صحيفة الاتحاد

الإمارات

العلماء: الطعن في التراث.. محاولة لطمس هوية الأمة

أحمد مراد (القاهرة)

استنكر علماء في الأزهر الحملات التي تشن ضد التراث الإسلامي الذي وضعه كبار الأئمة والعلماء عبر مئات السنين، ووصفوها بـ «المحاولات المشبوهة» لطمس معالم وهوية الأمة، وشددوا على ضرورة الحفاظ على التراث والاعتزاز به والاستفادة منه بأكبر قدر ممكن.

ووصف العلماء التراث بأنه ميراث، ولا يفرط في ميراثه إلا سفيه أو من لا عقل له، مشددين على ضرورة عدم ترك التراث ليكون مادة إعلامية بغرض النيل منه أو التقليل من مكانته، مؤكدين أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يكون بالتفريط في تراث الأمة.

رفضت د. آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، حملات الهجوم والإنكار التي تشن ضد التراث الإسلامي بحجة تجديد الخطاب الديني، مؤكدة أن التجديد ليس معناه إنكار التراث، وأن أي أمة بلا تراث لا مستقبل لها، ولكن في الوقت ذاته يجب الأخذ من التراث - الذي هو جزء من حصاد قرون - ما يناسب مع مستجدات العصر.

خاتم الأديان

وقالت: الإسلام هو خاتم الأديان، ولن يأتي نبي أو رسول من جديد ليجدد للأمة ما أخطأت فيه، ولذلك فإن مسألة تجديد الخطاب الديني أصبحت فرض عين علينا ويجب أن يقتنع المسؤولون عن الخطاب الديني بذلك الأمر، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون التجديد بالإطاحة بالتراث الإسلامي الذي وضعه كبار الأئمة عبر مئات السنين، وهو يضم العديد من الكنوز التي نستفيد منها حتى اليوم، فيجب علينا ألا نقتلع من جذورنا، وفي نفس الوقت علينا أن نواكب مستجدات العصر، لا سيما وأن الرسالة الإسلامية هي آخر الرسائل السماوية، وبالتالي يجب العمل على تنقية التراث الإسلامي والاستفادة من ما يحتويه من كنوز فقهية وعلمية وتراثية تنفع المسلمين في أيامنا الراهنة.

وشددت د. آمنة على أهمية تجديد الخطاب الديني لحماية الدين الإسلامي، ولكن من يقوم بالتجديد العلماء الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم «ورثة الأنبياء»، وقال: «يبعث الله على رأس كل مئة سنة من يجدد دين هذه الأمة»، وإذا كان العلماء هم الورثة الحقيقيون للأنبياء فهم من يجددون، ولا يحق لغير المتخصص في علوم الدين أن يدلي بدلوه في أمور التجديد، ويهاجم التراث الإسلامي، ويدعو إلى الإطاحة به، فهذا أمر لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال.

وأضافت: يجب علينا أن نقف بالمرصاد لكل من يحاول هدم التراث بحجج فارغة، والحقيقة أن العلماء والأئمة العظام الذين نأخذ عنهم أفادوا قضايا عصرهم عبر اجتهاداتهم، ومن ثم علينا نحن في هذا العصر أن نجتهد مثلهم حتى نفيد قضايا عصرنا، ومن هنا يجب أن يتم تأهيل العلماء بمؤهلات الاجتهاد وضوابطه وشروطه حتى يضيفوا إلى السابقين.

حملات مشبوهة

من جهته، وصف د. عبدالفتاح عاشور، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، الحملات التي تشن ضد التراث الإسلامي بـ «المحاولات المشبوهة» لطمس معالم الأمة وهويتها، مشدداً على أهمية الحفاظ على التراث والاعتزاز به والاستفادة منه بأكبر قدر ممكن.

وتجديد الخطاب مطلب يجب أن ننادي به في كل وقت وحين، لأنه بمثابة توجيه للقائمين على أمور الدعوة الإسلامية بمراعاة الواقع الذي يعيشه الناس، وكما قيل الأثر «أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم»، فلا نحدث الناس بما لا تطيقه عقولهم، وبالتالي فلكل مقام مقال، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن يكون التجديد عبر التفريط في تراث الأمة، فضلاً عن أن التجديد هو مهمة العلماء المجتهدين والمؤهلين، ولا يحق لغير المؤهلين من الباحثين عن الشهرة أن يتحدثوا في هذا الشأن.

وأضاف د. عاشور: تجديد الخطاب الديني ليس كما يتصوره البعض بأن ننسى ونتخطى تراثنا الإسلامي وجهود علمائنا الأوائل، ونخترع ديناً جديداً وأسلوباً جديداً في التخاطب، وهذا التجديد موجود منذ عهد النبوة إلى وقتنا هذا، ومن سار فيه فقد التزم بالمنهج الصحيح، ومن انحرف عنه فهو لجهله أو ضعفه أو لقصور علمه، وربما وقع - الأخير - في أخطار شديدة بتجهيل المسلمين وتكفير الناس وأباح المحرمات.

وتجديد الخطاب الديني لا يعني أن نهجر ما قال به علماؤنا من أصحاب المذاهب الفقهية والاتجاهات العقائدية، وإنما نتخير من هذا وذاك ما يناسب حال الأمة، بل وحال كل مجتمع من مجتمعات الإسلام فربما ما يقال في السودان يختلف عما يقال في مصر أو ما يقال في العراق ودول الخليج، كل مجتمع له عادات وتقاليد وأحوال وله فهم خاص لكثير من الأمور، وعلى من يتولون مهمة مخاطبة الناس أن يراعوا اختلاف عادات وتقاليد المجتمعات.