عربي ودولي

الاتحاد

أردوغان وأحلام الاستعمار العثماني لليبيا

ثروات النفط والغاز في المتوسط تكشف حجم الأطماع

ثروات النفط والغاز في المتوسط تكشف حجم الأطماع

حسن الورفلي (بنغازي - القاهرة)

دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجنود الأتراك للقيام بـ «ملاحم» في ليبيا واستلهام ما وصفها ببطولات أمير البحارة العثمانيين خير الدين بربروس.. هكذا استلهم الرئيس التركي تاريخ العثمانيين في الحشد لـ«غزو» ليبيا ما يفرض على الجميع استرجاع تاريخ الدولة العثمانية في ليبيا التي قبعت تحت مقصلة الاحتلال العثماني مئات السنوات واسترجاع معاناة شعب عربي من جرائم وقتل وسرقة ومصادرة أراض. أربعة قرون هي عمر الاحتلال العثماني للدولة الليبية سفكت خلالها دماء الأبرياء في محاولة لبسط سلطتها الكاملة على البلاد، وهو نفس المشهد الذي يحاول النظام التركي الحالي استنساخه من خلال الموافقة على إرسال قوات عسكرية تركية إلى طرابلس دعماً للميليشيات التابعة لحكومة الوفاق.
وتعاني ليبيا منذ عام 2011 من الاقتتال والصراع المسلح ما فاقم الأزمة وأدى لسقوط عدد كبير من الضحايا، ويتخوف الشعب الليبي من استمرار الصراع المتفاقم في البلاد وتبديد فرص الحل السياسي التي تمكن أبناء ليبيا من الخروج من هذا النفق المظلم.
المشهد الراهن في ليبيا يذكر أبناء شعبها بفترة حكم الدولة العثمانية للبلاد منتصف القرن السادس عشر، ومعاناة أبناء الدولة الليبية من القتل والمجازر البشعة التي ارتكبها العثمانيون ضد الأبرياء، وظلت المقاومة الليبية صامدة على مدار عقود طويلة لفضح نوايا العثمانيين الذين حاولوا التسويق لدولة الخلافة إلا أن ضعف العثمانيين دفعهم للتواطؤ مع إيطاليا للتنازل عن ليبيا مقابل الأموال وهو التحرك الذي مهد لظهور مقاومة شعبية ليبية شرسة يقودها عمر المختار.
وبحسب المراجع التاريخية التي وثقت فترة حكم الدولة العثمانية لليبيا خلال تلك الفترة فقد عانت ليبيا من فرض العثمانيين للضرائب الباهظة التي كانت تفرض على المواطنين، فضلاً عن سلب الأراضي والأموال وتمهيد الطريق أمام الغزو الإيطالي برعاية من السلطة المركزية في إسطنبول.

تلويح تركي ودعم إخواني
وفي ظل التلويح التركي بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا دعماً للميليشيات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، يستحضر أبناء الشعب الليبي أمجاد أجدادهم الذين واجهوا الدولة العثمانية والإيطاليين خلال استعمارهم للبلاد، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تصعيد كبير لا تحمد عقباه ويدفع نحو زعزعة أمن واستقرار شمال أفريقيا بشكل عام وليبيا بشكل خاص.
التدخل التركي المباشر في الشأن الليبي جاء منذ سنوات عبر شحنة أسلحة ومعدات عسكرية تركية أدخلتها إلى المدن الليبية التي تهيمن عليها جماعة «الإخوان» والميليشيات المسلحة دعماً للفوضى، وتعتبر تركيا بمثابة ملجأ لقيادات جماعة «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة»، حيث ساندت تركيا الميليشيات الإخوانية التي تنشط بشكل خطير في ليبيا ووفرت لهم الدعم المالي والإعلامي والسياسي واللوجستي.
وتسعى تركيا جاهدة لاقتحام الساحة الليبية سياسياً وعسكرياً، وبالتمعن في حجم الأطماع التركية في ليبيا والعوائد الهائلة التي تسيل ريقها تتضح الأهداف الاقتصادية التي تسعى أنقرة للحصول عليها من الأموال الليبية. وفي وقت سابق، ذكرت صحيفة «ديلي صباح» التركية، أن المقاولين الأتراك امتلكوا مشاريع في ليبيا تصل قيمتها إلى 28.9 مليار دولار، ولعل هذا هو الهدف الحقيقي وراء الدعم التركي الخطير لحكومة فايز السراج.
وكذلك الأطماع التركية في الغاز الليبي كشف عنها وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز الذي أعلن مطلع ديسمبر الماضي أن سفينة «الفاتح» تستعد لاستئناف أعمال التنقيب عن النفط في البحر الأبيض المتوسط، وستشرع في القريب العاجل في التنقيب عن الغاز بالقرب من السواحل الليبية. وفي المقابل راحت حكومة «الوفاق» تغازل النظام التركي بالإرث العثماني في طرابلس لتشجيع الأتراك على إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، وهو ما كان واضحاً في زيارة فتحي باشاغا، وزير داخلية حكومة «الوفاق»، منذ أيام، للمنزل الذي كان يقطنه يوسف باشا القره مانلي، الحاكم التركي لطرابلس، والذي عانت طرابلس في عهده سلسلة من المجاعات والركود التجاري وانهيار العملة، ما دفع الأهالي للهجرة إلى مصر، وانتشرت الأوبئة بين السكان، وأدى تردي الأوضاع الداخلية إلى إشعال الحروب والفتن بين القبائل، وفي ظل الأوضاع المضطربة أمر الوالي بتجهيز حملة عسكرية لجمع الضرائب بقوة السلاح، نتج عنها هجرة أعداد كبيرة إلى تونس.

أطماع وأحقاد
ويرى مراقبون أن دوافع التدخل التركي في الأراضي الليبية الذي يمهد له نظام أردوغان لدعم ميليشيات «الوفاق» هي الأطماع التركية في النفط والغاز الليبي، والحفاظ على استثمارات الشركات التركية في ليبيا التي تصل قيمتها إلى ما يقارب 30 مليار دولار، وتسعى أنقرة أيضاً لاغتنام قيمة تعويضات المشروعات المتوقفة والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، ومع تصاعد الغضب الشعبي من تدخلات أردوغان قلص من النشاط التركي وبدا له ألا بديل عن فرض الشركات بالقوة. وتحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً من احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، الأمر الذي يدفع أنقرة لمحاولة التدخل في هذا البلد حيث تعاني تركيا شحاً في موارد الطاقة وتستورد 90% من احتياجاتها النفطية وتستهلك 500 ألف برميل يومياً. وتخوف أطراف إقليمية ودولية من تحويل ليبيا إلى ساحة حرب أخرى بالوكالة، بهدف زعزعة الاستقرار في الأراضي الليبية، فضلاً عن سعي أنقرة للاستيلاء على احتياطيات قبرص من الغاز الطبيعي في شرق المتوسط.
ويرى مراقبون أن المصالح الاقتصادية لتركيا في ليبيا تتمثل في العقود التي وقعتها شركاتها مع ليبيا منذ عهد معمر القذافي، ورغبة تركيا بأن تكون لها حصة في السوق الليبي لإنعاش صادراتها، حيث كان للشركات التركية حضور قوي في ليبيا قبل ثورة 17 فبراير في عام 2011، ونظراً للظروف الأمنية اضطر كثير من الشركات التركية إلى مغادرة ليبيا، إلا أن ملف عودة الشركات التركية لاستئناف أعمالها في ليبيا يطرح كثيراً للنقاش منذ فترة في اللقاءات الثنائية.
وفي هذا السياق، يقول رئيس نقابة اتحاد المقاولين التركية «ميتات ينيغون» إن ليبيا تعتبر ثالث دولة قام المقاولون الأتراك بعمل مشاريع فيها حيث بلغت قيمة المشاريع 28.9 مليار دولار، ويصل إجمالي قيمة المشاريع غير المكتملة من الشركات التركية 19 مليار دولار، وبلغت المبالغ المستحقة غير المجمعة مليار دولار، والضمانات مبلغ 1.7 مليار دولار، والخسائر الأخرى تبلغ نحو 1.3 مليار دولار.
لا يختلف السلوك العثماني عن سلوك تركيا الحديثة فالحقائق التاريخية تفرض نفسها وتؤكد أهمية ليبيا بالنسبة لتركيا وريثة الدولة العثمانية، الوجود التاريخي للأتراك في ليبيا كان بدوافع سياسية واقتصادية، وبالتالي فإن التاريخ بما فيه من أحداث ووقائع وسياسات يفرض نفسه على صانع القرار السياسي.

