الاتحاد

الملحق الثقافي

سحر الشجن

الرواية والفن.. حبل الغناء المتين (ارشيفية)

الرواية والفن.. حبل الغناء المتين (ارشيفية)

تعكس الروايات التي تمت قراءتها هنا متغيرات الحياة في المجتمع السعودي، سواء من خلال الشخوص وما يحدث لها من نمو أو من خلال الوصف والسرد الذي يكاد يكون في بعض الأوقات عدسة فوتوغرافية للمكان التي تجري فيه أحداث الرواية، كما في وصف بدرية البشر للحي الذي تعيش فيه البطلة.. ويأتي الغناء في أحيان كثيرة ليكمل الصورة او يكون معادلاً لمشاعر الاغتراب والحزن والتشظي والحب وخيباته، ومراراته، وشوقه، وعذاباته، فضلاً عن كونه حاملاً تعبيرياً لما يمور في داخل الشخصية من مشاعر وأحاسيس.

غراميات شارع الأعشى

تضارع رواية بدرية البشر (غراميات شارع الأعشى- 1013)، مألوف رواية الحارة (رحم الله نجيب محفوظ). وقد حملت الحارة هنا اسم الشارع، وأشبهت صندوق الدنيا.

ومنذ البداية تظهر الراوية عزيزة حالمة بعالم مثل الأفلام المصرية التي تتابعها على تلفزيون المنزل (الأسود والأبيض). ومع عزيزة تحضر سعاد حسني بخاصة، فيحضر الغناء والرقص. وكانت عزيزة المراهقة تقيم على سطح البيت مسرحاً لبنات الجيران، وتلتف بوشاح أسود، وتمشي متمايلة وقد عقدت شالاً على الحوض، وهي ترقص وتغني (خللي بالك من زوزو). وحين تطلب زميلاتها أغنية (عتاب) لعبد الحليم حافظ، بينما يشاركن في الغناء والرقص، تغني عزيزة (جاني الأسمر جاني). وإذا كانت أم عزيزة لا تفرق بين فيروز ونجاة الصغيرة، فوالدها مولع بنجاة الصغيرة. وعزيزة تلبس حذاءها المذهب، وتقلد طريقة سعاد حسني وهي تغني (ياواد ياتقيل يامجنني). وسوف تتخيل، وهي مع الدكتور أحمد، الراقصة سامية جمال تتلوى، وفريد الأطرش يغني (جميل جمال مالوش مثال). أما صوت الدكتور أحمد نفسه فتراه عزيزة يحوم فوق رأسها مثل أغنية مصرية في فيلم سهرة الخميس. على هذا النحو يبدو الغناء كاشفاً للأعماق ومثيراً لها في آن، على اختلاف الأهواء والأعمار، فهو عنصر روائي مكين في رسم الشخصية الروائية، سواء أكانت الأداة هي الراديو أم آلة التسجيل والكاسيت أم التيلفزيون. فصوت فيروز هو ما ينظم لعزيزة صباحها وموعد المدرسة، ليلي صوت نجاة الصغيرة الذي «يتهادى مثل مركب فوق النيل» وفي راديو والد عزيزة، ينطلق بعد أخبار الظهيرة، صوت عبدالله محمد ليملأ فضاء البيت العامر بالشمس: «هيجت ذكراك حبي واستبد بي الأنين». والراديو هو أداة ابن الجيران سعد في الغزل، إذ يطلق الصوت ليحمل لابنة الجيران عواطف رسالة العاشق المشبوبة: «يا ظالم جمالك اكشف برقعك». كما يطلق سعد صوت طلال مداح بالأغنية التي تشبه وشوشة قلب العاشق (عْطني المحبة).
