الاتحاد

دنيا

سعيد سالمين مخرج يتواطأ مع الكاميرا ليقصَّ عشقه

إبراهيم الملا:
كان أحد أسعد الفائزين بحمل التمثال الذهبي لجائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الخامسة لمسابقة (أفلام من الإمارات) التي انتبهت للجهد الجمالي المبذول في فيلمه الأخير 'هبوب'، وشعر الجميع أن ثمار الصبر والجهد المتواصلين لهذا المخرج المتحمس لأفلامه القصيرة قد نضجت، وأنه استفاد كثيرا من خبرته الذاتية المسنودة باللقاءات والنقاشات الجانبية التي جمعته مع النقاد والمخرجين الشباب الآخرين في أروقة المجمع الثقافي· هذه الخبرة الذاتية التي أتت كنتاج طبيعي للإطلاع على الأفكار الجديدة والفهم المختلف لطبيعة الفيلم القصير وأهميته من خلال الأفلام الخارجية المعروضة على هامش المسابقة·
قصة المخرج الإماراتي الشاب سعيد سالمين مع الكاميرا تمتد إلى سنوات المراهقة التي تفتحت على الاكتشاف والتعامل الفطري مع الصورة وكيفية اصطيادها وترويضها بإمكانيات بسيطة من خلال كاميرات الفيديو المنزلية· هذا الفضول الشخصي دفع سعيد للتعامل مع الحس الدرامي في الفيلم الروائي استناداً على الفضاءات الجميلة والحميمية التي عاشها مع أصدقائه في (الفريج) وفي الحواري الأليفة التي تآخت مع جمرة الإبداع المسكونة فيه·
فرصة ذهبية
عندما سمع سعيد بوجود مسابقة إماراتية تهتم بهذه النتاجات البصرية الفائضة بعشقها للسينما ولعوالمها الساحرة، أحس وكأن هذه الفرصة الذهبية قد هبطت عليه من السماء، فاختار أن يشارك فيها كي يختبر موقع أفلامه بإزاء التجارب الأخرى الشبيهة لشباب مهجوسين مثله بترجمة رؤاهم وأخيلتهم من خلال النص البصري·
احتضن المجمع الثقافي ولخمس سنوات متواصلة عصارة هذه النتاجات الإبداعية الجديدة على المكان· وكان سعيد في كل مرة يفكر بالجائزة أكثر من تفكيره بتجويد أفلامه والشغل عليها من زوايا مختلفة وسيناريوهات أكثر دقة وأكثر انحيازاً للمناخات الشعبية والهموم الصغيرة الخاصة لمجتمع ما زال مفصولاً عن جذوره وهواجسه المسكوت عنها· أنتج سعيد في بدايات مشاركاته أفلاماً مثل 'بقايا تراب' و'مسافر' و'جدران'، ولكن الإشكالية الكبيرة التي أثرت على القيمة الفنية لهذه الأفلام تمثّلت في ضعف وضحالة السيناريوهات التي رافقتها، كما أن المواضيع السياسية والتاريخية التي تناولتها هذه تراوحت بين التقليدية والحس الخطابي المباشر·
وبعد تقديمه هذه السنة لفيلمي 'هبوب' و'عرج الطين' أستشعر الجميع أن سعيد سالمين قد انتبه كثيراً لقيمة السيناريو ولقيمة التجويد في تقنيات التصوير والمونتاج للخروج بأفلام أكثر تماسكاً من ناحية البناء السردي والخروج بحلول وجماليات إخراجية سلسة وبعيدة عن الحس الخطابي المباشر، فكان فيلم 'هبوب' المعتمد على الثيمة الشعبية وعلى الأجواء المحلية الصرفة هو بداية التعامل المختلف للمخرج مع الثقل الموضوعي للفيلم، وقدرته على توفير عناصر النجاح·
إنعطاف التجربة
وقدم سعيد أيضا فيلم 'عرج الطين' اعتماداً على سيناريو الشاعر محمد حسن أحمد الذي حاز من خلاله على جائزة أفضل سـيناريو في مسابقة أفلام من الإمارات في دورته الأخيرة· وشكل هذا الفيلم ما يشبه الإنعطافة في تجربة سعيد سالمين من حيث دخوله في مغامرة التعامل مع الصورة الصامتة والخروج من الثرثرة الحوارية الزائدة والمقحمة· وكانت مواقع التصوير الخاصة بالفيلم موزعة على المناخات والطقوس الشعبية التي تمنحها البيئة الجبلية العامرة بالغموض والرهبة والعزلة المستورة بخرافاتها وأسئلتها الحائرة في الروح·
يلخص سعيد سالمين في النهاية حكاية عشق لا تنقطع مع الكاميرا، كما أنها حكاية تنحو تجاه البحث عن مغامرات قادمة وعن تجارب جديدة قد تفرز يوما ما فيلما انتظرته الساحة المحلية منذ زمن· يمتلك سعيد الطاقة والحماس رغم نقص التمويل المادي، والبشارات التي رأيناها في فيلميه الأخيرين تؤكد أن القادم هو الأجمل·

اقرأ أيضا