جرائم الاحتلال العثماني
في عام 1551م دخل العثمانيون إلى ليبيا واستمر العهد العثماني الأول حتى عام 1711م عندما أسس أحمد باشا القره مانلي نظام حكم واستقل عن الدولة العثمانية، واستمرت الدولة القره مانلية حتى عام 1835، حيث انهارت وعاد العثمانيون إلى ليبيا واستمر العهد العثماني الثاني حتى عام 1911.
وتعد فترة العهد العثماني الثاني مليئة بالأحداث فقد شهدت صراع العثمانيين مع الدول الأوروبية الطامحة في السيطرة على ثروات ليبيا ودول المنطقة.
وبعد استكمال تأسيس الإدارة العثمانية في ليبيا عام 1858 كانت أطماع الأتراك تتجه لبسط السيطرة على إقليم فزان (جنوب ليبيا) وما وراءه من بلاد السودان، وتحسين العلاقات السياسية مع بلاد السودان، وأدرك العثمانيون خلال تواجدهم في طرابلس أن إقليم فزان وما وراءه من بلاد السودان هو مجال حيوي ممكن لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي للأتراك، في ظل وجود مصر في الشرق بقوتها الحديثة في عهد أسرة محمد علي، وفي الغرب تونس التي كانت تحكمها الأسرة الحسينية وترتبط في الوقت نفسه مع السلطات الليبية بعلاقات راسخة.
وكان طمع العثمانيين في مراكز التجارة الصحراوية في غدامس، وغات، ومرزق، وما وراءها من أسواق بلاد السودان هو ما أدى إلى فرض السيادة العثمانية المباشرة على فزان في 1842 وغدامس في 1843 وغات في 1872 ومن ثم على باقي دواخل الولاية، لتوسيع مناطق النفوذ ومناكفة عدد من الدول الأوروبية التي كانت تتصارع على مناطق النفوذ في عدد من الدول الأفريقية. وسعت الدولة العثمانية إلى بسط نفوذها بشكل كبير في ليبيا للتوسع في الصحراء الأفريقية وكسب مناطق جديدة بعد 1875، واشتد التوسع التركي في الصحراء في عهد متصرف فزان مصطفى فائق باشا الذي حكم بين عامي 1879-1885.
واتخذت الدولة العثمانية سياسة سلبية في أفريقيا، فمع بدايات العقد الثامن من القرن التاسع عشر أخذت المطامع التركية في أفريقيا الوسطى تصطدم بالمصالح الفرنسية، واستخدمت تركيا الأراضي الليبية رأس حربة لها في مشروعها بإرسال الحاميات التركية إلى مناطق تيبستي، والبوركو، والوادي تعزيزاً للوجود العثماني في تلك المناطق، ويبدو من عدة قرائن مختلفة أن الأتراك قد حاولوا في الأعوام العشرة الأخيرة من حكمهم وسيادتهم على ليبيا مضاعفة جهودهم للتوغل في أفريقيا ومنها العمل على احتلال إقليم التبو احتلالاً دائماً ثابتاً في عام 1906م وإرسال بعثة عبدالقادر جامي بك العسكرية والسياسية إلى غات في ذات السنة، وهي البعثة التي عبرت عن الرغبة في بذل نشاط أقوى وأكبر لبسط النفوذ التركي بين طوارق الأزقر إلى الغرب والجنوب من غات.
وكانت القيادات المحلية السنوسية والولاة العثمانيون في طرابلس حريصين على الحصول على الدعم العثماني المركزي لمواصلة سياستهم الأفريقية المحلية، والتوسع في حوض بحيرة تشاد وبلاد النيجر بين نوفمبر 1901 ويناير 1902.
وقد عمل العثمانيون على توطيد حكمهم في ليبيا عن طريق ولاة أتراك تساعدهم فرق من الإنكشارية، مشكلين مساراً بائساً طوال عهد الاحتلال العثماني لليبيا، وشهد القرن الـ18 ظهور أسرة القرمانلي، التي تولت حكم طرابلس لزمن، وكانت ممثل إسطنبول في التنكيل بالليبيين فذاقت البلاد خلال عهدها مرارة الجوع والفقر، وفقدت عشرات الآلاف من شبابها الشجعان.
وأسس أحمد باشا القرمانلي حكماً مستبداً في طرابلس وعُين قائداً للحامية التركية في طرابلس ثم تولى حكم الولاية عام 1711 بأمر من السلطان أحمد الثالث، وعانى الشعب الليبي من ويلات القمع والضرائب الباهظة، وثار عليه عشرات المرات، فقتل الآلاف وأرغم الأحياء على دفع الجبايات المستحقة على الضحايا.
يقول الحقوقي والسياسي الليبي محمد صالح اللافي لـ«الاتحاد» إن الدولة العثمانية ظلت لديها أطماع في ليبيا تجذرت طوال أربع قرون على الأراضي الليبية، موضحاً أنه بدراسة التاريخ الليبي سنجد أن الحركة السنوسية والطريقة المحمدية (لتحرير ليبيا) التي قادها محمد بن علي السنوسي مؤسس الدولة الليبية قد وجدت ضالتها في الجنوب الليبي أو في المناطق البعيدة عن السواحل الليبية وتصدت للعثمانيين الذين سيطروا على الساحل الليبي ومدن مثل درنة وبنغازي، وتصدت لساسات الباب العالي في طرابلس الغرب.
وشهدت العاصمة الليبية طرابلس نهاية القرن الـ18 حالة من الاضطراب السياسي بعد أن تصارع أبناء علي باشا القرمانلي على وراثة الحكم، وبرز ابنه الأصغر يوسف وكان في العشرين من عمره، واشتهر بسوء الخلق وحبه لسفك الدماء، ودخل في صراع مع أخيه «أحمد» فدبر مؤامرة، فقتل شقيقه الأكبر أمام والديه.
وعقب إعلان قتل شقيقه وانتشار الأخبار عن توليه ولاية العهد، تجمع أبناء القبائل الطرابلسية وأعلنوا الثورة وتسلحوا بالبنادق والمسدسات والسيوف والخناجر، واندفعوا في الشوارع بأعداد كبيرة مطالبين بعزله والثأر للقتيل.