مع قدوم وضحى وأولادها إلى الحارة، حيث يلجئها والد عزيزة، سيكون للغناء في الحارة– الرواية شأن أكبر. ومن ذلك غناء وضحى مطالع قصائد لشعراء نبط مشهورين. ومن ذلك أن أم جزاع دقت على كفها مثل دف سامري، وتمايلت بجسدها وهي تغني، حين رددت وضحى مطلع قصيدة (ياجرّ قلبي جراً لدنا الغصون/ وغصوني جرها السيل جراً)، واندمجت المرأتان في الغناء السامري، ثم أخذتا تقهقهان. وهذا متعب ابن وضحى يقلد صوت العود بلسانه ويغني (دلنق دلننق مليح القد والقامة/ عسى الله يسعد أيامه). وينادي متعب أمه بريم وادي ثقيف، مذكراً بالأغنية الشهيرة، وسيلحف حتى تيسر له شراء محل لنسخ وبيع كاسيتات أغاني المطربين الرائجين: طاهر الأحسائي وحجاب وطارق عبد الحكيم وفوزي محسون والشابين الصاعدين محمد عبده وطلال مداح. وستتردد على متعب نساء يعملن في مجال الغناء في الأعراس، يمازحنه ويطمعن في خدماته بثمن مؤجل.
لجيران عزيزة ولعهم بالغناء أيضاً، فحسنية يغضبها أن زوجها مسعود عاشق لسميرة توفيق، إذ يخرس كل من في البيت حين تغني في التلفزيون (بالله صبوا هالقهوة وزيدوها هيل). ويدوخ في عذابات أشواقه عندما تقوم المطربة بحركتها الشهيرة، فتغمز بعينها بينما تقترب الكايرا من خدها. وتقول حسنية: إن زوجها يدللها فيناديها (سمورة قلبي) ويرسل الحسرة: (ياليت أهلش سمّوش سميرة).
والغناء– بالطبع– سيد الأعراس. ففي عرس حسنية ومسعود، غنت صاحبات الدفوف لمحمد عبده، فأسرعت عواطف إلى الرقص، وأسرعت الأخريات في إثرها. وفي عرس عواطف وسعد، انطلقت الدفوف بالأغاني على سطح البيت. وبين شوط وآخر كانت تتقدم إحدى نساء الحي نحو المغنيات، فتنقدهن وتخبرهن بأسماء أفراد عائلتها، فتشرع المغنيات بالتغني بالأسماء وعلى إيقاع الدفوف.
وفي رواية (غراميات شارع الأعشى) شخصية روائية مميزة، هي عطوى التي نشأت صبياً باسم عطية– مذكرة بشخصية خاتم في رواية لرجاء عالم– وعلمها زوج أمها صنع الفخار. وقد تعلمت عطوى مثل البنات أن تستمع إلى الأغاني، لكنها لم تحب النوع المليء بالنواح والسهر والبكاء على الحبيب الغائب، بل أحبت الأغاني ذات الإيقاع الهادر بقرع الطبول الراكضة، والتي تذكرها بأغاني قريتها وما كان يصحبها من خبط الأقدام. وقد أهدى ضاري لعطوى شريطاً، بثتها أغنياته رسالة ضاري العاشقة. وسيكون لضاري دور آخر مع وردة المغنية التي تروم أعراساً كويتية، فالكويتيون – تشرح وردة – أسياد الطرب، وقد سمت له: الدوخي وليلى عبد العزيز وعائشة المرطة ومحمود الكويتي. أما ضاري فيقترح على وردة أن تغني، ليسجل لها ويبيع أشرطتها فتصير نجمة!
تقرن رواية بدرية البشر بين تطور الغناء والتطور الاجتماعي في إهاب روائي رهيف، كما في تحريم سعد الشاب المرح على عواطف أن تستمع إلى الغناء، كيلا يصب الله في أذنيها حديداً مصهوراً، فوعدته بما أراد حين يتزوجان. وترصد الرواية من المتغيرات غياب وجه فيروز ونجاة الصغيرة من الشاشة الصغيرة، وكذلك غياب صوت عفاف راضي وحفلات أم كلثوم والموسيقى بعامة، وصوت المرأة. وقد أغلقت بسطة وضحى فاستعادتها بالرشى. كما اضطرت وردة إلى بيع محل الأشرطة، وغنت بصوت مجروح: (ياما نهيت القلب أمرار وأمرار/ لكن عصاني قلبي اللي نهيته). وقد دفع هذا الذي آلت إليه الأحوال بعزيزة إلى الزواج من أبو فهد، كي تحصل على جواز السفر. وعلى غنائه وحيداً (ما هقيت أن البراقع يفتنّي) تنتهي الرواية؟.

