الاتحاد

دنيا

خطيب أمي

كنت صغيرة عندما تم الطلاق بين أبي وأمي، عمري وقتها تقريبا كان حوالي أربع سنوات، لم أكن أعرف السبب الذي أدى إلى الانفصال بينهما، ولست قادرة على الحكم على ما حدث، كل ما أستطيع أن أتذكره أنني أستيقظ على مشاجرات وأصوات عالية بينهما وأحاول من الخوف أن أصم أذنيّ حتى لا أصاب بالمزيد من الرعب، بعد أن يعود أبي من عمله أكون منشغلة في ألعابي أجمعها بسرعة قبل أن ينالها غضبه، فأختبئ في غرفتي حتى لا يركلني بقدمه إذا تصادف وجودي أمامه أو في احسن الأحوال أفر هاربة إذا أسعفني الوقت وينالني فقط بعض الكلمات القاسية.
بعد الطلاق
يتناول أبي طعام الغداء منفردا كعادته حتى لا تتواصل بقية المشاجرات بينهما، لا يفوته أبدا أن يذكر العيوب في الوجبة إما لا تعجبه وإما يتحجج بأن الملح كثير أو قليل، ولا تنتهي الملاحظات التي يبديها كل مرة بالحق أو بالباطل، ثم ينام وأتمنى ألا يستيقظ حتى لا تخرج عواصفه، لكنها أيضا تهب رغم انفي ثم يبدل ملابسه ويخرج لا أدري إلى أين ولا تسأله أمي كي لا تسمع ما لا يرضيها وفي الواقع هي لا تحب ولا تريد أن تعرف، المهم أن يخرج حتى ينعم البيت بالهدوء.
كل ذلك أتذكره لكنني نسيت ملامح أبي بعد أن عدت إلى بيت جدي مع أمي منذ عدة أعوام، لم أره خلالها ولا مرة ولم يفكر في زيارتي ولا دعوتي حتى إلى نزهة خارج المنزل ولا في عيد ولا مناسبة أيا كانت، لا أتوقف أمام ذلك ولا أعاتبه عليه ولكن يلفت نظري ويسترعي انتباهي كلام أمي وجدتي عن هذه الأشياء وهما تتحدثان عنه وتصفانه بأنه ليس إنسانا ولا يصلح أن يكون أبا، فقد تزوج بأخرى ونسينا تماما ولا وجود لنا في حياته وربما في ذاكرته فتلك فترة قد محاها من حياته.
بعد الطلاق عادت أمي إلى وظيفتها التي حرمها أبي منها أثناء زواجهما ومنعها من العمل كي تهتم به وببيتها، لكنها الآن ليس عندها ما يمنع بل بجانب ذلك هي بحاجة إلى العمل كي تنفق عليّ وعلى نفسها وتريد ألا يتحمل جدي أي أعباء نحوي أنا وهي، وأيضا قد بدأ أخوالي وخالاتي يتحدثون عن ذلك ولا يريدون أن نحصل على أي مساعدة من جدي باعتبار ان تلك أموال مشتركة بينهم ولا يوافقون على أن ننعم ببعضها من دونهم، وهكذا تحملت أمي كل نفقاتي واحتياجاتي من الألف إلى الياء، ولم اشعر بنقص في أي شيء أريده مهما كان.
شد وجذب
عندما بلغت السادسة من عمري والتحقت بالمدرسة للمرة الأولى، أمي هي التي قامت بتوصيلي، يومها لاحظت أن كثيرا من الصغار من الأولاد والبنات جاؤوا مع آبائهم، الآن فكرت في عدم وجود أبي وأنني أتمنى أن يكون بجانبي في هذه اللحظة وأنا أبكي خوفا من القادم ولا اعرف كيف ستكون المدرسة، لكن أمي هونت الأمر ووعدتني بأنها ستكون بجانبي في أي وقت، وقد عانت بالفعل وهي تذهب معي كل صباح وتعود في نهاية اليوم الدراسي لتعيدني إلى البيت، وهذا ما جعلني لا أشعر أنني بحاجة لهذا الأب الغائب.
قامت أمي بدور الأب والأم معا كما ينبغي أن يكون بلا تقصير، لم أشعر يوما بأنني ينقصني شيء، في الشتاء والصيف والأعياد تشتري لي الملابس الجديدة والألعاب، لكن لا أعرف ما هو سبب بكائها في هذه الأحوال وفي المناسبات السعيدة، وعندما أسألها لا أجد عندها تفسيرا مقنعا لكن أستطيع أن أحكم بأن ما تسوقه من مبررات ليس هو الحقيقة وأسكت لأنني لن أصل إلى نتيجة أكثر من ذلك، وكثيرا ما يحدث ذلك في أمور عدة لا أعرف تفسيرها وخاصة إذا كانت في نقاش مع جدتي حيث تتعمدان أن تنحياني بعيدا عما تتحدثان فيه، أعتقد أن لي علاقة بالموضوع غير أنني لا ألح في المعرفة.
بعض الحكماء يترددون على بيت جدي، يدور نقاش فيه شد وجذب، لا أعرف الموضوع لكنني فهمت أنني طرف فيه، الحدث الجديد إن أبي قد طلق زوجته الثانية التي تزوجها بعد طلاق أمي وقد مر على زواجهما أكثر من خمس سنوات ولم ينجبا خلالها أطفالا، ولا اعرف أيضا ما هي أسباب الطلاق، ولا يهمني ولا أريد أن أعرف، لكن ما يدور حولي الآن أن هؤلاء جميعا يتحدثون عن إمكانية عودة أمي إلى أبي، الذريعة هي أن أتربى بينهما وكفى ما كان ولا يجوز أن أعيش في هذا التشتت الذي يشبه اليتم وأبي وأمي على قيد الحياة، من جانبي ورغم تحفظاتي على أسلوب أبي الذي أتذكره بصعوبة، ليس لدي مانع من عودة المياه إلى مجاريها والتئام شمل الأسرة، وهكذا كان رأي جدي وجدتي وأخوالي وخالاتي، بيد أن أمي هي الوحيدة التي ترفض العودة إليه لأنها تعرفه ولا تستطيع أن تعيش معه على نفس أسلوبه القديم، حتى عندما تعهد لها بأنه تغير لم تصدق، وأخيرا وافقت من أجلي وكي لا تكون سببا في حرماني من أبي طول العمر ومن حقي- حسب تعبيرها - أن أعيش حياة طبيعية مثل كل الأطفال.
عقد قران
كانت هناك إجراءات عرفت فيما بعد انه يتم عقد قران أبي وأمي من جديد مثل أي عروسين يتزوجان لأول مرة، وبالطبع لم تكن هناك مظاهر حفل أو غيره، ولم يرق الحدث إلى مستوى المناسبة السعيدة، كان مثل امرأة غاضبة تعود إلى زوجها بعد المصالحة، في بيت أبي كانت لي غرفة وحدي أظل فيها حبيسة معظم الوقت، لم أشعر بحنان الأب ولو لحظة، فلم يهتم بي ولا بوجودي ولا باحتياجاتي، بل أشعر بغربة نحوه على عكس ما كنت أتوقع، فكما قلت إنني نسيت ملامحه، الحال بالنسبة لي في بيت جدي أفضل بكثير، حتى العلاقة بين أبي وأمي كانت روتينية بلا مشاعر، حتى عاد أبي إلى غيه القديم وغلب طبعه تطبعه، صوته الجهوري يزلزل المكان، شتائمه كما هي وانتقاداته لأمي، لكنها لم تصبر كثيرا كما كانت تفعل من قبل، توقفه عند حده كلما تجاوز معها ولا أنكر أنني كنت أشجعها على ذلك، فليس من حق هذا «الرجل» أن يعاملها بهذه الطريقة الجافة القاسية.
