صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الفصحى والعامية علاقة تكامل أم تنافر؟

لا أحد يمكنه أن يغالب اللغة العربية، وهي ليست لغة جامدة، بل حية وتقبل التفاعل مع الحياة ومع أي مجتمع يتحدث أفراده العربية، هذا هو المعنى الذي يخرج به قارئ كتاب أستاذ العلوم اللغوية بجامعة حلوان د. فتح الله سليمان “معجم الألفاظ العامية المصرية” والكتاب دراسة لكتاب مرجعي هو كتاب “شفاء الغليل فيما فسر كلام العرب من الدخيل”، لشهاب الدين الخفاجي المصري الذي عاش بين عامي 977 و1069 هجرية، وكان د. محمد عبدالمنعم خفاجي قد نشره مع تعليقات في عام 1371هـ 1952م. وكتاب الخفاجي المصري به عدة عاميات ففيه عامية أهل الشام وعامية المغرب وأهل العراق ومصر والسودان لكن الكتاب الذي بين أيدينا اقتصر على العامية المصرية.

لا انحراف
وينطلق د. فتح الله في دراسته لموضوع العاميات من أن العامية ليست كلها انحرافاً عن اللغة الفصحى لأن الألفاظ العامية إما أن تكون في أصلها ألفاظاً فصيحة أصابها بعض التغيير بالتحريف أو القلب أو الإبدال، أو باستعمال بعض الألفاظ بمدلولات جديدة تخالف مدلولاتها الأصلية أو تخالف ما قرره النحاة وما تعارف عليه اللغويون، وهناك حقيقة أن بعض الكلمات العامية قد تكون لهجة قبيلة أو منطقة ما، وهذا ما يفسر تعدد العاميات وتشعبها، هناك العامية المصرية وكذلك الشامية والمغربية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ففي داخل البلد الواحد تتعدد اللهجات، في مصر مثلاً تختلف عامية أهل الصعيد عنها في القاهرة أو الاسكندرية وهكذا الحال في البلدان العربية الأخرى، ففي سوريا تختلف عامية دمشق عن عامية أهل حلب أو اللاذقية.
هناك بعد آخر في العامية وهو دخول الألفاظ الأعجمية إلى العربية، والأمر يختلف من منطقة إلى أخرى بحسب ما تستوعبه العامية، ففي العامية المصرية تكثر الألفاظ القبطية والتركية في حين تكثر الكلمات الفارسية في سوريا ولبنان، وهناك كلمات عامية انتشرت وشاعت ولم يتم الاتفاق على أصلها أو مصدرها مثل لفظ “العجة” حيث تنطقها العوام بكسر العين وقال البعض إنها مأخوذة من العبرية وقال آخرون إن اللفظ مولد وزعم آخرون أنها شامية، وكلمة “لوبيا” فقد ذهب فريق من اللغويين إلى أنها يونانية الأصل ورأى فريق ثان أنها مأخوذة عن الآرامية، وانتهى فريق ثالث إلى أنها هندية.
ولا تقف العامية عند تحريف الكلمات الفصيحة أو اللجوء إلى الكلمات الأجنبية بل تلجأ أحياناً إلى نحت بعض الكلمات مثل “أيوه” وهي مأخوذة من كلمتي “اي والله” وكلمة “الفذلكة” وهي من فعل “فذلك”، ويتم نحت كلمات في العامية تعويلاً على المعنى أو الكناية مثل قول “تربية القاضي” كناية عن اللقيط، وقولهم “زقزقت عصافير بطنه” كناية عن الجوع الشديد، وقولهم “كيت وكيت” كناية عن قصة أو حكاية وحديث وغيرها من الكلمات.
وقد تتغير بعض الألفاظ الفصيحة المستخدمة في العامية تغيراً دلالياً مثل لفظ أو مصطلح “الطهارة” الذي يعني في الأصل التطهر بالماء، سواء بالوضوء أو في التخلص من الأدران، لكن الكلمة صارت في العامية تستعمل بمعنى الختان.
وتختلف دلالة ومعاني بعض الكلمات، فقد يختلف معنى بعض الكلمات من الفصحى إلى العامية، مثلاً كلمة “التيس” تستعمل في العامية للإشارة إلى الغباء الشديد وبلادة الإحساس أو الحمق، بينما كانت تستعمل قديماً بمعنى المدح والثناء، وهناك بعض الألفاظ ترتقي معانيها ودلالاتها من الفصحى إلى العامية وهكذا كلمة “العفش” التي يستعملها العوام بمعنى الأثاث الجديد، فيقال “عفش” العروس عند الزواج، أما دلالتها الأصلية أو الفصيحة فهي تعني الشيء البالي.
وتمتلك العامية القدرة على التوسع في الاشتقاق حتى في الكلمات والألفاظ ذات الأصول غير العربية، مثل “البوز” وهو لفظ ليس عربياً، ولكن يقال: “مبوّز” وبوّز. واشتق العوام من كلمة “العربون” حيث يقال “يعربن” ويقولون “فلان يعربن على كذا” أي يسعى أو يتمنى الحصول عليه، ولكن هناك كثيراً من الكلمات التي ينطق بها العامة صحيحة فصيحة تماماً، مثل كلمة “المنجدِّ” فهي مشتقة من الفعل “نجّد” أي “زين” وهناك ألفاظ تأتي عند العوام محرفة من كلمات فصيحة مثل القول “استَنَّى” بمعنى انتظر أو تمهل، وهو محرف من الفعل تأن أو استأن.

دفاع عن العوام
وإذا كان بعض اللغويين وعلماء النحو قد هاجموا العامية والمتحدثين بها فهناك من اتجه إلى الدفاع عن اللهجات العامية، وحاول الرد على مقولة إن العوام لا يصيبون فيما ينطقون، فوضع ابن الحنبلي المتوفى سنة 971 هجرية كتابه “بحر العوام فيما أصاب فيه العوام” وكتب يوسف المغربي (1019 هجرية) “دفع الإصر عن كلام أهل مصر”، وقام ابن أبي السرور بعد ذلك بثلاثة أجيال باختصاره في كتاب بعنوان “القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب” والذي تم تحقيقه ونشره مؤخراً في القاهرة.
وليست العامية وحدها هي التي بها أخطاء أو خروج عن القواعد اللغوية، فلغة الخاصة من الأدباء والكتاب كانت موضوعاً للعديد من الدراسات والمصنفات التي سعت إلى تخليصها مما رآه هؤلاء تحريفاً أو خطأ بعيداً عن الصواب، ومن هذه الكتب إصلاح المنطق؟ لابن السكيت في القرن الثالث الهجري وكتاب ابن قتيبة المتوفى عام 276 هجرية “أدب الكتاب” والذي أوضح فيه ابن قتيبة أخطاء الكتاب والمثقفين، وتعرض فيه كذلك لبعض مما بدر من العوام من تصحيف أو خطأ أو تغيير في حركة الكلمة، كما ألف الحريري في القرن السادس الهجري كتاب “درة الغواص في أوهام الخواص” وقد قام ابن الحنبلي بوضع ذيل أو تعليق على درة الغواص سماه “أسهم الألحاظ في وهم الألفاظ” وهناك كتب شغل أصحابها بتصحيح الأخطاء الشائعة في اللغة العربية بين الكتاب والخواص وبين استعمال العوام للغة، مثل كتاب “تثقيف اللسان وتلقيح الجنان” لابن مكي الصقلي “توفي 501 هجرية” وكتاب “الفصيح” لابي العباس ثعلب المتوفى 291 هجرية. وهناك كتب ورسائل أخرى عديدة عالجت هذه القضية في تراثنا العربي.
هذه الكتب والدراسات التي يعود معظمها إلى القرن الثالث الهجري تكشف عن أن قضية الفصحى والعامية كانت مطروحة على اللغويين العرب منذ وقت مبكر، وأن الاستعمال اليومي للغة يبحث عن السهولة واليسر ويحاول به الناس تجنب التقعر اللغوي، فضلاً عن تباين المستوى الثقافي لكن المعنى الأهم أن ذلك كله ينفي ما يتردد بين حين وآخر عن أن قضية الفصحى والعامية ظهرت مع الاستعمار الأوروبي للبلاد منذ القرن الثامن عشر، أو أنها مؤامرة قام عليها بعض المستشرقين.


الكتاب: معجم الألفاظ العامية المصرية
المؤلف: د. فتح الله أحمد سلميان
الناشر: دار الآفاق العربية ـ القاهرة 2010