فلتَغْفري!
في رواية أثير عبد الله النشمي (فلتغفري– 2013) تحضر الأغنية الإنجليزية بقوة. فعزيز الراوي اختار لرنين هاتفه الجوال أغنية لجوشن جروبن. وحين يجوب بسيارته الشوارع وهو يستمع لأغنية براين أدامز (Every thing I do, Idoit for you) يمر قرب بيت من أحب، بعد شهرين من انفصالهما، فيشعر بيد براين أدامز تربت على كتفه وهو يغني له الأغنية التي تثبت الرواية نصها الإنكليزي. وسيأتي مثل هذا حين يضع عزيز السماعة في أذنيه ويدير أغنية only time فتأتي لعبة التناص بالأغنية بنصها الإنكليزي. غير أن عزيز ليس أحادياً في الغناء، فهو عازف عود، وقد عزف للحبيبة مقطوعة (ليلة القبض على فاطمة) لعمر خيرت، كما عزف لها من الفيروزيات (نسّم علينا الهوى). وقد سمته الحبيبة عبادي، كلما أمسك بالعود، لذلك سجل لها أغاني عبادي بصوته وبعزفه، وأهداها إياها في عيد ميلادها، ومنها أغنية (المزهرية): «لا انت وردة ولا قلبي مزهرية من خزف/ صدفة وحدة جمعتنا، شوفي وشلون الصدف). وبخلافه، كانت الحبيبة، فذوقها الغنائي – كما يعبر عزيز نفسه– لا يمت لعمرها بصلة، فهي تؤثر الأصالة بالطرب، عربياً كان أم أجنبياً، ويسجل عزيز ما يسميه التناقض الحاد بين عصرية مظهرها وكلاسيكية ذوقها. كما يسجل أن أغنيتي زكي ناصيف اللتين تحبهما (عاشقة الورد– نقيلي أحلى زهرة) تشبهانها. وهكذا يظهر الغناء في هذه الرواية واحداً من حوامل العلاقة بين العاشقين، باتقادها وفصامها وتناقضاتها ولوعتها. وبمثل ذلك يظهر الغناء في رواية بشائر محمد (ثمن الشوكولاته– 2007).

تتولى السرد في هذه الرواية الطالبة الجامعية التي تدرس في القاهرة (ملاك). ومن الملاحظ أن ظهور مثل هذه الشخصية الروائية قد أخذ يتواتر في روايات خليجية متكاثرة.
في الليل الموحش، تروي ملاك، أن الصوت المنبعث من الراديو، من بعيد، أشعرها بوجود أحد ما يترجمها في أغنية: «أسافر عنك وتسافر معايه/ ترافقني في حلّي وترحالي/ أغيب واترك العالم ورايه / ولا أحمل غير صوتك في خيالي». وما تروي ملاك من مقامها في القاهرة حفلة في فندق سميرأميس لمحمد عبده الملقب أبو نورة، كما ستروي من مقامها في الرياض كيف أمسك خالد بيدها بقوة في السيارة، وترك للفنان راشد الماجد، بصوته الدافئ، أن يعبر عما يود قوله هو لملاك «يا ناس مدري وين أوديه/ يسوى عيوني/ ولّا بعد يمكن أغلى»..
الراديو والمسجلة في البيت أو في السيارة، والعشق المشبوب والوحدة والشوق والخصام واللوعة والعتاب والبكاء.. كل ذلك لا يفتأ يشكل جوانية الشخصية الروائية وبرّانيتها– يومياتها واجتماعيتها. فإلى ما تقدم هذه رواية إيمان هادي (سماء ثامنة تلفظني– 2010)، وها هما عاشقان: حور وعلي، وها هو صوت المسجلة يصخب في الشارع في لحظة عشق لعلي «ناي ناي في صوتها ناي/ وش حاجتي أعد الزمن/ وهي الزمان الجاي». ومن الملاحظ أن الكاتبة لم تذكر في الرواية مطرباً أومطربة أو مؤلف أغنية أو ملحّناً، بخلاف ما هو سائد في الروايات الأخرى.
من مصر، وعلى إشارة المرور الحمراء، ينادم صوت الصمت علياً، فتصرخ أعماقه «ليه تملّي بتواعدني.. لما مش عايز تجيني». وفي السيارة أيضاً، ولكن ليس على إشارة المرور، ينعم الراديو على علي بالأغنية التي ترعده وهو يتذكر اللحظات التي جمعته بحور، والنعمة هي الأغنية الكلثومية (بعيد عنك حياتي عذاب). أما حور فكتبت لعلي S.M.Sبعدما خانته فنأى: «جرحوني في هواك وقلت بشكي/ ماهو من جرحي ولكن لاعتراضي». وفي زمن الوئام والوصال، تتهادى من أعماق حور أغنية لقائهما الموعود: «بدي أقول لكل الدنيا حبيتك». ولراديو السيارة شأنه أيضاً مع حور، فهو يصب كؤوس الغربة من كل شيء، وفي كل شيء، إذ يرمي بالأغنية: «المشاعر في غيابك ذاب فيها كل صوت/ والليالي من عذابك حرّكت فيها السكون».

