الاتحاد

دنيا

العلماء: الهدية رسالة ود وألفة بين المسلمين

الإسلام يفرق بين الهدية والرشوة (من المصدر)

الإسلام يفرق بين الهدية والرشوة (من المصدر)

أحمد مراد (القاهرة) - أكد علماء الدين أن الشريعة الإسلامية تحض على قبول وتبادل الهدايا بين المسلمين باعتبارها رسول خير وود وألفة ومظهر حب، ووسيلة قربى، تـُقرِّب البعيد، وتصل المقطوع، واصفين الهدية بأنها أهم وسائل كسب القلوب، وبناء العلاقة بين الناس، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يهدي للناس، ويقبل هديتهم، وكان يحرص على أن يكافئ على الهدية بمثلها، أو أكثر منها.

قال العلماء: تقديم الهدية في حد ذاته أمر لا بأس به، ويحض عليه الإسلام، مادام ليس هناك غرض من الهدية سوى التعبير عن المودة والمحبة، أما إن كانت الهدية من أجل الحصول على منفعة ما، مثل الهدايا التي تقدم للموظف العام أو المسؤول من أجل قضاء حاجة أو مصلحة لمن قدم له الهدية، فهذه تعد من قبيل الرشوة التي نهى عنها الدين الحنيف.
من خلق الإسلام
ويقول د. محمد المختار المهدي، الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء: المهاداة بين المسلمين من خلق الإسلام، ومن الأفعال التي حض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، والهدية يهديها الأخ لأخيه، وهي رسول خير، ومظهر حب، ووسيلة قربى، ومبعث أنس، تـُقرِّب البعيد، وتصل المقطوع، وتشق طريق الدعوة إلى النفوس، والهدية الجميلة - وإن صغرت- من أهم وسائل كسب القلوب، وبناء العلاقة بين الناس، وهي قد تكون بسيطة جداً في قيمتها، ولكنها تدخل سروراً، وتظهر مدى الاهتمام. قال البخاري - رحمه الله - في «الأدب المفرد» في باب قبول الهدية: روى فيه عن ثابت قال: كان أنس يقول: «يا بني تبادلوا بينكم، فإنه أود لما بينكم». وقال القاضي أبو بكر بن العربي: «قبول الهدية سنة مستحبة تصل المودة وتوجب الألفة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها، ويدعو إلى قبولها، ويرغب فيها، فقد ورد عنه أنه قال: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِىَ إِلَىَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ»، والكراع هو الساق من الغنم والبقر العاري من اللحم.
يقبلها ولا يردها
ويضيف المهدي: ولا يقف عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند من يعطيهم برغبته، أو أصحاب الأخلاق الفاضلة، بل يتعدى عطاؤه من يعامله بغلظة، بل ومن يتطاول عليه لا أقول باللسان، بل باليد أيضا، ومع هذا لا يزيده إلا حلما، فيدفع بالتي هي أحسن السيئة، فإذا الذي بينه وبينه عداوة كأنه ولي حميم، إنه قانون الله، وسنته في تأليف القلوب، والهدية لها دور كبير ومهم في استلال سخائم الحقد، وأدران التنافس والحسد من القلوب، ثم غرس أسمى معاني الثقة والمحبة والألفة والمودة، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يهدي إلى الناس، ويقبل هديتهم، وكان يحرص على أن يكافئ على الهدية بمثلها، أو أكثر، وأمر بها. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُوتِىَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ: أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ. قَالَ: لأَصْحَابِهِ كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ صلى الله عليه وسلم فَأَكَلَ مَعَهُمْ»، ووعى الصحابة الكرام هديه صلى الله عليه وسلم الرفيع في الهدية، فطبقوه وحثوا عليه، فكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما تذبح له شاة فيسأل غلامه: «أأهديت لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُه»، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرا، أو جماعة، أو ما شاء الله أحب إليَّ من دينار أنفقه في سبيل الله».
