الاتحاد

تقارير

الفنزويليون..«هجرة جماعية» إلى البرازيل

اعتادت «روزابيل دياز» أن تنادي ابنها البالغ من العمر أربع سنوات بـ«ابني الممتلئ». ولم تستطع تحمل الأمر عندما بدأ يشعر بالجوع. لذلك، ففي شهر نوفمبر الماضي، حزمت «دياز» ممتلكات أسرتها واستقلت حافلة مع ابنها وابنتها التي تبلغ من العمر 11 شهراً للفرار من مدن فنزويلا الجائعة. وهي الآن تعيش تحت خيمة زرقاء في زقاق تنتشر فيه القمامة في إحدى القرى الحدودية البرازيلية، حيث تستجدي الطعام. وقالت الأم النحيفة التي فقدت عملها كمساعدة تمريض منزلية قبل أربع سنوات «إنني لن أعود». وأضافت وهي تنحني لتطعم طفلها قطعة من الخبز «إننا نحيا هنا».
إن البقاء على قيد الحياة بالنسبة إلى الفنزويليين أمثال «دياز» أصبح مرتبطاً بمسألة هروب. ويتدفق نحو 10 آلاف فنزويلي على البرازيل كل شهر بحثاً عن الطعام والدواء، بحسب ما تقول السلطات، حيث يخيمون في الشوارع ويغمرون الخدمات الحكومية في البلدات الحدودية المطلة على الأمازون والتي هي غير معدة لاستقبالهم.
لقد كانت فنزويلا الغنية بالنفط مقصداً للمهاجرين لفترات طويلة من التاريخ. والآن أصبحت مكاناً للفرار. فقد حول النقص المزمن في الغذاء والعنف المستشري والسلوك الخاطئ للرئيس نيكولاس مادورو المعابر الحدودية وشواطئ البلاد إلى منافذ للهروب. إنه رحيل عن طريق البر والبحر والجو، حيث يستطيع أثرياء فنزويلا المغادرة على متن الطائرات، إن لم يكونوا قد غادروا بالفعل. أما الزوارق المتهالكة، فتنقل مجموعات صغيرة من المهاجرين إلى كوراكاو وبونير وغيرها من الدول في منطقة البحر الكاريبي التي تقع على بعد مسافة قصيرة من الساحل الشمالي لفنزويلا. بيد أن هذه الأعداد تتقزم أمام عشرات الآلاف ممن يتدفقون على البرازيل وكولومبيا كل شهر، إما في رحلات تسوق طارئة وإما من أجل إقامة طويلة الأجل. لقد ترك الانهيار الاقتصادي والفوضى السياسية في فنزويلا الدول المجاورة في خوف من حدوث أزمة إنسانية واسعة النطاق من الممكن أن تجلب حتى أعداداً أكبر من المهاجرين المحتاجين.
وقد حاول «مادورو» منع تداول أكبر ورقة نقدية في فنزويلا في منتصف ديسمبر، وهو الإجراء الذي قال إنه سيضرب القوى الأجنبية التي تتآمر لتخريب حكومته الاشتراكية. وبدلاً من ذلك، جفت السيولة وتجمدت تجارة التجزئة، وأوقف مادورو هذه الخطوة فيما اندلعت أعمال الشغب والنهب. لقد كان هذا تذكيراً للمنطقة بأسرها بأن فنزويلا تحترق على نار هادئة، وستحتاج حكومة «مادورو» التي تعاني ضائقة مالية إلى دفعة قوية في أسعار النفط العالمية لتجنب وقوع كارثة. وفي مقابلة معه، قال «جوستافو مارون»، مسؤول رفيع المستوى بوزارة العدل البرازيلية: «إننا نعمل بمفهوم أن الأمور ستزداد سوءاً. فقضية الهجرة لا يمكن إصلاحها إلا بالتعامل مع المشكلة بعلاج مصدرها».
وقد قام «مادورو» العام الماضي فجأة بإغلاق حدود فنزويلا مع البرازيل وكولومبيا في مناسبات عديدة. هذا أيضاً، يبدو أنه يؤجج الشعور بالاضطرار بين الفنزويليين الذين آثروا مواجهة الظروف المعيشية غير المستقرة في الدول المجاورة بدلاً من معاناة الفقر والانهيار الاجتماعي في الوطن. ومن ناحية أخرى، فإن الخدمات التي تقدمها الحكومة البرازيلية ترزح تحت وطأة التدفق المفاجئ للمهاجرين الفنزويليين، خاصة هؤلاء القادمين إلى ولاية «رورايما» ذات الكثافة السكانية المنخفضة. ويمثل الفنزويليون نحو 60% من زيارات المستشفى على طول الحدود، وفقاً لوزارة الصحة في هذه الولاية الشمالية. يستطيع الفنزويليون دخول البرازيل من دون تأشيرة والبقاء لمدة 90 يوماً، ولكن حتى الفنزويليين الذين لا يحملون جواز سفر بإمكانهم التحايل على نقاط التفتيش الرسمية للدخول إلى البلاد بطريقة غير مشروعة.
وبين عشية وضحاها، تحولت بلدات حدودية هادئة مثل باكاريما إلى مراكز صاخبة للتجارة الدولية، حيث تظهر محال السوبر ماركت المؤقتة لتبيع الغذاء والدواء والصابون وغيرها من السلع التي يصعب العثور عليها في فنزويلا. وعلى الرغم من أن بعض البرازيليين يرحبون بالتجارة، فإن العديد منهم يشعرون بالقلق من أنْ تخرج الأمور عن السيطرة. يقول «أوزفالدو دو بارا»، 55 عاماً، والذي يمتلك مطعماً: «ليس هناك أمن أو صرف صحي. ويتعين عليّ أن أعاني إهمال دولة أخرى لشعبها».

*صحفيان أميركيان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا