبما يحقق مصالح الوطن بصفة خاصة والأمة الإسلامية بصفة عامة.

اقرأ أيضا