الاتحاد

دنيا

«الباعث» يحيي الخلق يوم النشور

القاهرة (الاتحاد) - إن الله «الباعث»، هو الذي بعث هداه لعباده، وأنزل كتبه على رسله، ويوصله لأحسن تقبل لتجلي ونزول خيرات وبركات أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأكبر مظهر عام يتجلى به لنا يوم يبدل الأرض غير الأرض ويبعث العباد في يوم النشر للحشر فيجمعهم ويجازيهم بما آمنوا وعملوا ولو بمثقال ذرة، ثم يبعث الخلق ليجازيهم المحسن بإحسانه فيوصله لأحسن غاية له وينعم عليه بنعيم دائم، والمسيء لما طلبه بوجوده من الحرمان والعذاب الأليم.
همة السير إلى الله
والله الباعث هو الذي يحرك في قلب المؤمن همة السير إلى الله، ويبعث الهمم إلى الترقي في ساحات التوحيد، والباعث اسم من أسماء الله الحسنى، لكنه غير وارد بصيغة الاسم في القرآن الكريم، وإنما بصيغ الأفعال «بعث» «يبعث»، كما جاء في قوله تعالى: «ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا»، «الإسراء :79»، وقوله سبحانه: «ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا»، «الكهف: 12»، وقوله عز وجل: «وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون»، «الأنعام:60».
وفي السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلي فراشه، وضع يده اليمني تحت خده الأيمن ثم قال: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك»، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند الاستيقاظ: «الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور».
ويقول الإمام الغزالي، الباعث هو الذي يحيي الخلق يوم النشور ويبعث من في القبور، ويحصل ما في الصدور، فحقيقة البعث عند الإمام الغزالي هو أن الله سبحانه وتعالى يحيي الموتى بإنشائهم نشأة أخرى، والإمام القشيري يقول إن الباعث هو الذي يبعث الخواطر الخفية في الأسرار، ويسمو بالأفعال عن الدنس، أي أن الله عز وجل إن أقبل عليه العبد طهر قلبه من الأدران، هو الذي يبعث على عليات الأمور ويرفع عن القلب وساوس الصدور، ويصفي الأسرار عن الهوس وينقي الأفعال من الدنس.
والله الباعث هو الذي بعث من النوم إلى اليقظة، كما قال تعالى: «وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون»، «الأنعام: 60».
ويقول العلماء إن اسم الباعث في حق الله تعالى له معان عدة، الأول، أنه باعث الموتى يوم القيامة، قال تعالى: «وإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور»، «الحج: 7»، وقال عز وجل: «ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون»، «المؤمنون: 15و16»، ويقول الحق تبارك وتعالى ليذكر البشرية والعقل البشري الذي قد تنتابه الشكوك في البعث مرة أخرى بعد الموت: «يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلي أجل مسمى.....»، «الحج: 5».
والثانى، أنه سبحانه وتعالى باعث الرسل إلى الخلق: «ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت»، «النحل: 36»، وقال تعالى: «لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم»، «آل عمران: 164».
والثالث، أنه يبعث عباده على الفعال المخصوصة بخلقه للإرادة والدواعي في قلوبهم، الرابع أنه يبعث عباده عند العجز بالمعونة والإغاثة وحظ العبد من الاسم أن يبعث نفسه كما يريد مولاه فعلا وقولا فيحملها على ما يقربها من الله تعالى لترقى النفس وتدنو من الكمال. والرابع، أنه المرسل أو المخرج لشيء لأمر ما مع الإثارة والعلم لضرورة البعث وأهميته وقد ترافقه السرعة، وفيه معنى كون الباعث قادر قاصد لما يبعث وعارف بغايته وغرض ما يبعثه، والمبعوث عليه الإطاعة لأمر الباعث.
الباعث الحق
والله تعالى هو الباعث الحق في التكوين والهدى، ولكل شيء وجوده وما يمده به من نعمة، وفي أي زمان ومكان شاء، لأنه له القدرة والحق على كل شيء، ولذا كان له وحده بعث التكوين والهداية لكل موجود بما يناسب شأنه ويوصله لأحسن غاية. والله الباعث لكل شيء بعثه وله حُسن وإتقان، وبنوره أنار الوجود وأوجده في أحسن صورة، وهو الحي العالم القادر على ما يريد والظاهر بالعدل والإحسان، وهو الذي يمد الوجود ويبعث له ولكل موجود فيه ما به قوامه وهداه في كل آن حتى يستمر ويتقوى على ما أوجد من أجله حتى يصل لغايته.
وأهم مظاهر بعث الله، هو ما بعثه للظهور بتعليم شؤون عظمته، وأثار به عقول الناس، وفي كل آن يوجد كثير من آيات المقدرة التي تعم الكون، وتُري عظمة جلاله وكبريائه ويقف العقل أمامها متعجبا متحيرا، فتشعره بقرار نفسه وبوجدانه أنها من تدبير عليم حكيم، وهو الذي بعث أمورا في الكون وفي الأمم لينبه لعظمته وكبريائه ووجوب طاعته والعبودية له وشكره على ما تفضل به وأنعم في كل شيء.

اقرأ أيضا