الاتحاد

دنيا

ست الملوك.. مفتية نساء زمانها

أحمد مراد (القاهرة)- عرف التاريخ الإسلامي الممتد لأكثر من 1430 عاماً نساء اشتهرن بالعلم والتفقه في أمور الدين، وأحطن بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها، وتوسعن في فهم الفقه واستيعابه، وتبحرن في أحاديث الأحكام حتى صرن مضرب الأمثال في فهم الدين والتفقه فيه، وكن يتصدرن الإفتاء والتدريس وتصنيف الكتب، ويقرأ عليهن النساء والرجال على السواء، ويرتحل إليهن أعلام عصرها يستجيزونها، وكانت الفقيهة والعالمة ست الملوك التي عاشت في القرن السابع الهجري واحدة من هؤلاء النساء اللائي اشتهرن بالفقه والعلم.
عالمة جليلة
وست الملوك، عالمة جليلة، عفيفة، زاهدة من بيت عدالة، وفقيهة حنبلية، كان أهلها كلهم عدول ثقات لم يسمع عنهم شائنة، اعتبرها المؤرخون والعلماء والفقهاء نموذجاً إنسانياً رائعاً يحتذى به، ووسيلة للاقتداء والتأسي بها أيضاً، لما لها من دور في الهجرة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. هي العالمة وفقيهة نساء زمانها فاطمة ابنة علي بن الحسين الواسطية الأصل، البغدادية، المدعوة “ست الملوك” ابنة أبي نصر الحنبلية، منذ صغرها حرصت على التفقه في أمور الدين، وتعلق قلبها بالعلم والتعلم، وكانت مولعة بطلب العلم، والذهاب إلى أكابر علماء وفقهاء عصرها للتعلم منهم.
ويدل على ذلك كثرة شيوخها ومن تعلمت على أيديهم، وكثرة من أجازها من العلماء والمحدثين الذين تلقت على أيديهم علوم الإسلام من فقه وحديث وقرآن من أمثال أبي بكر محمود بن مسعود بن بهروز مسند الدارمي، والمنتخب من مسند عبد، وأجاز لها أبوالحسن محمد بن أحمد القطيعي وعلي بن أبي بكر بن أبي بكر بن روزبة، والشيخ شهاب الدين عمر بن محمد السهرودي، وأحمد بن أبي السعود بن القميرة، وأحمد بن يعقوب المارستاني، والأنجب بن أبي السعادات الحمامي، وسعيد بن محمد بن ياسين، وعبدالعزيز بن دلف، وعبدالملك بن أبي القاسم بن قينا، ومحمد بن سعيد بن الخازن، ومحمد بن محمد بن السباك وعجيبة الباقدارية.
روت الحديث
وكانت فاطمة ست الملوك عاقلة عالمة ذات علم غزير ومعارف جمة، وكان نساء زمانها يستفتينها في مسائل الدين، ويقتدين بها في معضلات الأمور التي كانت تواجههن في حياتهن اليومية.
قال عنها المؤرخ خير الدين الزركلي في كتابه الشهير “الأعلام”: ست الملوك فاطمة بنت علي بن الحسين بن حمزة الملقبة بست الملوك، فقيهة حنبلية، روت الحديث وحدثت به. وقريء عليها مسند الدارمي ومصنفات البغوي، وأجازت بعض معاصريها، أصلها من واسط وسكنها ووفاتها ببغداد. وطوال عمرها عرفت ست الملوك بالسمعة الطيبة بين الفقهاء والمحدثين.
وكانت ثقة عدل بين العلماء، يدل على ذلك كثرة طلابها ومريديها من فحول العلماء، وكثرة من أجازتهم، وخاصة من مشاهير الفقهاء والعلماء أمثال أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن بن شامة، وأبو العلاء محمود بن أبي بكر الفرضي، وذكرها في معجمه، وسمع منها الإمام تاج الدين أبوالحسن علي بن سنجر بن السباك، وأبو الفضل عبدالأحد بن سعدالله بن نجيح الحرَّاني، والشيخ سراج الدين عمر بن علي القزويني، وأجازت أبي العباس أحمد بن محمد بن علي الكازروني، وحدَّث عنها بدمشق، وقال: هي أخت شيخنا بالسماع العدل عز الدين محمد.
وفاتها
وذكر كثير من المؤرخين في مصنفاتهم ومؤلفاتهم عن ست الملوك أنها كانت وافرة العلم، تسأل عن دقائق المســـائل، وتتقن الفقة إتقاناً بالغاً، ومن العالمــات الفاضلات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة.
وتوفيت ست الملوك رحمها الله في يوم الإثنين الموافق للسابع من شهر ربيع الأول سنة 719 هجرية الموافقة لسنة 1310 ميلادية في بغداد، ودفنت بمقبرة الإمام أحمد، تاركة خلفها تراثاً علمياً يشهد بسعة علمها وتفقهها في أمور دينها، وقد حفظ تلاميذها من العلماء والفقهاء هذا التراث، ونقلوه إلى الأجيال اللاحقة جيلاً من بعد جيل، مما جعلها واحدة من الرائدات في علوم الدين والفقه الإسلامي.

اقرأ أيضا