صحيفة الاتحاد

دنيا

أبو النصر بن عراق رائد حساب المثلثات

الخوارزمي (رسوم عصام طه)

الخوارزمي (رسوم عصام طه)

أبو النصر بن عراق عبقري دهره في الرياضيات ونابغة الفلك وأول من اكتشف حساب المثلثات، والمؤسس لنظريات تطوير آلات الرصد الفلكية.
ويقول الدكتور عبدالحليم عويس- أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر- ولد أبو النصر منصور بن علي بن عراق الجيلي، في سنة 349 هـ، بمدينة خوارزم، وتوفي رحمه الله- عام 427هـ / 1036م.
ولقبوه بالخوارزمي نسبة لها. وذكرت كتب التراجم أنه كان مولى لأمير المؤمنين القادر بالله.
ونشأ بمسقط رأسه خوارزم ودرس على مشاهير علمائها الفقه والحديث والكلام والتفسير وغيرها من علوم الشريعة وعلوم العربية، وشغف بحب العلوم والمعارف الطبيعية والعقلية، وعكف على دراسة أمهات الكتب في الرياضيات والفلك وتمكن من النبوغ فيهما وامتلك ثقافة موسوعية غزيرة حتى أصبح من أبرز علماء عصره الأعلام.
وكان ابن عراق ناقداً ومحققاً كبيراً في مجال علم الفلك، وذاع صيته وبلغت شهرته الآفاق بسبب إقدامه على تصحيح «زيج الصفائح» للعالم الرياضي والفلكي المعروف أبي جعفر الخازن الخراساني.
ولورعه وفضله وثقافته الموسوعية قربه أبو العباس علي ابن مأمون بن محمد خوارزم شاه أمير خوارزم لمجلسه وحظي بثقته، وتملكته الرغبة في بناء مرصد ومدرسة لطلاب العلم في مسقط رأسه. فاستجاب الأمير لطلبه وأنشأ مرصداً ومدرسة في خوارزم.
وتقديراً لكرمه اعتكف ابن عراق في بيته حتى أنهى كتاب «المجسطي الشاهي» الذي يعتبر موسوعة في علم الفلك فأهداه إلى الأمير أبي العباس علي بن مأمون.

مدرسة خوارزم
وأمضى ابن عراق سنوات طويلة من عمره بين الدراسة والتأليف والتدريس في مدرسة خوارزم، وتتلمذ عليه عدد كبير من النجباء منهم أبو الريحان البيروني الذي ظل يكن له التقدير والإجلال حتى عندما أصبح من أشهر علماء عصره، وكان يهدي نتاجه العلمي لأستاذه ابن عراق، ويلقبه بالأستاذ في مؤلفاته. ومكث ابن عراق في خوارزم حتى دخل السلطان محمود الغزنوي خوارزم عام 407 هـ / 1016 م، وأخذ معه ابن عراق والبيروني إلى غزنة، فسكنها ولم يغادرها.
وساهمت أعماله ومصنفاته المهمة في حلول المثلثات الكروية في تطوير علم الرياضيات، حيث بلغ إنتاجه السبق في هذا الميدان واستفاد من نظرياته العلماء في الشرق والغرب وعلى رأسهم نصير الدين الطوسي. وكان دوره عظيماً في تطوير الآلات الفلكية وتصحيح أغلاط بعض النظريات التي أخذ بها من سبقوه من الفلكيين والتي نقدها في مصنفاته.

«امتحان الشمس»
وتمكن من وضع رسالة «امتحان الشمس» وبذل فيها عنايته لاختيار طرق كثيرة لإظهار الأخطاء العلمية التي وقع فيها محمد بن الصباح، كما أظهر الأخطاء التي وقعت في استعماله الآلات الرصدية وأرشد إلى الطريق الصحيح وبين الأحوال المختلفة التي تحدث من اختلاف الفصول في السنة.
ويذكر له الفضل في لفت أنظار العلماء إلى الاختلافات الواقعة في زيجات العالم الشائعة وبين السقطات في عبارات المتقدمين في صنعة الألواح، وذلك في رسالته الشهيرة «تصحيح زيج الصفائح» كما أصلح الأخطاء الواقعة في زيج أبي جعفر، وطابق دلائله وبراهينه بالأدلة التي أوردها مانالاوس في إثبات هذه الدعاوى.
ووضع رسالة في جدول التقويم أوضح فيها الأدلة الرياضية التي أوردها حبش الحاسب وأبو العباس التبريزي، وبرع في طرق بياناته وتمكن من بيان المطالب الطويلة وأثبت جداول التقويم بعبارات دقيقة مختصرة.
واهتم بدراسة الأهلة من الناحية العلمية والشرعية وحرر مقالة في «رؤية الأهلة» استدل بها بالأدلة الشرعية وأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة في كيفية رؤية الهلال وطريق الاستنباط عنها في أمور الشرع، ومنه استنبط الاستدلال في المعاملات الدنيوية المتجددة.
ونجح في إثبات الآثار اللازمة للهلال بالتدريج إلى أن يصير القمر بدراً وأظهر سبب اختلاف ظهوره في الليلة التاسعة والعشرين والليلة الثلاثين من الشهور الهلالية، بحيث لا يمكن توضيح الإرشادات إلا بالنظر والتحقيق بالتدقيق. وصنف رسالة في «كتاب الأصول» ذكر فيها تقصير بيان أوقليدس وعدم وفائه بالوعد في إظهار الأدلة المتعلقة بالشكل الملقب بالمائي ثم ذكر دعاواه على هذا وأثبتها ببراهين واضحة شافية بالاختصار غير المخل.
وقدم إسهامات عظيمة في الفلك والرياضيات أوردها في كتبه ورسائله منها «القسي الفلكية»، و «كرية السماء» و «المسائل الهندسية» التي زخرت بابتكاراته لإثبات طرق استعمال الزيجات.
كما وضع رسائل في صنعة الأسطرلاب أثبت فيها الأسطرلاب بالطريق الصناعي بالأعمال الأفقية ومقنطرات الارتفاع وخطوط الساعات المعوجة.