ويتابع المهدي: ولقد تناقل المسلمون على مدى عصور التاريخ الإسلامي هذا الهدي وطبقوه، ودعوا إليه، قال ابن حبان - رحمه الله - «فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها، ثم يثيب عليها إذا قدر، ويشكر عنها، وإني لأستحب بعث الهدايا إلى الإخوان بينهم، إذ الهدية تورث المحبة، وتذهب الضغينة». وقال أبو حاتم بن حبان: «والبشر مجبولون على محبة الإحسان، وكراهية الأذى، واتخاذ المحسن حبيبا، واتخاذ المسيء إليهم عدواً، فالعاقل يستعمل مع أهل زمانه لزوم بعث الهدايا بما قدر عليه، لاستجلاب محبتهم إياه، ويفارق تركه مخافة بغضهم».
متفق على حرمتها
ويؤكد الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن تقديم الهدية في حد ذاته أمر لا بأس به، ويحض عليه الإسلام، مادام أنه ليس هناك غرض من الهدية سوى التعبير عن المودة والمحبة، أما إن كانت الهدية من أجل الحصول على منفعة ما، مثل الهدايا التي تقدم للموظف العام أو المسؤول من أجل قضاء حاجة أو مصلحة لمن قدم له الهدية، فهذه محسومة بالحديث النبوي الشريف، عندما ولى الرسول صلى الله عليه وسلم أحداً على أمور الزكاة، وحين عاد له قال: «هذا لكم وهذا أُهدي لي»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا جلست في بيت أبيك أو أمك ونظرت هل يُهدى لك»، ومن ذلك نعرف أن الهدية للموظف العام في الواقع تعد رشوة، ولكنهم حسنوا اللفظ بدلاً من أن يقال «رشوة» أصبح يقال «هدية»، وهي حرام شرعاً وسحت، ولا ينبغي للموظف العام قبولها.
ويقول وكيل الأزهر الأسبق: إذا كانت الهدية من أجل منفعة، فلا ينبغي أن يأخذها الموظف العام، لأنها في هذه الحالة تصبح رشوة، ومثل هذا النوع من الهدايا تعد غلولا وظلما، لأنها تعتبر أكل سحت، وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به. وإذا تفشى هذا في المجتمع المسلم انتشر فيه الفساد والانحراف والضياع، وإذا كان المسؤولون يقبلون الهدايا ففي هذه الحالة لا يستطيعون محاسبة مرؤوسيهم، وهم بذلك يعيثون في الأرض فساداً.
ويضيف: والهدية من المرؤوس إلى رئيسه في العمل تصبح رشوة عندما تكون مرهونة بإنهاء عمل أو مصلحة للمرؤوس، أو نقل من مكان لآخر، أو الحصول على بعثة في الخارج، فهذه الهدية لا ينبغي أن تعطى لأنها في الواقع تقدم بهدف تسهيل مصلحة أو نيل منفعة ليست حقا له، ومن يقدم الهدية وله مصلحة يرجو قضاءها بهذه الهدية فكل ذلك يعد نوعاً من الرشوة، واتفق علماء السلف والخلف على حرمتها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش».
بمثابة رشوة
ويقول د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر: الهدايا التي تقدم للموظف العام أو من يؤدي عملاً في مؤسسة حكومية أو غير حكومية هي بمثابة رشوة باتفاق العلماء، والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من قبيلة أسد يسمى «ابن اللتيبية» لجمع الزكوات، فلم يقتصر هذا العامل على جمع الزكاة، وإنما امتدت يده لأخذ ما أعطاه الناس لخاصة نفسه، فعندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ يدفع له الزكاة التي جمعها، قال: «هذا لكم وهذا أُهدي لي»، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، وقال: «ما بال أحدكم نستعمله على أمر من أمور المسلمين ثم يأتي فيقول هذا لكم وهذا أُهدي لي، أفلا لو قعد في بيت أبيه أو أمه ونظر أيُهدى إليه أم لا».
ويضيف د. إدريس: وهذا الحديث يتضمن تطبيق قاعدة شرعية، وهي التي تفرق بين الرشوة والهدية، فالرشوة هي التي تقدم إلى إنسان بصفته الوظيفية، وأما الهدية فهي التي تقدم إلى الإنسان لذاته سواء كان على رأس عمله أو قريبا منه أو لا يعمل أصلاً.


شروط قبول الهدية
يضيف د. عبدالفتاح إدريس قائلاً: قبول الهدية إذا كانت من صديق لصديقه، أو من إنسان لإنسان آخر أمر جائز ما دام ليس لعلة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا»، أما إذا كانت الهدية لعلة، فتكون محرمة، لأنها تأخذ صفة الرشوة، كأن يكون الإنسان لديه مصلحة عند من هو في الوظيفة العامة، فيقدم له الهدية مع طلبه للمصلحة الشخصية، فهذه الهدية محرمة شرعاً. أما إذا كانت بلا سبب فليس فيها شيء.

اقرأ أيضا