الاتحاد

الاقتصادي

سوق الغاز تتطلع للمزيد من الاستثمارات


إعداد- محمد عبدالرحيم:
حدث أمر مثير للاهتمام يدل على الازدهار الذي يشهده الغاز الطبيعي المسال·· فلأول مرة تتحول الشحنات المتجهة للولايات المتحدة الأميركية الى أوروبا في إشارة تدل على ان السوق العالمية لهذه السلعة اصبحت تحلق بجناحيها نحو آفاق متسعة جديدة، والى وقت قريب لم تكن الحقائق الجوهرية المتعلقة بالتجارة في الغاز الطبيعي المسال تسمح بتلك الانطلاقة بسبب النقص في السعة الخاصة بالشحن وصغر حجم كميات السلعة المتبادلة بين الدول بالإضافة الى بعد المسافة بين الدول المصدرة والمحطات المتخصصة والمتوفرة لاستقبال السلعة مما جعل من الصعوبة بمكان تسريع عمليات النقل الاقتصادي للغاز الطبيعي المسال بين هذه الدول·
وكما ورد في 'ميد' مؤخراً فإن الغاز الطبيعي المسال ظل يفتقد ايضاً الى آلية موحدة للتسعير حيث استمرت الأسعار تختلف من سوق الى آخر وبين محطة تسليم وأخرى، بل أن الغاز الطبيعي في أوروبا استمرت تتحكم فيه أسعار النفط الإحفوري بينما يقاس في آسيا حسب اسعار الخام، اما اليوم أدى الطلب المتصاعد الى تغييرات هامة في الحركة المرورية للغاز الطبيعي المسال، وفي الحوض الباسيفيكي حيث توجد أكبر ثلاث دول مستوردة - اليابان الدولة رقم واحد في العالم المشترية للغاز بالإضافة الى كوريا الجنوبية وتايوان - للغاز الطبيعي وهي تسهم بثلاثة ارباع اجمالي الاستهلاك العالمي وتستورد اكثر من 86 مليون طن سنوياً، وظلت معظم هذه الشحنات تأتي من ماليزيا وأندونيسيا واستراليا، بينما تتوجه معظم صادرات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ايضا الى الشرق، ففي عام 2005 صدر المنتجون في هذه المنطقة وبخاصة قطر وأبوظبي وعمان كمية مقدارها 21 مليون طن الى آسيا· وعلى كل فسوف تشهد الأعوام الخمسة المقبلة طلباً متصاعداً في الجانب الآخر من الأطلنطي حيث إن هذا الطلب في الولايات المتحدة الأميركية أخذ يشهد ارتفاعاً متسارعاً وبات من المتوقع ان يتجاوز الطلب الياباني بحلول العام 2010 وسوف يشكل 25 في المائة من الإجمالي العالمي، ومن أجل مقابلة هذا الطلب الهائل فإن الدول المستوردة أصبحت تتطلع فيما يبدو الى أسواق جديدة مثل ترينداد وتوباجو وكذلك الى الجزائر، على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مازالت تمثل المصدر الأكبر في العالم للغاز بحيث من المتوقع ان تقوم بتصدير 64 مليون طن سنوياً الى الحوض الأطلسي بحلول العام 2010 وما يقارب مستوى 54 مليون طن سنوياً الى آسيا الباسيفيكية·
وأصبح التوسع الهائل في الطلب يجتذب كميات هائلة من الاستثمارات في القطاعات المختلفة للغاز، وعلى الرغم من أن الغاز الطبيعي المسال مازال يشكل 3 في المئة فقط من الطلب الأميركي على الغاز الا ان من المتوقع ان يرتفع هذا الطلب الى مستوى 15 في المئة بحلول العام ،2015 وفي هذه الأثناء سيتضاعف الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال الى مستوى 20 في المئة من الطلب الإجمالي على الغاز حيث تشير المشاريع الكبرى الخاصة بإعادة تسييل الغاز في أوروبا - وبخاصة في ايطاليا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية - الى تأكيد صحة هذه التوقعات·
ومن جهة أخرى فقد استمرت الاستثمارات تتدفق بشكل متعاظم، ففي الوقت الذي تشكل فيه عمليات الشحن البحري ما بين 20 الى 30 في المئة من التكاليف الرأسمالية لأي مشروع للغاز الطبيعي المسال فقد أصبح المنتجون يتطلعون لرؤية المزيد من المنافسة في هذا القطاع بشكل سوف يؤدي الى انخفاض الأسعار وتوفير سعة كبيرة في الشحن البحري، وكنتيجة لذلك فقد انخفضت تكلفة بناء الناقلة بنسبة 40 في المئة في العقد الماضي·
