صحيفة الاتحاد

تقارير

التحديات الجديدة لمحور باريس ـ برلين

يتوصل الأوروبيون راهناً إلى إدراك مؤداه أن الخروج البريطاني من المنظومة الأوروبية «البريكست» يغير أوروبا. فبريطانيا كانت لزمن طويل جزءاً شبه منفصل عن أوروبا، ولكنها لعبت من خلال هذه الصفة دوراً مهماً في القارة: حيث كانت قوة موازنة من جهة، ومُعالجاً من جهة أخرى للثنائي الفرنسي الألماني، الذي شكل جوهر السياسة الأوروبية. ومن العبارات المألوفة التي نسمعها تترد في البلدين بشكل متكرر، أن كلاً منهما يحتاج إلى بريطانيا، للموازنة مع الآخر.
إن قصة التكامل الأوروبي بدأت بالتفاؤل، ولكنها تبدو الآن غارقة في سوء الفهم، وسوء التواصل. فالشعبان الفرنسي والألماني، لا يتكلمان لغة واحدة ولا يفهمان بعضهما بعضاً. وينتج عن ذلك أن السياسيين في البلدين يلجأون عند الحديث عن الاقتصاد إلى استخدام اللغة الإنجليزية كوسيط.
والسؤال الذي تواجهه أوروبا حالياً هو: ما هو نوع الصدمة التي تحتاجها كل من باريس وبرلين، لكي تبدآ التواصل بشكل فعال، وتعيدا الفعالية لهذا المحور المحرك للمشروع الأوروبي برمته؟ هناك العديد من القضايا الصعبة، والأحداث السيئة، التي يتعين أن تستجيب لها الدولتان بشكل مشترك، بدءاً من قضايا الطاقة، والبيئة، إلى قضايا اللاجئين والتهديدات الإرهابية، التي بدت في البداية كما لو كانت حالة فرنسية، ولكنها ضربت ألمانيا أيضاً بعنف، في الآونة الأخيرة.
وإذا ما نظرنا إلى تاريخ البلدين، فسنجد أن تطابق الرؤيتين الألمانية والفرنسية ليس قدراً حتمياً، كما قد يعتقد البعض، وإنما هما في الحقيقة انعكاس للمعتقدات التي كانت سائدة في البلدين، حتى منتصف القرن العشرين.
ففي فرنسا القرن التاسع عشر/ هيمنت عقيدة «دعه يعمل» الشهيرة، في حين وضع المفكرون الألمان «نظريات العلوم السياسية»، وقاموا بتطبيقها على تشكيلة واسعة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. ولكن الكوارث التي منيت بها ألمانيا مثل هزيمة الرايخ الثالث، وتعرضت لها فرنسا مثل تفكك الجمهورية الثالثة، كانت سبباً في حدوث تغيير جوهري في عقيدتي البلدين.
وتمثل هذا التغيير في أن بناة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، قرروا أنهم يريدون وضع قواعد من شأنها الحد، ليس فقط من سوء استخدام السلطة من قبل الدولة، ولكن أيضاً الحد من تركيز السلطات في يدها. أما الجيل الجديد من المفكرين الفرنسيين، فقد ألقوا باللوم على سياسة «دعه يعمل»، التي رأوا أنها كانت تمثل «ليبرالية مفرطة»، وأنها كانت سبباً في تباطؤ النمو، وفي فشل الصناعة في تنظيم عملية إعادة التسلح في الثلاثينيات، ودعوا بدلاً من ذلك إلى اقتصاد مخطط.. أما الألمان فقد تراجعوا عن فكرة تدخل الدولة، خوفاً من أن تصبح تصرفاتها تعسفية وديكتاتورية.
والسؤال الأعمق الذي يواجه كل التقاليد الفرنسية والألمانية في الوقت الراهن، هو عما إذا كان من الممكن التفكير في مقاربة أفضل من المقاربات السابقة. فنظراً لأن بريطانيا لن تلعب دور الوسيط بعد ذلك، فإن السؤال الملح الآن هو: هل تستطيع مؤسسات الاتحاد الأوروبي مراقبة، ورصد السياسات التدخلية، وضمان ألا تؤدي إلى توليد الفساد، وعدم الكفاءة.. وما هي الطريقة التي يمكن أن يساهم بها القطاع الخاص في التنمية؟
إن مشاركة القطاع الخاص، يمكن كما هو واضح، أن تجلب منافع ومكاسب عامة مهمة. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك، أن المشاريع الخاصة يمكن أن تساعد في مهمة إدماج سكان أوروبا الجدد من اللاجئين. وهناك سوابق جيدة لذلك في الأزمات التي واجهت البلدين في الماضي: ألمانيا في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وفرنسا بعد إنهاء الاستعمار. ففي الحالتين، ساهم الملايين من القادمين الجدد للبلدين في توليد الرخاء والديناميكية. وثمة مشروع أوروبي حقيقي آخر يتمثل في بناء بنية تحتية جديد للربط بين شبكات الطاقة المحلية والوطنية، وهو ما سيساعد على تذليل العقبة المتمثلة في وجود أنظمة تسعير غير متوافقة، مع بعضها بعضاً كتلك الموجودة في أوروبا في الوقت الراهن. وستكون هذه كلها بمثابة مكاسب واضحة، يمكن جنيها من خلال التكامل. وفي الآن ذاته، فإنه كلما ازدادت درجة تنوع العرض، كلما ازدادت البدائل السوقية، وكلما ازداد اقتصاد الطاقة الأوروبي صلابة، في مواجهة الصدمات الخارجية، على وجه الخصوص.
والخلاصة هي أن الاتحاد الأوروبي، في مرحلة ما بعد «البريكست»، يجب أن يبدو في مظهر القادر على العمل. فكل ما يحتاج إليه هو رؤية، ولكن الشيء الذي لا يقل أهمية عن الرؤية، هو أنه في حاجة إلى إظهار نتائج. وبدون ذلك، فإن شعوب دوله الأعضاء، ستفقد الثقة في فكرة الاتحاد ذاتها، كما ستفقد الثقة في صفة كونها مواطنين في الاتحاد.
إن تحدياً مثل «البريكست» يجب ألا يستدعي إجراء تعديلات فنية، ولا يأساً شعبياً في أوروبا. فما يحتاجه الأوروبيون أولاً وأخيراً، هو إقناعهم بشأن الكيفية التي يمكن بها لأزمة ما أن تكون مثمرة، أي يمكن الخروج منها بنتائج إيجابية.

* أكاديميون ومحللون سياسيون
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»