القارورة
بالعودة إلى شخصيّتي مسعود وحسنية في رواية بدرية البشر، قد يكون للمرء أن يتساءل عن المصادفة التي رمت بسميرة توفيق فيها، ثم رمت بها في رواية يوسف المحيميد (القارورة– 2004) ولكن بحضور أقوى وفعل أكبر مما تلا في رواية (غراميات شارع لأعشى).

تروي رواية (القارورة) كيف أن اليمنيين في السعودية كانوا قبل عشرات السنين من ترحيلهم عقب حرب الخليج 1991، يغلقون محلاتهم المنتشرة في الديرة، قرب تمثال الساعة، وهم يوشوشون فيما بينهم خبر الأغنية الصادحة في التيليفزيون، فيتفاطرون مهووسين إلى مطعم النيل، وينتشرون فوق الكراسي منصتين بشغف، إذ يحدقون بعيني المغنية الواسعتين، وهما محفوفتان بالكحل، وتغمزان كل فينة، حتى تتطاير قلوبهم الواهنة العاشقة فوق الطاولات: «ع العين موليّيتين وانتاعش موليّة/ جسر الحديد انقطع من دوس رجليّا».
إنه صوت سميرة توفيق يرفرف فوق تمثال الساعة، بينما اليمنيون يحدقون بها متأوهين بحسرة، وهي تقذف بعينيها الغامزتين حمماً وقذائف صوب قلوبهم الخالية: هكذا يكتب يوسف المحيميد في (القارورة).
وفي الرواية أيضاً أن حمد الساهي لم يكن غافلاً عن أولاء اليمنيين. بل إن الصبي اليمني عبده كان يرسل شفرته المعروفة: «قدامك النشامى ياعم حمد» مشيراً إلى أغنية «يلله صبوا هالقهوة وزيدوها هيل» فيدرك حمد أن سميرة توفيق قد أرخت في بئر قلبه حبال صوتها، وأن عينيها تبحثان عن وجهه بين المشاهدين، حتى تهبه غمزة الظهيرة، كي ينام مطمئناً، حالماً بها وهو يخاصرها. لكن زوجة حمد الساهي تؤنبه على إقفاله محل العود والعطور في الديرة، والركض إلى البيت في العطايف، كرمى مغنية، بينما يجلس حمد في غرفة القهوة من قصره الصغير، حتى تفارقه زوجته بجثتها الضخمة، ليفتح الشاشة الفضية بالأسود والأبيض، ويملأ جوع عينيه من سميرة توفيق، وتعتريه برعشة نادرة لحظة ترمش عينها نحوه، فيشعر أنه وحده معها في غرفة خالية، في صحراء نجد. أما منيرة الساهي فتعشق صوت محمد عبده، ولا تفتأ تهمز زر تشغيل الستيريو ليصدح: «أيوووه، قلبي عليك التاع/ مايحتمل غيبتك ليلة». وكما سيلي بعد تسع سنوات في رواية بدرية البشر (غراميات شارع الأعشى)، يرسم الغناء في رواية يوسف المحيميد (القارورة) ماطرأ على المدينة من تطورات اجتماعية بعد 1981، فإذا بحمد الساهي منزوٍ في قصره الصغير، يفكر في المدينة التي تحولت إلى جنازة، ويتذكر لذة الشاشة الفضية التي كانت تفيض عليه بمن يشبهها بفرس أصيلة إذ تضج حنجرتها (يلله صبوا هالقهوة..). كما كان الرجل يتذكر أم كلثوم وهي تطوح لساعات بمنديلها الشهير، ويتساءل عن منع هذه الأشياء الحلوة بعد 1981، وعما قلب ستريو الوتر في شارع الشميسي الجديد إلى تسجيلات بلاط الشهداء، كما يفتقد المحلات التي كانت تبيع أشرطة محمد عبده وعلي الأحسائي. إلى كل ما تقدم ثمة درجات وتجليات شتى من حضور وفعل الغناء في الرواية في السعودية (من رجاء عالم إلى صبا الجرز وسواهما..) مما يتراوح بين أن يكون فضلة وبين أن يكون قطبة من النسيج الروائي لا غنى عنها، كما هو الحال فيما رأينا بخاصة من روايتي يوسف المحيميد وبدرية البشر. ولعل هذه الإضاءة تحرض آخرين وأخريات على العناية بما بين الرواية والغناء، الرواية والموسيقا، الرواية والفن.

اقرأ أيضا