الاتحاد

دنيا

محمد.. ربيع الإنسانية ونعمة الله للبشرية

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، «سورة التوبة، الآية 128».
جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ)، أي لقد جاءكم أيها القوم رسول عظيم القدر، من جنسكم عربي قرشي، يُبلغكم رسالة الله (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) أي يشق عليه عنتكم وهو المشقة ولقاء المكروه (حَرِيصٌ عَلَيْكُم) أي حريص على هدايتكم (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) أي رؤوف بالمؤمنين رحيم بالمذنبين، شديد الشفقة والرحمة عليهم، قال ابن عباس: سماه باسمين من أسمائه»، (صفوة التفاسير للصابوني 1/569).
كلما أظلنا شهر ربيع الأول الذي انطوى على ذكريات حبيبنا- صلى الله عليه وسلم- تذكرنا سيرة رسولنا- عليه الصلاة والسلام- لنستلهم منها الدروس والعبر والعظات، فقد ولد- عليه الصلاة والسلام- في شهر ربيع الأول، فأشرقت الدنيا بعد ظلامها، وعاشت البشرية حياة كريمة آمنة مطمئنة، حيث كان مولده وبعثته ورسالته - صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، «سورة الأنبياء، الآية 107».
فقد كان ميلاده- صلى الله عليه وسلم- نقطة تحول هائلة في تاريخ الإنسانية، وفاتحة خير على الدنيا بأسرها من شرقها إلى غربها، وحين صافح سناه الوجود، أشرقت الأرض بنور ربها، وتهاوت قلاع الشرك والوثنية، وارتفعت راية التوحيد، وانتصر الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.
هذا الرسول الكريم الذي تحمل عناء الدعوة، وواجه من الصعاب والمشاق ما تنوء بحمله الجبال، وسار فوق أشواك الوثنية والعبودية، ليحرر الإنسان من الأصفاد، ويعيد صياغة الإنسان السويّ الفاضل، فَحُقّ لهذه البشرية أن تسير على هديه- صلى الله عليه وسلم.
ولم يعرف التاريخ قديمه أو حديثه شخصية أبعد أثراً في النفوس وأعمق تأثيرا في القلوب من محمد- صلى الله عليه وسلم، الذي نال منزلة دونها كل منزلة، واستأثر بحب يتضاءل أمامه كل حب، سوى حب الله سبحانه وتعالى.
لقد جاء- صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، فحدد للإنسانية طريق الحق، وقادها نحو ربها بنظام شرعه الله تبارك وتعالى، وكان- صلى الله عليه وسلم- في نفسه صورة حية لنظام الإسلام، وقدوة طيبة لأتباعه المؤمنين، دعا لعبادة الله وحده، وكان أعبد الناس، ودعا إلى مكارم الأخلاق وكان أسمى الناس خلقاً، كما وصفه ربه (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، «سورة القلم، الآية 4».
نور ساطع
ومن المعلوم أن مولده- عليه الصلاة والسلام- كان إيذاناً بالنور الساطع الذي بَدَّد ظلمات الجاهلية وعبادة الأصنام، كما قال الله تعالى: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبينٌ)، «سورة المائدة، الآية 15»، فالنور هو محمد- صلى الله عليه وسلم، والكتاب المبين هو المعجزة الخالدة «القرآن الكريم»، ومن الجدير بالذكر أن رسولنا- صلى الله عليه وسلم- قد قضى على مظاهر الشرك والإباحية والطغيان، فحرم القتل والزنا والخمر وكل المنكرات، وزلزل العروش العاتية، فكانت اليرموك وفيها القضاء على القياصرة، وكانت القادسية وفيها القضاء على الأكاسرة، كما كان- عليه الصلاة والسلام- بشير خير للبشرية كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)، «سورة الأحزاب، الآية 45»، يبشر بقيام دولة عادلة، وأمة راشدة هي خير الأمم التي أخرجت للناس.
