الاتحاد

دنيا

انتقام أم

لم تكن هذه هي المشاجرة الأولى بين الجيران والتي كانت كلها في الغالب لأسباب تافهة، واليوم تسبب «الكلب» في تجددها بل في إشعالها ناراً، عندما أفزع الطفلة وخرج أفراد الأسرتين يتعاركون بالعصي والطوب، حتى لم يستطع أحد التدخل بينهم لإنهاء المشكلة، فالضربات لا تميز بين عدو وحبيب وكلها عشوائية في كل وأي اتجاه، ولم يسلم الكثيرون من الإصابات بالجروح والخدوش والكدمات، وليتها انتهت عند هذا الحد، فعندما تواجه الشابان عصام وشعبان واشتبكا بالأيدي مباشرة قام الأول بطعن الثاني بمطواة في بطنه، طعنة واحدة أخرجت أحشاءه وكانت كافية لأن تودي بحياته وسقط صريعا في الحال.
مشهد مرعب
كان المشهد مرعباً ومفاجئاً للجميع إذ لم يتوقع أحد في أي لحظة أن تصل الأمور إلى حد القتل، وانفضت المشاجرة في الحال فقد هرب كل أقارب عصام خشية البطش بهم وقتل أحدهم مقابل هذا القتيل ودمه لم يجف، فروا بحياتهم، وتفرغ أقارب القتيل للصراخ والبكاء عليه، لكن صدورهم تغلي ولو وجدوا أي شخص يمت للقاتل بصلة لقتلوه في هذه اللحظة بلا أدنى تفكير أو تردد، بل بالفعل بحثوا عن أي منهم لكن لم يجدوا أحداً، اختفوا كأنهم أشباح لا تراهم العيون.
القتيل «شعبان» شاب في العشرين من عمره، الابن الوحيد لأبويه، توفي أبوه منذ أن كان طفلا وتولت أمه تربيته، أغلقت بابها عليها ورفضت كل عروض الزواج والضغوط التي مارسها عليها إخوتها حتى تكون في كنف زوج يحميها لكنها اتخذت قرارها النهائي الذي لا رجعة فيه بأن نذرت كل حياتها لهذا الولد الوحيد اليتيم، لن تتركه لأحد ولن تتزوج حتى لا تدع الفرصة أمام زوج الأم الذي لن يكون رحيماً به، كثيرون استحسنوا صنيعها لكنهم يشفقون عليها وهي شابة.
كان يوماً أسود في حياتها بكل المقاييس بل هو الأكثر سواداً على الإطلاق، حتى اليوم الذي فقدت فيه أباه الذي كان زوجها ربما كان أهون من ذلك عليها، اليوم تضاعفت أحزانها كما لو كانت فقدت الاثنين معا، ترى أن هذه هي نهاية الدنيا فما قيمة حياتها بعد ذلك، والذين من حولها غير قادرين على تخفيف أحزانها ولا حتى إقناعها بالتوقف أو التخفيف من الصراخ والبكاء خشية أن تهلك هي الأخرى، لكن لماذا تعيش بعد أن فقدت ولدها وزهرة عمرها ومن تعيش من أجله أصلا، النائحات حولها من قريبات وجارات شاركنها أحزانها، التففن حولها، ومنهن من تبكي على حالها لربما فقدت ولدا أو أخا أو زوجا أو أي عزيز لديها، كلهن جمعتهن الأحزان.
على الجانب الآخر كان الرجال الكثيرون متجمعين بجوار الجدران في صمت رهيب، لا يتهامسون ولا يتكلمون إلا بكلمات محدودة أو بلغة الإشارة أحيانا في أمر يخص التجهيز والجنازة والإجراءات والكفن والدفن، معظمهم يدخنون بشراهة أو يدسون رؤوسهم في حجورهم، بعضهم تفيض أعينهم بالدمع حزنا على الراحل الشاب الذي قضى في لحظة خاطفة، يشفقون على أمه المسكينة وكيف ستكون حياتها بعد ذلك وهل تستطيع أن تعيش بعد هذه الكارثة الثقيلة، قليلون الذين بكوا بصوت عال من الشباب من أصدقاء القتيل وأقرانه الذين ترعرعوا معه في المنطقة.
اللحظات الأصعب
اللحظات الأصعب لم تأت بعد، مع أن كل ما يحدث صعب وشديد على النفس ليس فقط على الأم وحدها ولا على الأصدقاء والأقارب وإنما على الغرباء وعلى كل من يسمع بما حدث وملابساته، حضر رجال الشرطة ليحرروا محضرا بالواقعة، يستمعون لأقوال الشهود وأطراف المشاجرة، لكن المهم هو أقوال الأم التي كانت في حالة انهيار، الكلمات تأبى أن تخرج من فمها، بعد أن تحدثت عن المقدمات التي أدت إلى هذه النهاية المؤلمة، عجزت عن النطق بما حدث وهي تصف كيف تم قتل ولدها، تخنقها الدموع وتختلط الكلمات التي تخرج ممزوجة بالصرخات والآهات والألم، تلطم وجهها لولا أن الحضور يحذرونها ويذكرونها بحرمة هذا الفعل.