ثلاثتنا نتعامل مع بعضنا على مضض، أو هناك حالة من الانقسام فأنا وأمي في جانب وهو في جانب، بعد أن توقعت أنه سيعوضني عن سنوات الحرمان والقطيعة التي كانت بيننا، لم يزد الوضع عن الإقامة معا في بيت واحد بلا مشاعر أو اهتمام إلا المزيد من المشاكل والخلافات كما كانت، أمي لم تعد تنفرد بالتفكير وحدها، فقد أصبحت تشركني في النقاش في الأمور التي تخصنا، تسمع لرأيي وتطرح القضايا للحوار بيني وبينها باعتبار أنني كبرت وقد أصبحت في الخامسة عشرة من عمري وأستطيع أن أشارك وأدلي بدلوي خاصة أن ما يحدث يخصني بالدرجة الأولى وأمي لا تريد أن تظلمني لو فكرت في الطلاق للمرة الثانية، ووافقتها على اتخاذ القرار الذي تريده فإننا لن نخسر شيئا.
لم يتمسك أبي كثيرا ولم يحاول أن يبرر موقفه أو يعتذر ولا حتى يتعهد بإصلاح حاله وتغيير أسلوبه، مضت ثلاثة أشهر فقط على العودة، وعندما طلبت أمي الطلاق لم يمانع وتم في هدوء، الغريب أن هذا الذي هو أبي لم يبد أية رغبة في الاحتفاظ والبقاء معه، وكأنه يطلقني مع أمي، ومن جانبي لست راغبة في المعيشة معه بأي شكل، بيننا مسافات وغربة، التقت الرغبات وعدنا إلى حالنا القديم في بيت جدي وتجددت المحاذير والشروط القديمة التي نعرفها فالتزمت أمي بها بلا نقاش، ولا أعرف لماذا كنت سعيدة بهذه العودة، وأمي كأنها تخلصت من عقال.
العيش في دوامة
عادت حياتنا بسرعة إلى طبيعتها لما كانت عليه، لكن لست بحاجة لأن تأتي أمي لتوصيلي أو إعادتي من المدرسة، فقد أصبح لي زميلات وصديقات وأستطيع أن أعتمد على نفسي، وأمي في عملها الوظيفي، وصلت إلى الثانوية العامة المرحلة الفاصلة في المراحل التعليمية والمستقبل أيضا وتحتاج إلى دروس خصوصية مرهقة ماليا وتركيز وجهد مني، وأبي على ما هو عليه لا يعنيه من أمري شيئا، مازال عند سلبيته وتجاهله لي وليس عندي أمل في أن يتغير، وصدقوني أنني لا أفكر في ذلك ولا أنتظر منه أن يتذكر يوما أن له ابنة أنجبها ونسيها.
قد يكون هذا كله ما ذكرته «مجمعا» من المشاكل والتي لا يتحملها بشر وخاصة واحدة في مثل سني منذ أن جئت إلى الدنيا وأنا اخرج من سيئ إلى أسوأ، لكن كل ما تقدم «كوم» وما جاء بعد ذلك «كوم» آخر، فقد فوجئت وأنا في الثامنة عشرة من عمري، وأمي في الثامنة والثلاثين من عمرها بمن يتقدم لها ليخطبها، تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير، أو الجبل الذي انهار على أم رأسي مرة واحدة برماله وصخوره، كان ذلك مثل صاعقة بالنسبة لي، شلت تفكيري وأصابتني بحالة من فقدان التوازن، بالطبع من جانبي ارفض ذلك جملة وتفصيلا ولا أقبله ولا أوافق حتى على مجرد طرحه للنقاش.
تمت مناقشة الموضوع من وراء ظهري وأجمعت كل الآراء على الموافقة وإن كانت أمي من جانبها قبلت على مضض ولم تعط الرأي النهائي إلا بعد موافقتي وتحديد موقفي أولا من حيث المكان الذي سأقيم فيه، هل سأكون معها في بيت زوجها أم أظل في بيت جدي والمؤكد لن أقيم مع أبي، وعندما تحدثنا معا وجدت لديها منطقا وقولا يعتمد على أنها لاتزال شابة وأنني قريبا سأتزوج وستبقى وحدها في الحياة، وربما تكون هذه هي الفرصة الأخيرة أمامها.
أجدني بين نارين، بين سعادة أمي وغيرتي الشديدة عليها، قراري النهائي هو رفض هذه الزيجة تماما، أريد وأستطيع أن أعرقل هذه الزيجة ولدي من الحيل والأساليب ما يحقق ذلك، أخشى الاختيار وأعيش في دوامة.

اقرأ أيضا