الاتحاد

ألوان

«جزيرة أبوظبي» نافذة على حضارة وطن

ورشة صباغة الملابس بالطرق التقليدية

ورشة صباغة الملابس بالطرق التقليدية

أشرف جمعة (أبوظبي)

اكتشاف مصادر المياه العذبة في جزيرة أبوظبي كان نقطة تحول كبيرة في نمائها وعمرانها، إذ نمت إمارة أبوظبي في القرنين الثامن والتاسع عشر من قرية صغيرة مكونة من منازل مصنوعة من سعف النخيل إلى مدينة ذات أكثر من 5000 ساكن وكان السوق مركز الحياة الصاخب في المدينة ويقصده السكان والزوار من الصحراء، حيث يقومون بشراء البضائع المحلية والمستوردة والفحم والخضراوات والماشية، والتي كانت تنقل جميعها على ظهور الإبل. وفي احتفالية قصر الحصن هذا العام يعرض جناح جزيرة أبوظبي جملة من التقاليد النابضة بالحياة، حيث الشرطة القديمة والمدرسة المبنية من سعف النخيل وساحة ألعاب زمان وورش الطبخ الشعبي وزهبة العروس وصبغ الملابس بالطرق التقليدية وغيرها من المناشط التي تؤكد حضور جزيرة أبوظبي بطابعها التقليدي القديم.

سوق شعبي
توافد الزوار إلى أسواق جزيرة أبوظبي لشراء السلع الشعبية والمنتجات اليدوية، وشملت الأسواق منتجات ذات جودة عالية مثل العطور والملابس والعصي والمجوهرات والأقمشة والمشغولات اليدوية، حيث إن الإماراتيين اعتادوا صناعة البخور يدوياً في المنزل وذلك بخلط العود والسكر الأبيض والزيوت المعطرة في مزيج خاص ثم يتم تشكيله حسب الرغبة ويستعمل البخور لما يتمتع به من رائحة عطرة تضفي على الملابس والمفروشات والأجواء لمسة زكية ومميزة.
وفي أحد أركان جزيرة أبوظبي استهوى الطفل علي الحوسني 13 عاماً الوقوف أمام أحد الدكاكين التراثية حيث المعروضات التي تعبر عن الزمن القديم إذ إنه تعود أن يرى الملابس ذات العلامات التجارية العالمية لكنه وقف يتأمل هذا المزيج من المنتوجات الحية مثل الكنادير وغيرها. ويذكر الحوسني أنه عاش لحظات سعيدة في جنبات جزيرة أبوظبي حيث استمع كثيراً لوالده الذي اصطحبه إلى هناك وظل يتحدث إليه عن طبيعة الحياة قديماً وهو ما جعله يتحرك بمفرده بين سوق الجزيرة ليشاهد بنفسه هذا الزخم التاريخي في مهرجان قصر الحصن، ويلفت إلى أن المهرجان اهتم بجميع الفئات العمرية وشكل ملامح الزمن الجميل بين جنباته وهو ما يحفز الأسرة على الحضور طوال أيام المهرجان.

دلال عتيقة
حمد فارس طفل آخر عمره 12 عاماً جاء بصحبة أسرته إلى قصر الحصن واتجه مع صديقه الذي يقاربه في العمر علي إسماعيل إلى جزيرة أبوظبي حيث بهره منظر الدلال العتيقة بأحجامها المختلفة وهو ما جعله يقترب رويداً رويداً من الدلال ثم حمل واحدة ورفيقه حمل أخرى وظلا يتأملان هذا الدلال، حيث يقول حمد: سوق جزيرة أبوظبي الشعبي متميز هذا العام حيث إنني شرفت بالحضور العام الماضي إلى مهرجان قصر الحصن وكنت حريصاً على المشاركة في فعالياته التي أمتعتني كثيراً وأشعرتني بسعادة كبيرة، فالمهرجان يتميز بكثرة فعالياته فضلاً عن جزيرة أبوظبي التي بدت في حلة بديعة وكأنها صورة طبق الأصل للحياة قديماً.

