صحيفة الاتحاد

دنيا

«فرط الحركة».. اضطراب سلوكي علاجه تربوي نفسي

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

يتميز الأطفال بالحركة والنشاط، ولكن إذا زاد ذلك على حده، فإنه يثير قلق الآباء والمعلمين، خاصة إذا رافقه قلة الانتباه والعدائية والتوتر، كونها مؤشرات على إصابة الطفل باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، لكن مدارس تفتقر إلى متخصصين يكتشفون الاضطراب ما يعقد المشكلة. رغم تأكيدات أخرى امتلاكها فريقاً متخصصاً يعمل مع الأسر لعلاج الطفل من الاضطراب الذي يؤثر سلباً على نموه وتحصيله.

تأخر الاكتشاف

جنا، أم لثلاثة أطفال، بينهم طفل كثير الحركة يحب الاستكشاف وفك وتركيب كل لعبة تقع بين يديه، وعندما التحق بالروضة كانت معلمته دائمة الشكوى من سلوكه، فلم يكن يستطيع الجلوس لفترات طويلة، فضلاً عن عدم تركيزه في الصف. وتقول جنا: إن ابنها عندما التحق بالصف الأول تغير الوضع، بحيث أصبحت معلمة الصف تصفه بالمشاغب أحياناً، مشيرة إلى أن تكرار هذا الأمر دفعها لعرض ابنها على الأخصائية الاجتماعية التي اكتشفت أنه مصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من الدرجة الخفيفة، وتمت معالجته عبر خطة تطلبت جهداً من المدرسة والبيئة المحيطة والوالدين.

وتقول فوزية: إنها لم تكن تملك معلومات تذكر عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ولكن عندما اكتشفت أن ابنتها مصابة به أصبحت تجمع معلومات وتزور أطباء نفسيين، مؤكدة أنها قامت بكل ما من شأنه أن يسهم في علاج طفلتها. وتوضح أن المختصين وضعوا لها برنامج تعديل سلوك اشتمل على تقسيم وقت الدراسة، بحيث شغلت ابنتها بهوايات تتطلب الصبر، وقامت بتدريبها تدريجياً على الجلوس عن طريق تدريسها لمدة عشر دقائق، لافتة إلى أن تعزيز السلوك الإيجابي للطفل يساعده في العلاج.

غياب البرامج

لا تعي بعض المدارس أهمية علاج مثل هذه الحالات، نظراً لافتقارها إلى برامج متخصصة في رصدها، بحيث يتم تحويل الطفل الكثير الحركة والعدواني إلى الأخصائي الاجتماعي، ما يزيد حالته سوءاً، وهو ما ينطبق على علي (10 سنوات)، الذي تعرض لتهميش معلمته وتأنيبها، وكثرة استدعاء ولي أمره، وتحويل ملفه إلى الأخصائية الاجتماعية، لكن من دون جدوى، ما دفع والدته إلى البحث عن الحل خارج المدرسة، ليتبين لها أنه مصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، موضحة أنه ومن خلال خطة محكمة استغرقت أكثر من سنة تم علاج علي. ويقول الدكتور سامر مخول، استشاري الطب النفسي، ورئيس قسم الطب النفسي بالمركز الأميركي النفسي والعصبي، إن الطفل المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يجب أن يعالج ضمن خطة صحية، مؤكداً أن الحالة الخفيفة قد تعالج من دون اللجوء إلى العقاقير. ويشير إلى أن فرط الحركة وتشتت الانتباه اضطراب عصبي بيولوجي يصيب 3 إلى 7% من الأطفال، موضحاً أنه يرافقهم حتى مراحل متقدمة من حياتهم، ويأخذ أشكالاً وأعراضاً مختلفة. وفي حالة عدم تشخيصه وعلاجه فإنه يؤدي إلى تأثيرات عكسية على نواح عديدة من حياة المصاب اجتماعياً، وأكاديمياً، ودراسياً وسلوكياً، إضافة إلى مشاكل مع الإدمان ومخالفة القانون أحياناً.

مظاهر وعلامات

وحول مظاهر الاضطراب، يقول: إن الطفل المصاب يتميز بأنه لا يستطيع أن يجلس في مكانه لفترة طويلة، وأنه دائم الحركة والتنقل، دائم التحدث مع من حوله داخل الصف، يركض ويتسلق بكثرة حتى بالمواقف غير الملائمة، غالباً يكون عصبياً وقلقاً، بينما يتميز فرط الحركة عند المراهق بشعوره بعدم الراحة أو الملل، يجد صعوبة في المشاركة أو اللعب مع الأشخاص بهدوء، دائماً مستعد للحركة السريعة يتكلم باستمرار وبدون ملل، كما يتميز سلوكهم بالاندفاعية والتي تتمثل في عدم القدرة على التحكم بالذات وتقدير نتائج الأفعال، فقد يتكلم أو يتصرف الطفل المصاب بشكل غير لائق من دون التفكير في العواقب والنتائج. وهذا يجعل الطفل معرضاً للحوادث دائماً، كما أنه مصدر مضايقة لوالديه ومدرسيه، وتظهر الاندفاعية عندما يتسم الطفل المصاب بما يلي: سرعة العصبية، يقاطع الطفل المتحدثَ باستمرار، يكون متسرعاً في رد الفعل واتخاذ القرار، ويتميز بعدم الرضا والاقتناع، ويجيب على سؤال المعلم قبل إكماله، ويجد صعوبة في انتظار دوره، ويتدخل فيما لا يعنيه.

ويذكر أن أسباب هذا الاضطراب الذي ينتشر بين الأولاد أكثر من البنات لا تزال مجهولة، لكن عوامل جينية وراثية قد تلعب دوراً مهماً في ذلك، بحيث تصل إلى 80% من الحالات أحياناً، بالإضافة إلى إصابات الدماغ قبل أو أثناء أو بعد الولادة، وهي نسبة قليلة، وهناك أسباب اجتماعية ونفسية مثل الأماكن المعزولة، والضغوط النفسية، والخلافات الأسرية.

شِقّا العلاج

ويوضح أنه بعد التشخيص يتم وصف الدواء من قبل طبيب نفسي أو طبيب أعصاب. ويقول: إن العلاج ينقسم إلى قسمين، العلاج النفسي ويشتمل على التوضيح الكامل للحالة للأهل والطفل، ومعالجة السلوك الصعب، وتنظيم نشاطات مفيدة، واستخدام طرق المكافأة للسلوك الإيجابي، والمساعدة في حل مشاكل فقدان الثقة بالنفس، وتكوين علاقات صداقة، فضلاً عن التعامل مع نوبات الغضب، مشيراً إلى احتمالية أن يحتاج الطفل إلى إسناد خاص وتعليم.

ويؤكد مخول أهمية التواصل وتبادل المعلومات بين المختص المعالج والمعلمين في هذه المرحلة للحصول على النصيحة اللازمة.

ويقول: إن العلاج الدوائي يقتضي تناول الطفل أدوية تساعد في تقليل كثرة الحركة، وتحسن الانتباه، موضحاً أن الأدوية تظهر تحسناً قصير الأمد، ولكنها لا تؤدي إلى الشفاء التام. ويوضح أنه من النادر استعمال الأدوية للأطفال دون عمر الست سنوات إلا عند الضرورة القصوى، ويتم في هذه الحالات مناقشة الأمر مع الأهل بعناية. ويقول سامر: إن العلاج يقتضي كذلك تجنب بعض الأطعمة التي تتضمن عادة السكريات مثل ألواح الشوكولاتة، بالإضافة إلى الأطعمة المضاف لها ملونات، بينما يفضل التركيز على تناول الأطعمة المفيدة مثل الغنية بالأوميغا 3.

تجربة ناجحة

مدرسة النخبة الخاصة من المدارس المهتمة برعاية حالات الطلبة، بحسب مديرها لي دبياجيه، الذي يؤكد أن المدرسة تعمل على تأهيل الكادر التعليمي بالتعامل مع مختلف أنواع حالات الطلبة، وتدربهم على التدخل السريع والمبكر بمساعدة أولياء الأمور للوصول إلى حل أمثل لبعض الحالات، مشيراً إلى أن منها ما يتم معالجته داخلياً بالصف في وقت وجيز، ومنها ما يحتاج إلى تضافر الجهود مع الأهل خارج أوقات اليوم الدراسي.

ويقول دبياجيه: «بالنسبة لحالة تشتت الانتباه وفرط الحركة يتم التعامل معها بإعطاء المعلم والطالب بوجود متخصص بالحالات الخاصة فرصة من 4 إلى 6 أسابيع، حسب الصف الدراسي، يتم بعدها تقييم الوضع مع المعلم ومتخصص الحالات الخاصة إما باستمرار خطة العلاج داخلياً، أو اللجوء إلى تدخل خارجي».

منهاج منظم

تتبع أكاديميات الدار منهجاً منظّماً لتحديد واستيعاب ودعم الطلبة الذين يعانون اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه ليس فقط على الصعيد الأكاديمي، بل أيضاً على الصعيد السلوكي والاجتماعي. وتقول كيت ماكميلان، رئيسة قسم إدماج الطلبة في أكاديميات الدار: «نستخدم أدوات لفحص وتحديد الطلبة الذين تظهر عليهم عوارض اضطرابات سلوكية، حيث يتم استشارة أخصّائي لتشخيص حالتهم إذا شعرنا أنّ ذلك ضروريا».

وتتابع: «ندرك أنّ كل طالب يختلف تماماً عن الآخر، خاصة في نوع التحديات التي يواجهها، لذلك فإنّ التلميذ الذي يظهر عليه اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه قد يعاني أيضاً من عوارض القلق، واضطراب القراءة، أو الوسواس القهري. لذا فإننا نتبع نهجاً شاملاً حتى نتمكّن من تلبية كل الاحتياجات الخاصة بالطالب»، مضيفة: «قد يكون هناك أيضاً حاجة للحصول على تقييم شخص متخصّص لفهم نقاط الضعف والصعوبة عند كل طالب». وتزيد ماكميلان: «هناك عديد من الاستراتيجيات التي يمكن تطبيقها لدعم الطلبة الذين يعانون اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه داخل القاعات الدراسية وخارجها»، مشيرة إلى أن ألعاب التركيز والذاكرة طريقة فعّالة في مساعدة الطفل على تقوية تركيزه.

وتقول: إن خطة علاج الأطفال المصابين بهذا الاضطراب تشمل استراتيجيات أخرى كاستخدام جهاز توقيت رقمي خلال أنشطة التركيز، حتى يعرف الطلاّب المدى الزمني المتوقع منهم لإتمام المهمّة. كما يمكن للفرق الرياضية المساعدة على التركيز، بحيث يتعلّم الفرد التركيز على زملائه ضمن الفريق وعلى قواعد اللعبة في الوقت نفسه، ومنحه فرصة للتفاعل البدني معهم. كما أنّ حمل الأشياء في اليد مثل كرة الاسترخاء، وأقلام الرصاص بأشكالها التفاعلية، أو غيرها من الأشياء الملموسة الصغيرة، يمكن أن يساعد أيضاً في رفع تركيز الطلاّب.

تقييم الحالات

حول إمكانية توافر كادر مؤهل في المدارس لرصد حالات الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، تقول منى الخضر، رئيس فريق الإعلام (قسم الإعلام إدارة الاتصال الاستراتيجي والإعلام بمجلس أبوظبي للتعليم)، إن المجلس يتبع استراتيجية محددة وواضحة في اكتشاف الحالات والتي تبدأ منذ تسجيل الطالب بالروضة الأولى، ويقوم بهذه العملية فريق دعم التعلم بكل مدرسة والذي يمثل اختصاصي التربية الخاصة حجر الزاوية فيه، وعند اكتشاف حالة أو الشك بأنه يعاني من الاضطراب يتم تحويله للقسم المختص بالمجلس، حيث يتم عرضه على مسؤول تطوير جودة التعليم للتربية الخاصة لإجراء التشخيص والتقييم المبني على تقارير طبية ونفسية توضح التاريخ المرضي والنفسي والاجتماعي للحالة.

وتضيف: إن هؤلاء الأطفال بحاجة ماسة للتقييم الطبي والنفسي والاجتماعي المتكامل، ويكون التشخيص بأخذ السيرة المرضية بشكل دقيق، بداية من مرحلة الحمل الأولى، والتأكد من وجود عدد من الأعراض المرضية، كذلك يتم التأكد من التشخيص بالفحص الطبي والنفسي والملاحظة لسلوك الطفل، ثم الاستعانة بالمقاييس النفسية، واختبار الذكاء لتقييم قدرات الطفل المعرفية، وتحتاج أيضاً بعض الحالات إجراء بعض الفحوصات مثل رسم مخ، مشيرة إلى أنه في هذا الإطار ينتهج مجلس أبوظبي للتعليم سياسة خاصة لتدريب وتأهيل وتهيئة جميع الكوادر العاملة مع الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين بشكل عام، حيث تم توفير حقائب تدريبية استفاد منها أكثر من 600 معلم تربية خاصة واختصاصي نفسي في إمارة أبوظبي.