الاتحاد

دنيا

صحتك بالدنيا

يشعر معظم الناس بالكراهية تجاه المرض معتبرينه ضيفاً ثقيل الظل، حتى ولو زارهم مرة في السنة· فهو، أي المرض، بالنسبة لهم ''نقمة'' وبلاء، يحرم الإنسان من الحياة بصورة طبيعية، كما يشعره بالعجز عن القيام بالأعمال والأنشطة اليومية العادية·
لكنه في حقيقة الأمر عكس ذلك تماما· وبالنسبة لي شخصياً، فإن لحظات المرض جميلة ممتعة، بل إنها شاعرية وإنسانية لدرجة كبيرة جداً· ففي هذه اللحظات بالذات، وإن كانت قصيرة، يمكن أن تصحح الكثير من الأمور العالقة أو المشاكل المتعثرة، حيث يخلو فيها الإنسان إلى نفسه ويراجع حساباته في حق من أخطأ ولمن أساء· وكلما كان المرض أشد ومدته أطول، كانت الفائدة الإنسانية والروحية أعظم·
وفي أثناء المرض يدرك الإنسان قيمة ونعمة الصحة، فيشعر مع المرضى والمظلومين والمستضعفين، كما يستشعر مدى حبه للحياة مستذكراً شريط الأيام الحلوة في حياته، والناس الذين أشعوا فيها الدفء·· فضلا عن أنه، ودون قصد منه، يختبر أحباءه فيعلم مقدار حبهم له وخوفهم عليه، كما يتعرف إلى أخلاق من حوله بمن فيهم أعداؤه، وقد تعيد لحظات المرض العلاقة بينه وبين أشخاص اختلف معهم في الماضي، فتضمد جروح العلاقات المتكسرة أو المتهتكة بعد قطيعة·
في لحظات المرض، وهو الأهم والأجمل على الإطلاق، يشعر الإنسان بإنسانيته، وضعفه، وحاجته للآخرين، حيث يصبح الواحد منا طفلاً تشفيه ابتسامة من طبيب أو ممرضة، أو دعوة من صديق، أو باقة ورد من محب· فضلا عن الحاجة لخالق الناس جميعا، وهو الله عز وجل، حينما يتقرب العبد لله ويتوسل إليه طالباً رحمته وشفاءه، عندها يغسل كل ذنوبه السالفة، ويصبح كالمولود الصغير تماماً دون ذنب يذكر· إنها لحظات رائعة وفيها معان عديدة·· ولكن شريطة أن يستطيع المريض منا الحصول على إجازة مرضية يهنأ فيها باحتساء شوربة ساخنة أثناء الجلوس في السرير، ثم العودة للنوم مباشرة بعد الانتهاء منها، أما إذا لم يستطع الحصول على تلك الإجازة لكثرة العمل وضغوط الحياة والمسؤوليات، فهو العذاب بعينه، وهنا بالذات تحيا المقولة العامية الدارجة ''صحتك بالدنيا''·

فداء طه

اقرأ أيضا