مذبحة الجوازي
دبر الوالي العثماني يوسف القرمانلي مذبحة لأفراد قبيلة الجوازي في نهار رمضان على خلفية نزاع مع ولده محمد، عقب هروب الأخير من بطش أبيه لعدة أشهر لدى زعيم الجوازي، ومكر الوالي بمجموعة من كبار القبيلة جاءته تطلب تخفيض الضرائب والإتاوات. وفي تلك المذبحة التي اقترفها الوالي العثماني ذبح الآلاف من أبناء قبيلة الجوازي.
وفى 5 سبتمبر 1817، وصل 45 من شيوخ قبيلة الجوازي إلى قلعة الوالي العثماني في مدينة بنغازي وتحديداً في قلعة قصر الحامية التركية الذي كان مكانه بجوار ميناء بنغازي والذي دمر في الحرب العالمية الثانية، واستقبلهم الوالي العثماني بقناعه الخبيث الذي يخفي خلفه وجهه الدموي، وقدم لهم القهوة بعد خطبة الترحيب والثناء على القبيلة.
وبعد أيام قليلة من المذبحة وصل إلى ميناء بنغازي باقي أفراد القبيلة للمصالحة مع الباشا العثماني في طرابلس، وكانت الخطة أن يصلوا إلى بنغازي ويشاركوا في الاحتفال بتكريم قبيلتهم، ولكن مصير أولئك لم يختلف عن أقاربهم، وقتلت القوات العثمانية ما يقرب من 10 آلاف شخص من قبيلة الجوازي وتمت إبادتهم، ما دفع باقي أبناء القبيلة الذين يعدون بالمئات للهجرة إلى مصر وتركزوا في محافظات الصعيد.
ويؤكد الحقوقي والسياسي الليبي محمد صالح اللافي أن العثمانيين استعمروا المدن الساحلية لسهولة وصول الأمداد العسكري إليهم وعدم سيطرتهم على الداخل بسبب عدم خبرتهم في العمق الليبي من جبال وأودية وصحراء، مشيراً إلى أنه على رغم الإبادة التي قام بها العثمانيون لقبائل «أولاد علي السعادي» وتهجير من نجا منهم مع القبائل الموالية لأولاد علي في القرن السادس عشر، وتطبيق نفس الأسلوب مع قبائل الجوازي عام 1817 وذبح أكثر من 45 شيخاً من الجوازي، إلا أن سكان برقة لم يرضخوا للحكم القرمانلى اللعين. ووصف الأكاديمي الليبي باهر العوكلي تاريخ الدولة العثمانية في ليبيا بأنه أسود وموصوم بالجرائم والمجازر البشعة، متهماً تركيا بقتل 10 آلاف من أبناء قبيلة الجوازي خلال تلك الفترة، وذلك بعد رفض القبيلة دفع الضرائب التي فرضتها الدولة العثمانية خلال تلك الفترة. وأشار العوكلي في تصريحات خاصة لـ«الاتحاد» أيضاً إلى مذبحة العثمانيين في حي تاجوراء في طرابلس عام 1836 حيث قتل الأتراك بقيادة رائف باشا أكثر من 500 شاب في يوم واحد وذلك بعد اعتراضهم على زيادة الضرائب التركية.

