نوف الموسى (دبي)

سقط المطر بقوة شديدة. بدأت الأشجار تتمايل يمنةً ويسرة، والتربة ترتجف من تدفق ماء السماء، دونما توقف، بينما تتنفس المصورة البرازيلية جانينا مترازو، بسرعة الخوف الهارب من جموح الطمأنينة. وهي عالقة تماماً، في مكان ما، في الطبيعة البرية البعيدة، متجاوزة الـ 8 ساعات من الانتظار، إلى أن انتبه أحد ما، وساعدها على الرجوع لمكان إقامتها.
تقول في حوار مع «الاتحاد»: «تصوير المطر مذهل، ولكنه صعب جداً في الحياة البرية بأفريقيا، رغم كم المواجهات والمخاوف التي تجاوزتها أثناء تصويري للطبيعة، طوال 10 سنوات، من التعلم، وتجربة معاناة أن تظهر أفعى فجأة، وأنت نائم في خيمتك الصغيرة، أو أن تتفادى حيوان بمقدوره أن يؤلمك، يبقى تدفق المطر هو الأخطر، لوعورة الطرق. إنها تجربة تجعلك محصوراً تماماً مع ذاتك أمام الحياة»، تبتسم جانينا مترازو، بينما نتبادل الحديث عن علاقتها بـ الحمار المخطط أو الحمار الوحشي، في أعمالها الفوتوغرافية، مؤكدة أنه من أكثر الحيوانات البرية التي تهوى عالمها الهادئ، ولا تحبذ وجود الإنسان بالقرب منها، إلا أن شعور المصور بالقرب منها بديع وهائل، يستحق الامتنان، كونه يهديك روعة في التأمل والذوبان الكامل مع الحياة الطبيعية ككل.
كانت جانينا مترازو تحلم بالذهاب إلى أفريقيا، وحققت ذلك بمغامرة فوتوغرافية في عام 2008 إلى جمهورية بوتسوانا، ما جعلها تدرك كيف أنه عالم سحري، يحاول فيه المصور التقاط الجمال طوال الوقت، موضحة أن «هناك دائماً تغيراً في المواسم والطقس والمناخ، أنت تراقب التحول في المكان، ويذهلك العبور لكل هذه التفاصيل، التي تهبك «الحضور»، أنت تكون موجوداً بشكل فعلي في الحياة، طوال الوقت». في تلك اللحظة تحديداً، توقفت جانينا مترازو، وتأملت الهدوء الذي يحيطنا في معرض الصور الفوتوغرافية، وقالت: «أستشعر الأصوات كلها الآن، بإمكاني الانتباه لكل حركة ولون ورائحة، كل شيء محسوس يصلني، أستطيع أن أحاكيه، إنه بسبب الصمت الشفاف الطاغي عليّ، الذي أهدتني إياه الطبيعة، التي أحملها معي، أينما أذهب».
في إحدى لوحاتها الفوتوغرافية، ظهرت عيون الفيل واضحة، لتؤكد جانينا مترازو من خلالها أن الحياة متى ما اتصلنا بها، تبدأ بالوضوح من خلال أعيننا، مثل جمالية عين الفيل، ومنه تتضح رؤيتنا لأنفسنا وللحياة. بالنسبة لها فهي ترى شعلة النار، بينما الخشب يحترق، وتقضي وقتاً طويلاً في رؤية النجوم، والجلوس بالقرب من تطاير الغبار في الهواء، إثر خطوات الحيوانات المختلفة عليه، وتتعرف على مدى مستوى الجفاف في الجو، الذي بطبيعته يؤثر على الصورة الفوتوغرافية. لذا سعت إلى تطوير حالتها الفنية عبر الإضاءة في اللقطة الفوتوغرافية، لتظهر، بحسب تعبيرها، كلوحة فنية مرسومة، وذات بُعد حيّ.
تعترف جانينا مترازو أنها قررت أن تتوقف في مرات عديدة، نتاج الألم الذي لحق بها طوال سنوات التعلم، إلا أنها في كل مرة تعود، وتُخبر نفسها بأهمية أن تتعامل مع المخاطر، وتتعلم فن العيش مع عالم الطبيعة. وتتذكر انبهارها أمام تلك العوالم التي نظرت إليها في الطبيعة البرية، وكيف تتوقف برهة عن ضغط زر التصوير، رغم جاهزيتها، وتعود للخلف وتتكئ وتبعد يدها عن الكاميرا، لترى المنظر فقط، لمدى روعته، قائلة إنه الشيء الذي لا يمكن أن تصفه الصورة، وأضافت: «استعيد شعور المسؤولية التي تقع على عاتق المصور، بأن يلتقط اللحظة ويسمح لها أن تعبره، لذلك أعود مجدداً وأنتبه إلى أنه يجب علي أن أصور الدهشة فيما أراه، وأرسله للعالم، ليكتشفوا روعة هذه الأرض».