دكان الأصالة
جلست موزة مصبح المري في دكانها التراثي الذي يتصدر سوق جزيرة أبوظبي الشعبي، إذ أطلقت عليه اسم «التقاليد الأصيلة»، واهتمت بعرض الملابس القديمة والأقمشة التي كانت متداولة في «زمن لوّل»، مؤكدة أنها تميزت في هذا اللون من المنتوجات التراثية التي تبهر الأسر الإماراتية في الوقت الحاضر مثل الميزع الإماراتي الخاص بالمناسبات والكنادير والجلاليب العربية وبعض الملابس المصنوعة من قماش بوطيره وأثواب المزري، مشيرة إلى أن الكثير من الأسر الإماراتية تعجبها هذه الملابس وهو ما يجعل هناك إقبالاً كثيراً على معروضاتها خصوصاً من السيدات والأطفال.

كاجوجة زمان
ارتكزت زليخة السيد في أحد الدكاكين التراثية بالقرب من الكاجوجة لتنسج خيوط التلي التي تزين الملابس، لافتة إلى أنها تعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة بهدف نقلها إلى الأجيال الجديدة. وتذكر زليخة أن التلى من أشغال الزينة الجميلة والحصرية في دولة الإمارات ويستخدم في تزيين ملابس النساء إذ يوضع عند أكمام الثوب والرقبة، ويستخدم في صناعته ست بكرات من خيوط الحرير الصافي والخوص الذي يضفي الأناقة على الملابس النسائية كافة، وتشير إلى أن ركن جزيرة أبوظبي يحتفي بالصناعات القديمة، وترى زليخة أن السدو أيضاً من الحرف اليدوية القديمة التي يحتفي بها المهرجان فهي عبارة عن نسج يغزل من القطن أو الصوف وهو من أهم الحرف اليدوية الشعبية الإماراتية، ورغم أنه يشبه النول للوهلة الأولى إلا أنه يختلف في التقنية والإنتاج، إذ تستعمل فيه خيوط الصوف الملونة فتسدي طولاً وعرضاً بوساطة «المدرة» لحياكة قطع جاهزة عديدة كالبساط أو الأغطية، ولقد تمت إضافة «حرفة» السدو إلى قائمة منظمة اليونسكو للممارسات الحرفية التي تحتاج إلى حماية فورية وذلك في عام 2011.

زهبة العروس
خصصت جزيرة أبوظبي في مهرجان قصر الحصن ركناً للأعراس الإماراتية القديمة وهو ما يتيح للجمهور مشاهدة عرس حي إذ إن زهبة العروس حاضرة في إحدى الخيام مع وجود صناديق كاملة تحمل ملابس العروس.
وتقول ضابط أول تسويق في الاتحاد النسائي العام سميرة العامري: «للأعراس مكانة خاصة في المجتمع الإماراتي فهي احتفال بالحياة والتقاليد يشترك في إقامتها الرجال والنساء والصغار على حد سواء، وكانت تمتد الأفراح الإماراتية من ثلاثة إلى سبعة أيام، حيث يبدأ الاستعداد لها من قبل أهل العريس بعد عقد القران أو «الملجة» فيتم إعداد أشهى المأكولات التقليدية وتجهيز غرفة العروس وجهازها، وتبين أنه قد جرت العادة أن يساعد الناس العريس في مهر عروسه وهو ما يعرف بـ«العونية» إضافة إلى الهدايا التي وإن اختلفت أنواعها وتكون ما بين «قرض الهيل» و«الحجول» و«الحزام»، وهي من أنواع الذهب الخالص، أما العروس فلها «الزهبة» وهو نوع خاص من الاهتمام تقوم به فتيات الحي، حيث يقمن بالإشراف على غذائها وتفصيل ملابسها، وقبل يوم العرس تعرض هدايا العريس لعروسه في حفل بهيج يسمى «المكسار» يبدأ قبل تناول أطعمة العرس، وتشير إلى أن الاحتفال يقام في جزيرة أبوظبي احتفاء بهذا التقليد الشعبي القديم.
وتؤكد العامري أن الحناء تتزين بها الكثير من النساء والبنات في حفلات الأعراس إذ هي من أهم الأساليب التي تعتمدها المرأة في زينتها، كما تلعب دوراً مهماً في زينة العروس يوم زفافها بوضع الحناء أيضاً على شعر العروس، مما يضيف لمسة بهية على إطلالتها، وتوضح أن أصل مواد الزينة القديمة تتكون من أوراق نبات «الحناء» التي تقوم المرأة بطحنها وتنعيمها وخلطها بالماء، ثم تترك بعض الوقت كي تتخمر قبل وضعها على اليدين أو الشعر الذي يكتسب لمعاناً وحيوية مميزة، وعلى الرغم من تعدد نقوش الحناء بين «الغمسة» و«القصة» و«الروايب» و«أبو البيطان»، فإن تغطية أطراف الأصابع بالحناء مع رسم دائرة في وسط الكف لا يزال هو الأشهر لدى النساء حتى وقتنا هذا.