انهيار العثمانيين
توحدت إيطاليا عام 1871 وبدأت السعي لتكوين مستعمرات خارج أوروبا أسوة ببريطانيا وفرنسا وإسبانيا، كانت أحلام القوميين في روما تتمثل في تكوين إمبراطورية بالبحر المتوسط تستعيد أمجاد نظيرتها الرومانية، واستغلوا الانهيار العثماني الشامل في البحث عن نقطة الانطلاق.
فكرت إيطاليا في احتلال ليبيا منذ عام 1881 بعد أن تنازل السلطان عبدالحميد الثاني عن تونس لفرنسا، وبدا أن مصر تقترب من السقوط في قبضة الإنجليز، ولذا بدأت روما سياسة تغلغل اقتصادي عبر «بنك روما» الذي يخدم أهدافها الاستعمارية، بالتزامن مع جهود حكومتها للحصول على اعتراف الدول الأوروبية بحقها في احتلال طرابلس الغرب وبرقة (الشرق الليبي).
وأصبحت ليبيا ساحة لاستثمار رؤوس الأموال وسوقاً لبيع البضائع والصناعات الإيطالية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، بموجب الاتفاقية الموقعة بين إسطنبول وروما عام 1873، والتي نصت على أن تكون الأخيرة أكثر الدول الأوروبية حظوة في مجال الاستثمار بالولاية العثمانية.
ويقول الكاتب الإيطالي جايتانو سالفيميني في كتابه «لماذا ذهبنا إلى ليبيا؟» الصادر عام 1912: «إن سياسات التغلغل السلمي هي الجهد الذي قامت به حكومة روما لخلق حلقة من النشاطات في طرابلس، لغرض انضمامها إلينا تدريجياً وبصمت، والاستيلاء عليها بصفة بطيئة ودون إطلاق رصاصة واحدة». وتمكن الإيطاليون من الحصول على امتياز لتأسيس فرع البنك في طرابلس الغرب وبرقة عام 1905 بموافقة من إسطنبول، وبدأ نشاطه في ليبيا 15 أبريل 1907، واختير لإدارته رجل الأعمال الإيطالي انريكو برشياني، الذي سبق له الاشتغال بالأعمال المصرفية في مستعمرات شرق أفريقيا.
وقد حاولت إيطاليا حاولت ربط مصالح الدولة العثمانية بالبنك اقتصادياً، بفتح فرع له في إسطنبول، وبتقديم قروض ومنح مالية للخزانة السلطانية، في مقابل امتيازات في ليبيا، خاصة بعد التقارب التركي مع برلين، وانتشار أنباء عن نية السلطنة تسليم طرابلس هدية لغليوم الثاني قيصر ألمانيا. لم يصمت الليبيون أمام مؤامرة تركيا على بلادهم وبيعها إلى المحتل الإيطالي نظير الأموال، على غرار ما حدث مع جيرانهم العرب الذين سلمهم العثمانيون المهزومون إلى المستعمر الأوروبي.
ولفت الحقوقي والسياسي الليبي محمد اللافي إلى أن العثمانيين حاولوا إعادة استعمارهم البغيض بعد التوقيع على اتفاقية لوزان عام 1923، موضحاً أن أصل الأطماع الاستعمارية العثمانية لليبيا موجود وخصوصاً بعد أن أصبحت الدولة الليبية من أكبر الدول المصدرة للبترول والثروات الطبيعية، مضيفاً «ليبيا لن تكون بوابة لعهد عثماني أردوغاني سلاحه الإرهاب وترويع أمن واستقرار العالم والدول العربية».

