الاتحاد

ثقافة

جسور.. قبل الغرق

قبل الغرق

قبل الغرق

إيهاب عمر داخلي أحمد

لف الظلام المدينة، وضرب في شتى الأرجاء. انتهى من عمله الهادئ في القطاع (أ) كمطور لمواقع الشبكة العنكبوتية. يسير في الطرقات غير آبه بالصقيع القارس فتصطك أسنانه. يدخن سيجارته في بطء ويحلم مع دخانه المتصاعد. يردد في نفسه: أحقاً سيأتي اليوم الذي يصبح فيه مواطناً من القطاع (أ)، أو ربما ينال قانون الترقي ويلتحق بقانون المواطنة من القطاع (ب). سحقاً لهذه البطاقة الممغنطة التي تسمح له بالبقاء في القطاع (أ) لفترة محددة أثناء تأدية عمله. ينظر إلى تلك الحدود الكهرومغناطيسية التي تعزل الإنسان عن أخيه، يتألم لأولئك الضحايا الذين تم صعقهم أثناء محاولتهم العبور ببطاقات مزيفة. ينظر إلى نفسه فيرى مجرد عقل موهوب مستأجر لفترة وحالما يتوقف عن التفكير، يرمي به إلى حيث ينتمي إلى غيابات القطاع (ج).
يصل إلى القطاع (ج) حيث موطنه، فتصطدم عينيه بالفقر المترامي والطفولات المشردة. يحاور نفسه: لماذا الحرب في ذلك القطاع لا تتوقف؟. لماذا جعلنا أنفسنا بشراً على الهامش ليس لهم الحق في الحياة. هل نحن كائنات مختلفة؟ ألسنا نتشارك نفس العيون التي تدمع، نفس القلوب التي تخفق، نفس اللون الأحمر للدماء، نفس الشمس ونفس الأرض. لا يجد إجابة؟..
يلقي بجسده المتهالك على الأريكة، يجول بعينيه الحزينتين متذكراً طفولته. يداعبه أمل جديد بأن يصبح مواطناً من القطاع (أ)، ومحبوبته ذات العيون الزرقاء. تأخذه غفوة، ثم ما يلبث أن يغرق في السبات. محبوبته تقترب منه في رقة غير معهودة، دقات قلبه تتسارع، فقد خالفت القانون وأعجبت به. كان لا يتخيل للحظة أن تعجب فتاة بشاب من التصنيف (ج)، وتخالف القانون الذي يحرّم ذلك.. تخبره في هدوء: لقد أحببتك، يجب أن أقولها لك قبل الرحيل.
إن القطاع (أ) و(ب) مهددان بالغرق نتيجة ذوبان الجليد، والفيضان سيهلك الجميع، ولكن وفقاً للقانون لا يمكنه الرحيل معهم. فقط قد يشعر بالسعادة في الأيام المقبلة قبيل الغرق حين تنفتح الحدود وتتلاشى عند الرحيل. يجيبها في عنف: آمل ألا تجدوا مكاناً آخر تنهبون ثرواته وترسمون حدودكم وقوانينكم الزائفة. تجيب في دهشة: أنتم من رضيتم بهذه القوانين، إنكم تصنيف ثالث لا يمكنه العيش من دون تلك القوانين. تزداد نبرة صوته حدة: أشعلتم الحروب وابتعتم السلاح، قتلتم الطفولة، ادعيتم الرقي. أنتم طفيليات تتغذى على دماء الآخرين. لماذا تصنعون الحواجز وتعزلون البشر. أنتم تشوهون ناموس الطبيعة. أنا لا أحبك، لن أكون أسيراً لجمالك الزائف، أنا لا أنتمي أليكم، لا أنتمي..
في تلك اللحظة استيقظ من غفوته وردد في صمت: لا أنتمي.. لا أنتمي..

اقرأ أيضا

«الفريج».. ذاكرة المكان الأليف