لقد كان ميلاده- عليه الصلاة والسلام - ميلاد أمة، حيث جاء- عليه الصلاة والسلام- على أمة ممزقة مبعثرة تعبد الحجر والشجر، فجعلهم قادة للبشر، وكانت ترعى الغنم فصارت قادة للأمم، كان زعيمهم وقتئذ يأتي على سيده من الأكاسرة أو القياصرة يقف بين يديه ذليلاً ليقول له: عبدك النعمان ماثل بين يديك، فأخذ بأيديهم من الذلة إلى العزة، ومن الضعف إلى القوة، ومن التفرق والشتات إلى الوحدة والقوة، فأصبحت هذه الأمة ذات شأن ومكانة في العالم أجمع، حيث اتصفت هذه الأمة بميزتين: الأولى: الخيرية: كما ورد في قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللّهِ)، «سورة آل عمران، الآية 110»، والثانية: الوسطية: كما في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، «سورة البقرة، الآية 143».
حبّ النبي لأبي هريرة
أبو هريرة- رضي الله عنه- هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسمّاه النبي- صلى الله عليه وسلم- عبدالرحمن، وكنَّاه أبا هريرة، فهو صحابي جليل لازم النبي- صلى الله عليه وسلم، حتى أصبح أكثر الصحابة حفظاً للحديث ورواية له.
وكان أبو هريرة- رضي الله عنه- كلما دعا أمه إلى الإسلام نهرته، حتى دعاها ذات يوم، فأسمعته في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما يكره. فذهب أبو هريرة- رضي الله عنه- من فوره يبكي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- راجياً إياه قائلاً: ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فدعا لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
فلما عاد أبو هريرة- رضي الله عنه- إلى المنزل، فوجد الباب مردوداً، فقالت له أمه: مكانك يا أبا هريرة، وعجلت إلى خمارها بعد اغتسالها، ثم فتحت لولدها أبي هريرة، وقالت: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»، فرجع أبو هريرة- رضي الله عنه- يبكي فرحاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ويخبره بهذا الخبر»، «أخرجه مسلم».
يظهر من هذا الحديث مدى حرص أبي هريرة- رضي الله عنه- على برّ أمه، حيث كان- رضي الله عنه- يغتنم كل مناسبة لدعوتها إلى الإسلام، ويذكرها بآيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى- صلى الله عليه وسلم-، لكنها كانت معرضة، ومع ذلك لم ييأس فقد توجه لحبيبه- صلى الله عليه وسلم- طالباً منه الدعاء لأمه بالهداية، فاستجاب الحبيب لطلب أبي هريرة- رضي الله عنه- ودعا لها بالهداية، واستجاب الله دعاء نبيه- صلى الله عليه وسلم-، فالنساء في الإسلام شقائق الرجال، والنصوص القرآنية توضح ذلك، كما في قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)، «سورة آل عمران الآية 195» لذلك فقد حرص الرسول- صلى الله عليه وسلم- على دعوة النساء، فهن الأمهات، والزوجات، والأخوات، وقد أحببت أن أُذَكِّر الأبناء بضرورة برّ الوالدين وإكرامهما، والحرص على طاعتهما، وطلب الخير لهما مهما كانت الظروف، فالجنة تحت أقدام الأمهات، ورضى الله من رضى الوالدين، وسخطه من سخطهما، وكما تدين تُدان، فهل عقل الأبناء ذلك كي يفوزوا برضى الله وطاعته في الدنيا، وبجنة عرضها السموات والأرض يوم القيامة؟! فبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم، فباب التوبة والحمد لله مفتوح دائماً كما جاء في الحديث «إن الله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها»، (أخرجه مسلم).
سيدي يا رسول الله: ونحن في ذكرى مولدك يا سيدي يا رسول الله نقول: عذراً إن قصرنا في اتباع سنتك، أو غفلنا عن بعض تعاليمك، فإننا نتخذ من ذكراك بداية لتصحيح المسار، فأنت الذي قلت: توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إليه في اليوم سبعين مرة.
ما أحوجنا ونحن نسترشد بهديك، أن نتداعى إلى وحدة حقيقية، لنحقق بها خيرية هذه الأمة التي دعوتنا إليها، وألا نكون متفرقين في هذه الدنيا، حتى لا نصبح قصعةً تتداعى عليها أيدي الأعداء، فما زال حديثك يا سيدي يا رسول الله يتردد على مسامعنا «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي»، (أخرجه مالك في الموطأ).

‎الدكتور يوسف جمعة سلامة
‎خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا