الاتحاد

دنيا

علي حسن الرميثي: ألعابنا الشعبية تربوية وتغذي روح الجماعة

الرميثي: لا يخلو نشاط تراثي من وجود الألعاب الشعبية

الرميثي: لا يخلو نشاط تراثي من وجود الألعاب الشعبية

ينطلق اهتمام ''نادي تراث الإمارات'' ببرامج وفعاليات الألعاب الشعبية، التي يقيمها دورياً خلال مهرجاناته وملتقياته، لما تعكسه من ملامح الحياة الاجتماعية القديمة بقيمها ومفاهيمها، فقد مارس أجدادنا الألعاب التي لم تكن مجرد وسيلة لهو، بل كانت إحدى وسائل التعليم والتربية والرياضة والتثقيف الحياتي·· لذا انتشرت بشكل واسع، وكانت تمارس في وقت الفراغ خاصة بعد العصر أو الليالي المقمرة، وفي المناسبات والأعياد·
ويتوَج اهتمام إدارة النادي بالألعاب الشعبية، عبر حرصها الشديد خلال إقامة فعاليات ومسابقات الألعاب، على استقطاب خيرة الخبرات من الآباء كبار السن، ممن تعهد إليهم -نسبة لمعلوماتهم الوفيرة وتجربتهم الكبيرة- بمهام التعريف والتدريب والتحكيم في هذه الألعاب الشعبية، كي يكتسبها الأبناء عن وعي ومعرفة بأساسيات كل لعبة وتقنياتها الفنية·
ويعتبر الوالد علي بن حسن الرميثي ''80 عاماً'' أحد كبار المستشارين التراثيين، في عدة مجالات، خاصة الألعاب الشعبية· إذ يسعى بدوره إلى المحافظة على تراث الأجداد، واستلهام المرح والصمود والشجاعة من وقائع وحيثيات ألعابهم الشعبية، ليعكس كل ذلك في وجدان وأفئدة الأبناء أعضاء النادي الذين يشاركون في فعاليات ملتقياته الرائعة·

تلقى الوالد الرميثي في طفولته بعض علوم بدائية بسيطة لدى ''المطوع'' فضلاً عن تحفيظ القرآن الكريم· ثم حين صار أكبر سناً درس في مدرسة ''الأحمدية'' بدبي· كما سعى إلى تنمية مواهبه وقدراته في مجال المهن اليدوية، فقد توفرت لديه خلفية عن البناء العمراني، وإنشاء الخيام ''بيت الشعر'' وبيوت سعف النخل ''العريش''، وكذلك نجارة الخشب وتصميم وإنجاز السفن، فضلاً عن مجاله الأحب إلى قلبه صناعة مستلزمات الألعاب الشعبية·
العالم الواسع
مارس الوالد الرميثي تلك المهن التقليدية سنوات طويلة، إلى حين إعلان الاتحاد وقيام الدولة·· حيث يستعيد ذكرياته، ويقول: ''في مطلع السبعينيات، دعتني الدائرة الخاصة للشيخ زايد -رحمه الله- لأقوم على تصميم وبناء السفن، وأشرف على تنفيذ تصنيعها· فقد كنت أعمل في بناء السفن، وأشرفت على بناء عدة سفن كبيرة، أهمها سفينة ''زعبيل''·· واستمر عملي المهني والاستشاري لسنوات عدة في مجال المهن التقليدية في الدائرة الخاصة· ثم دخلت مجال التراث -رسمياً- من بابه الواسع، أي بعد إشهار ''نادي تراث الإمارات'' حيث كلفني رئيسه سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، بإنشاء مباني جزيرة السمالية التي كانت مطلع التسعينيات خاوية تقريباً، ليس فيها سوى بعض السفن القديمة وصيادين يعملون على تجفيف الأسماك· فقمنا بحسب توجيهات سموه الكريمة بإنشائها من مرحلة الصفر إلى أن اكتملت أقسامها بما فيها البيت والخيمة، وصارت مرافقها جاهزة للاستخدام· وتم تعييني كأول مدير عام للجزيرة عام ،1995 واستمررت مديراً لها نحو عشرة أعوام، قدمنا خلال ذلك عدة أنشطة على أرضها''·
المستشار التراثي
منذ عدة سنوات، ومع تقدمه بالسن، أمسى الوالد الرميثي مستشاراً تراثياً في النادي- في مجال الأنشطة البرية والبحرية بما فيهما الألعاب الشعبية·· يقول: ''منذ عام 2005 -كما أذكر- تم تكريمي وتكليفي بمهام المستشار التراثي، وبتّ أتعاون مع مشرفين ومدربين ''من الجنسين'' متخصصين في الألعاب، تعتمدهم إدارة النادي، ونتابع تعليم الفتيان والفتيات للألعاب الشعبية وكيفية أدائها بشكل سليم، وتوعيتهم بأهدافها وفوائدها، ونتبنى هؤلاء الفتية والفتيات كي يعلموا مستقبلاً بعض الصغار، فالمدربات والمدربون الحاليون كانوا قد تعلموا ومارسوا هذه الألعاب في مرافق النادي''· يعدل الوالد الرميثي من جلسته، ويضيف: ''صار عمري تقريباً 80 سنة، ولا زلت أقضي أسعد أوقاتي خلال الفعاليات التراثية التي يقيمها النادي، لأن ''المستشار التراثي'' تكليف وتشريف· وعلينا كمستشارين أن نبذل كل مافي وسعنا حتى الرمق الأخير لخدمة وطننا وتراثه''·
أسماء وأنواع
مارس الوالد الرميثي عدة مهن، جميعها متصلة بالتراثيات، من بينها صناعة الألعاب الشعبية، حيث أنواع عديدة من الألعاب يتم تصنيعها من الخشب والحبال وسعف النخل وبعض المعادن، كان يصنعها خلال مراهقته وشبابه ويبيعها لأقرانه، مثل ''الترتور، والزبوت، والدوب، والقشطي'' وغيرها من القوارب الخشبية الصغيرة التي يلهو بها الأطفال على شاطئ البحر· يقول: ''يتوفر من الألعاب الشعبية نحو 75 لعبة تنتمي لكل إمارات الدولة، وتشمل البيئتين البحرية والبرية، لكل من الفتيان والفتيات، جميعها مستلهمة من حياة أبائنا· كما تتلون الألعاب الشعبية وفق جغرافية المنطقة، فالطبيعة الصحراوية واشتغال الناس بالغوص والرعي كلها عوامل يمكن أن نجدها في الألعاب الشعبية التي كانت سائدة· فضلاً عن أن الهدف من ممارستها آنذاك لم يكن يقتصر على تنشيط الجسم وتنمية القدرات، بل وتنمية العلاقات الاجتماعية وخلق التوازن النفسي وتجسيد العلاقات الاجتماعية، وممارستها في ظل المنافسة الشريفة، عبر مناخ أسري وعفوي يعكس المحبة والتماسك''·
ويعدد الوالد الرميثي بعض أشهر الألعاب الشعبية للفتيان والفتيات في المنطقة، ويقول: ''مع ظهور النفط، وقبيل قيام الاتحاد، وبفعل تباشير التطور، دخلت عدة ألعاب من بينها ''التليفون'' كنا نصنعها من علبتي الكبريت ونربطهما بخيط متين، وفيما بعد صنعنا اللعبة من علب المشروبات الغازية· وكنا نعمل من القوارير الزجاجية ''الغرش'' ألعابنا ونصنعها يدوياً، إذ نحتسي شراب غازي اسمه ''نمليت'' ثم نأخذ التيلة التي فيه ونعمل منها ألعابنا· وكان البعض من ألعابنا يتشابه مع بعض الألعاب في منطقة الخليج، وقد يختلف بعضها من حيث المسمى· إنما كانت ألعابنا شهيرة وقديمة جداً، مثل: ''خوصة بوصة، الخراريف، المحاماة، الحالوسة، التيلة، حاسوم يا سوم، دور يا مسمار، الشكعة، أم الأربع، الكرابي، الصقلة، الفخ، غزالة غزلوكي، البراميل، صبيع ماماه، النشابة، المغاوص، المشابكة، وين طلع الذيب، جر الحبل، خبز رقاق، اللقفة، الكوكسري، هواري، المريحانة، أم العروس، موتر عجل، طاق طاقية، القبّة والمسطاع، الشبير، التبّة، ديك ودياية، الحلقة، سباق الأكياس، الغميضة، موتر ابودست، العرايس، الفروسية بسعف النخل، سيف من تخطاك، الكراحيف، كبوة كبوة، كرة السوط، الهشت، عظيم السرا، الحلة، الدسة، الدوامة، الخواتم'' وغيرها كثير''·
تصنيفات مهمة
تعمل الألعاب الشعبية على تنمية قدرات الأطفال خلال اللعب، بما فيها التنمية الجسدية البدنية لديهم· لذا تشكّل أهمية كبرى لنمو الأطفال واتزانهم النفسي والجسدي، فضلاً عن تركيز نشاطهم الذهني ومنحهم فرصة اكتساب الكثير من المهارات، خاصة أن الألعاب تراعي في تصنيفاتها اعتبارات مهمة، يشير إليها الوالد الرميثي، ويقول: ''تخضع الألعاب الشعبية لتصنيفات نراعي تطبيقها· فبحسب البيئة، هناك ''ألعاب ساحلية أو ريفية أو جبلية أو صحراوية''· وبحسب الزمان، هناك ''ألعاب الصيف، والشتاء، وطوال العام''· كما تقسم الألعاب بحسب طبيعتها، فهناك ''ألعاب جسدية وعضلية، وألعاب التسلية في أوقات الفراغ، وألعاب ذهنية وعقلية''· كذلك بحسب عدد اللاعبين ''الألعاب الفردية، والجماعية''·
وبحسب جنس اللاعبين ''الفتيان، والفتيات، الألعاب مشتركة بينهما''· وبحسب الفئة العمرية ''ألعاب الأطفال دون العاشرة- وألعاب الصبيان والبنات بين 10-18 سنة''· وهناك ألعاب تستلزم توفر أدوات خلال أدائها، مثل: سعف النخل والخشب والعلب المعدنية والحصى والكرات والحبال وغيرها من المواد المتوفرة في البيئة· كما يتميز أداء بعض الألعاب الشعبية بترديد بعض الأهازيج والأشعار''·
ألعاب هادفة
لا يخلو ملتقى أو مهرجان يتصدى له النادي، من وجود هذه الألعاب الشيقة والهادفة إلى التعريف بألعاب الأجداد، التي كانوا يمارسونها في حياتهم اليومية، خاصة أن الألعاب الشعبية لا تركز الانطواء والعزلة والفردية كما في الألعاب الحديثة الإلكترونية، بل هي ألعاب جماعية وتشجيعية وتنافسية تعتمد على الجماعة، وتنمي إلى جانب الطاقات والقدرات الذاتية روح التعاون والاحتكاك والاندماج مع الآخر، بمثل ما تعود الطفل على المنافسة وتعزز قوته وشخصيته بشكل ايجابي·
لذا نجد الوالد الرميثي في معظم هذه الفعاليات، مستشاراً يشرف على تعليم وتدريب النشء على ممارستها نظرياً وعملياً، كما يترأس المحكمين في بعض الألعاب التي تحتاج إلى حكم·
وقد قام بتدريب ابنيه راشد وجمعة، وعلمهما كيفية صنع بعض الألعاب وممارستها والتحكيم بين اللاعبين· يقول: ''أثق كثيراً في أن النادي سيواصل المحافظة خلال ملتقياته أو مهرجاناته التي يقيمها دورياً، على إحياء ونشر الألعاب الشعبية الهادفة، والحيلولة دون اندثارها كموروث شعبي، يشغل أوقات فراغ الأبناء بما يفيدهم''·
النصيحة بجمل
لدى الوالد الرميثي عدة أبناء وبنات، وعدد أحفاده 30 حفيداً، يعلمهم الألعاب الشعبية ويشاركهم ممارسة بعضها في الفناء الخارجي لبيته، حيث تتوفر ساحة في الحديقة مخصصة لمزاولة الألعاب القديمة· ومن خلال تجربته الحياتية الكبيرة، وسنوات عمره الثمانون، وقبيل أن يقدم نصيحته إلى أبناء الوطن، يشير بيده إلى عينيه، ويقول: ''عمري حوالى 80 سنة، ولم أستخدم ''الكشمة''- النظارة، مطلقاً، لأنني لا أعرض عيني لإضاءة التلفزيون القريبة، ولا الجلوس مطولاً إلى الكمبيوتر·
لذا أنصح الأبناء أن يحافظوا على صحتهم ونظرهم ويخففوا من ألعاب الكمبيوتر والأتاري· وأن يمارسوا الألعاب الشعبية القديمة خلال أوقات فراغهم لأن فوائدها عديدة، حيث تجمع بينهم ولا تدفعهم للعزلة· إنما قبل ذلك، نصيحتي الكبرى لهم تتمثل في حب الوطن وولاة الأمر، ومواصلة العلم والنجاح''·
وفور انتهاء الحوار مع المستشار التراثي الوالد علي بن حسن الرميثي، اصطحبنا إلى ركن جانبي من بيته الواسع، ليرينا حجرة صغيرة، يعتبرها كمتحف صغير وبسيط، تضم إلى حناياها ذكريات أكثر من نصف قرن قضاها في أحضان التراث الشعبي بما فيه من مهن وصناعة ألعاب وغير ذلك·· وتتزين جدران الحجرة بعدة شهادات تقديرية وجوائز، وتضم صوراً متعددة، يعتز كثيراً بأن بعضها تجمعه بسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان- نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ''نادي تراث الإمارات'' حيث تقدم بعميق الشكر إلى سموه كونه الداعم الكبير للتراث الوطني

اقرأ أيضا