وكذلك بات من المتوقع أن تشهد السعة في الشحن البحري نمواً بأكثر من 70 في المئة بحلول العام ،2009 إلا ان هذا الازدهار بات يتسبب ايضاً في العديد من المشاكل حيث أصبحت الصناعة تواجه تحديات آنية فيما يتعلق بتكدس الحجوزات وطلبات الشراء في موانئ الشرق الأقصى التي ستظل تعمل بكامل طاقتها لخمسة أعوام مقبلة، وعلى الرغم من ذلك فمازالت محطات إعادة تسجيل الغاز تعمل بأقل من سعتها المفترضة بمعدل 40 في المئة تقريباً، إلا ان الأسعار العالمية للغاز الطبيعي المسال والتوقعات الخاصة بالتوسعة المستقبلية الهائلة أصبحت تجعل من بناء محطات استقبال الغاز مشاريعاً تتسم بجاذبية خاصة·
بيد ان الاستثمارات مازالت قليلة فيما يختص بزيادة السعة في عمليات تسييل الغاز ويعود هذا الأمر بشكل رئيسي الى النقص في أعداد العقود الطويلة المدى التي تحتاجها الشركات إذا ما أرادت أن تفتح كميات هائلة من الاستثمارات في مشاريع لن تصبح مربحة الا على المدى الطويل، الا أن هذا النقص في الاستثمارات ربما يعوضه الانخفاض الذي طرأ على تكاليف التسييل والتي شهدت تراجعاً بنسبة تتراوح ما بين 35 و50 في المئة خلال فترة السنوات العشر الماضية، هذا بالإضافة الى ان الأسواق الأميركية والبريطانية التي تفتقد الى الهيكلة والتنظيم سوف يتعين عليها ان تشهد منافسة محتدمة مع الموردين الآخرين بحيث تجبرهم على الاندفاع في الاستثمار، ولكن استمرار تدفق هذه الاستثمارات من كبار اللاعبين الغربيين بات مرهوناً بارتفاع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال، وكما يقول محمد علي زيني كبير اقتصاديي الطاقة في مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن: 'أعتقد ان ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال سوف يستمر على الأقل في المدى المتوسط'، ومضى يشير الى ان الصناعة تمر بمنعطف حساس حيث إن تراجع الاستثمارات من شأنه أن يؤدي الى نتائج سالبة في مستقبل الصناعة· والى ذلك فإن الغرب مازالت تساوره العديد من المخاوف بشأن المنافسة على إمدادات الغاز الطبيعي من الأسواق الناشئة مثل الصين والهند وبشكل يؤدي الى رفع الأسعار، وكانت الصين قد شرعت في تنفيذ مشاريع هائلة الحجم لتسييل الغاز في عام 2002 بينما تعهدت الهند بزيادة حصتها من الغاز الطبيعي المسال في استهلاكها للطاقة من مستوى 7 في المئة الى 20 في المئة بحلول العام ،2025 وعلى كل فإن الارتفاع الحالي في أسعار الغاز الطبيعي المسال بات يشكّل حالة من عدم الرضى في هاتين الدولتين ومعارضة متزايدة لإنشاء المزيد من مرافق الغاز، وهنالك عوامل أخرى تقف حائلاً أمام نمو السوق العالمي للغاز الطبيعي المسال، وأهمها أن الغاز الطبيعي شأنه شأن النفط الخام يتسم بدرجات متفاوتة من ناحية الجودة والنوعية، فالغاز الطبيعي النرويجي يتمتع بوحدات حرارية أقل بكثير مما هي عليه في الغاز الطبيعي المسال الليبي على سبيل المثال، وتماماً كما هو الحال بالنسبة لمصافي النفط فإن محطات إعادة تسييل الغاز لا يمكنها التعامل مع كل نوعية من الغاز، وبالإضافة لذلك فإن الشفافية في السوق مازالت محدودة حيث مازال العديد من المنتجين ليس بإمكانهم التعامل في أسواق الغاز وبخاصة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية·

اقرأ أيضا

أزمة التجارة تخيم على آفاق النمو العالمي