الشرطة القديمة
وسط جزيرة أبوظبي في مهرجان قصر الحصن ينتصب مبنى خاص بشرطة أبوظبي وهذا المبنى شيد على النسق القديم ذاته، أمام هذا البناء الذي بدت عليه ملامح الزمن كان أفراد الشرطة يؤدون تدريباتهم التي كانت معروفة في الماضي، ويورد العريف والمدرب في شرطة أبوظبي حمد سيف المزروعي أن شرطة أبوظبي أسست في عام 1957 وتألفت آنذاك من نحو ثمانين فرداً في أول مركز لها في الجزء الشمالي من الحصن، وكان من مهامها حراسة الحصن والأسواق القريبة من الشاطئ، إضافة إلى السفن والمصارف، لافتاً إلى أنه كان يرتدي أفرادها الزي العسكري الذي يأخذ شكلاً رمادي اللون والغترة برتقالية والعقال الذي يحمل شعار الشرطة يكون في قلب قطعة معدنية دائرية الشكل، ويشير إلى أن الكند كان سلاح شرطة أبوظبي قديماً وهو عبارة عن بندقية ذات عشر طلقات، أما مركز الشرطة نفسه فإنه كان يتألف من ثلاثة مكاتب للقائد ونائبه ومساعده بالإضافة إلى مخزن وزنزانة صغيرة.
وفي لقطة أخرى كانت تقف سيارة الشرطة القديمة ببهائها المعهود وفي داخلها فردان من الشرطة، ويذكر مساعد أول حسن سالم المقبالي أن هذه السيارة المعروضة في جزيرة أبوظبي في مهرجان قصر الحصن هي ذاتها التي كانت تطلع بالمهام المنوطة بها في أثناء الدوريات الاستكشافية ومن ثم الإسهام في حفظ الأمن حيث يتم تفقد المباني والأماكن العامة مدعومة بقوة من الشرطة، مبيناً أن الشرطة حالياً لا تزال تحافظ على تقاليد الشرطة قديماً لكونها تنبثق بشكل رئيسي من التقاليد والعادات الإماراتية الأصيلة.

ألعاب شعبية
بالقرب من ركن جزيرة أبوظبي في قصر الحصن انتصب دكاناً حمل اسم «الألعاب الشعبية»، واللافت أن الطلاب والأطفال بوجه عام مثلوا ازدحاماً على هذا الدكان بهدف شراء هذه الألعاب التي تعد البديل الحقيقي عن أجهزة التكنولوجيا، لكونها تنمي الخيال وتجعل المرء في حالة من التوهج الفكري والوجداني، وتشير صاحبة الدكان نادية العدي إلى أن صناعة الألعاب القديمة تتم بشكل يدوي وبنفس الطريقة التي صنعت بها الألعاب قديماً وهو ما يجعل الأطفال يقبلون على شرائها لكونها جديدة عليهم، وتذكر شريكتها في هذا المشروع ميرا الحميري أن الدكان عامر بجميع أنواع الألعاب الشعبية.

اقرأ أيضا