ثورات الليبيين ضد بطش العثمانيين
لم يقف الشعب الليبي صامتاً أمام تجاوزات العثمانيين ونظم سكان المدن الليبية، ومنهم سكان مدينة مزدة التي كانت تتبع غريان إدارياً تظاهرات حاشدة وأعلنوا في يوليو 1803 امتناعهم عن دفع الضرائب الجائرة للعثمانيين، فأرسل الوالي العثماني أمين الخزانة أحمد أغا الخازندار مع مجموعة من جنود الانكشارية لجبايتها بالقوة. انتهز الأهالي الفرصة للتعبير عن رفضهم لسلطة يوسف باشا وقتلوا مبعوثيه، ثم أغلقوا الطريق المؤدي إلى فزان، بعد أن استولوا على قافلة من 500 جمل محملة بالحبوب والأموال. وفي مدينة غدامس، قاد الشيخ سيف النصر أبناء قبيلته من أولاد سليمان في سرت خلال عامي 1806 و1807 في ثورة تحرير ضد مظالم الباشا العثماني، وخاصة الضرائب على الأفراد والمحاصيل والأغنام، فأرسل يوسف باشا قواته تحت قيادة ابنه محمد، وأسفرت المواجهات عن مقتل الشيخ وأغلب شباب القبيلة. وقرر العثمانيون نهب الثروات بشتى الطرق، ولما كان أغلب سكان إقليم غدامس أثرياء يعملون بالتجارة، أرسل يوسف حملة عسكرية تحت قيادة ولده علي لنهب ما تصل إليه أيديهم، وأعلن الأهالي الطاعة خوفاً على تجارتهم، فلم يرض ابن الوالي إلا بإذلال ونهب ممتلكات الأبرياء، ففرض عليهم غرامة 40 ألف جنيه، بالإضافة إلى 50 سبيكة ذهبية. كما عين الوالي العثماني حاكماً لغدامس يجمع الضرائب، وسمح له بالاحتفاظ بنسبة 10% منها كإتاوة، وبات من حقه الاستيلاء على تركات الأثرياء، ووفق ما ذكره الرحالة جوردن لينج الذي زار المدينة عام 1825 فإن إحدى التركات التي نهبها تقدر بـ20 ألف دولار أميركي وقتها.

اقرأ أيضا

هولندا تمدد الإغلاق حتى نهاية أبريل لمنع تفشي كورونا