وتأتي النيابة لتحقق في جريمة القتل، كي تتأكد من الاتهام والأدلة من خلال الوقائع والشهود ومحضر الشرطة، وتستمع أيضاً لكل الأقوال، وأخيراً تأمر بسرعة القبض على القاتل الذي كان معروفاً لينال عقابه العادل لما اقترفت يداه، أما القرار القاسي على كل النفوس والذي لا بد منه فهو تشريح الجثة، وما أن سمعه الجميع حتى كادوا يفقدون الوعي لكن لا مفر منه، أمه سقطت مغشيا عليها عندما علمت بذلك، فكيف لها وابنها بعد هذه الميتة يتم تشريح جثته ولولا أن في ذلك ضياعا للحقوق ما سمحت ولو كان بيدها ما وافقت ولمنعت الطبيب الشرعي من مزاولة عمله، اللحظات فعلا صعبة وقاسية على الجميع حتى انتهت المهمة، وجاءت لحظات الغسل والتكفين، الرجال الأشداء لا يستطيعون معاينة هذا المشهد فيبتعدون ويفرون منه.
حمل الشباب النعش وبه جثمان شعبان إلى مثواه الأخير، وقلب الأم يعتصر ألما أكثر كلما اقتربت لحظة النهاية ومواراته الثرى ولن تراه مرة أخرى، تتشبث به وتود لو تمنعهم من دفنه، لكنها سنة الحياة ولا بد من تكريم الميت بالدفن، ليست وحدها التي كانت متأثرة وفي حالة انهيار بل معظم المشيعين كذلك، وأخيرا انتهت تلك اللحظات القاسية، وعاد الجميع إلى بيوتهم، بلا طقوس لتلقي العزاء كالمعتاد عند كل وفاة، فمن العادات عندهم أن من يموت قتيلًا لا يقبل فيه العزاء إلا بعد الثأر له من قاتله، وأعلنت الأم الثكلى ذلك صراحة بأنها لن تتلقى العزاء الآن وكان ذلك بمثابة إعلان بأنها تعتزم الثأر له.
الطرف الآخر يقينا يعلم بتلك العادات، وأن رأس عصام مطلوب بجريرته، وربما لا يكون هناك مانع من قتل أحد أقاربه، فاختفوا جميعا وهجروا المنطقة وباعوا منازلهم والأثاث وكل ما يملكون ليفروا من الموت الذي ينتظرهم هنا، رغم أن أم شعبان أعلنتها صراحة بعد ذلك أنها لا تريد القصاص إلا من القاتل نفسه ليذوق وبال أمره، وهذا فقط الذي يشفي بعض غليلها، لم يغمض لها جفن ولم تعرف النوم العميق وهي تفكر كيف تنتقم لفلذة كبدها الذي راح غدرا، لم تعط نفسها وقتا للراحة ولا للاسترخاء وأعلنت موقفها واضحاً جلياً بأنها لن تتوقف عن البحث عن «عصام» في أي مكان حتى لو في المريخ.
المهمة الصعبة
المرأة خرجت عن طبيعتها الهادئة التي كانت تتمتع بها من قبل، تحولت إلى وحش بسبب ما تعرض له ولدها، ألقت بكل شيء في الحياة وراء ظهرها لتتفرغ لتلك المهمة الصعبة التي لا يقدر عليها إلا الرجال الأشداء تحركها دوافع الانتقام، بحثت في الأماكن والبلدان، في المناطق والأزقة والحواري، في الميادين والشوارع، استعانت ببعض أقاربها لمساعدتها في الوصول إلى أي معلومات عن غريمها وحاولوا أن يساعدوها بالفعل لكن كل جهودهم باءت بالفشل ولم تأت بجديد عن الشخص المطلوب.
أخيرا جاء من يهمس في أذن أم شعبان بأن عصام يعمل في مطعم في منطقة بعيدة عنها، وربما كان هذا الخبر قد اسعدها لأنها ستقترب من تحقيق هدفها، وحتى تنجح في الوصول إلى هدفها ارتدت ثيابا رثة مثل الفقراء، وتقمصت شخصية متسولة حتى لا يتعرف عليها، وجلست بالقرب من المطعم الذي يعمل فيه، عدة أيام وهي تحضر من الصباح الباكر ولا تنصرف إلا آخر النهار، استطاعت أن تعرف مواعيد وصوله وانتهاء عمله وكيف يأتي وكيف يعود، عرفت عنه تفاصيل تحركاته بدقة وحددت ساعة الصفر من غير أن تخبر أحداً بما اعتزمت وقررت أن تفعله حتى لا يفسد عليها خطتها من ناحية وحتى لا يسبقها إليه أحد من ناحية أخرى.
كان في إمكانها أن تعد سلاحاً نارياً وتطلق منه رصاصة أو أكثر حتى تقتله، وينتهي الأمر، لكنها أصرت على أن تقتله بنفس الطريقة التي قتل بها ابنها، وفي الوقت المحدد انتظرته عند خروجه من العمل وهي بنفس التخفي في ملابس التسول، ولولا أنها تخشى هروبه أو عدم قدرتها على السيطرة عليه لواجهته مباشرة وجاءته من أمامه، اقتربت منه بعدما ابتعد عدة خطوات من المطعم، كعادته يتلفت يمينا ويسارا لأن الخوف لم يفارقه إما من هذه المرأة وإما من الشرطة التي تبحث عنه للقبض عليه بتهمة القتل، خدعته بالزي الذي كانت ترتديه وهي تسير نحوه بخطى بطيئة حتى لا تثير شكوكه، سارت حتى كادت تلمسه وأخرجت السكين وطعنته في قلبه طعنة مباغتة، سقط على الأرض، قامت بطعنه مرة ثانية، وهي تردد الأولى ثأرا لابني والثانية زيادة مني، ولفظ أنفاسه الأخيرة.
فوجئ المارة بما يحدث أمام عيونهم، امرأة تقتل شاباً فتياً، ثم الغريب إنها أطلقت زغرودة مدوية وهي في حالة تشبه الجنون، خاصة وهي تنادي من حولها بأن يبلغوا الشرطة، فلم تحاول الهرب وانتظرت دقائق حتى حضر رجال البوليس وألقوا القبض عليها لتعترف بكل التفاصيل.

اقرأ أيضا