الاتحاد

دنيا

تراجع ملحوظ لدور المسجد وتأثيره الاجتماعي

صلاة الجماعة لها فضل عظيم عند الله (تصوير شادي ملكاوي)

صلاة الجماعة لها فضل عظيم عند الله (تصوير شادي ملكاوي)

أكدت إحدى الدراسات التي أجريت حديثاً عن دور المسجد، أن دوره تقلص وضعف وكاد تأثيره يكون محصورا في مجال العبادات، بل إن الدراسة التي أجراها المركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية، أشارت إلى تراجع إقبال الشباب على ارتياد المساجد بنسبة مخيفة وترجع الدراسة المشار إليها ذلك إلى عوامل عدة، منها ما يتعلق بموقع الالتزام الديني من حياة الأفراد، ومنها ما يتعلق ببعض القائمين على المساجد من دعاة ورجال دين، وعلى رأس تلك الأسباب تذكر الدراسة ضعف إمكانيات الدعاة من الناحية الفكرية والإعداد العلمي.

يشير الدكتور عبدالمقصود باشا، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، إلى أن أحد أسباب تراجع المسلمين عن ارتياد المساجد يرجع إلى ضعف وتضاؤل الأداء الوظيفي للمسجد في المجتمع المعاصر، مقارنة بدوره في عهد النبوة فنحن لو عدنا لقراءة تاريخ المسجد وكيف لعب دوراً مهماً في حياة المسلمين سنجد العجب العجاب، حيث كان المسجد هو مقر الأنشطة الخيرية والاقتصادية وفيه تعلم المسلمون القيم، فعندما جاء رجل إلى الرسول في المسجد فسأله «أي سأله صدقة» فقال عليه الصلاة والسلام: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس «كساء غليظ » نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب «إناء» نشرب فيه الماء. قال النبي ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله بيده، وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به، فأتاه فشد فيه رسول الله عوداً بيده، وقال له: اذهب واحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً ففعل، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: هذا خير من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة.
دور اجتماعي واقتصادي
ويضيف عبدالمقصود باشا: لقد استمر المسجد في لعب دوره الاجتماعي والاقتصادي بل والسياسي أيضا لفترة طويلة، حيث كانت المقاومة ضد المحتل تخرج من المسجد، فالتاريخ يحكي كيف خرج علماء الأزهر يناهضون المحتل الفرنسي، وكيف خرج علماء الشام يناهضون الغزو التتري كل ذلك من المساجد حيث كان المسجد للصلاة ومجلساً للشورى وساحة للقضاء بين الناس ودارا للضيافة وعقد المعاهدات والمفاوضات، ولم يحدث تراجع لدور المسجد إلا مع بداية القرن التاسع عشر عندما نجح المحتل الغربي في إحداث الاضطراب في هويتنا، وبدلاً من أن تكون هناك أمة إسلامية أصبح كل منا يتعصب لقومية بعينها.
وإذا كنا نرغب حقاً في تحقيق النهضة في شتى المجالات، فيجب علينا إعادة إعمار المساجد بحق وليس مجرد تزيينها وزخرفتها بملايين الدولارات دون أن نستفيد من مكانتها الروحية، حيث يستطيع المسجد وبكل سهولة أن يعيد دور القرآن في بناء نهضتنا، بحيث ينطلق المسلمون جميعاً نحو هدف واحد هو الوحدة الشاملة والمتكاملة.
الطفل وارتياد المسجد
ويرى الدكتور محمد المختار المهدي، رئيس الجمعية الشرعية، أن تعويد الطفل ارتياد المسجد مسؤولية الآباء والأمهات، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم لسبع»، فلابد من شغل أوقات الولد بما يفيده، وأن نعلمه أنه محاسب على عمره، كما قال النبي صل الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس الصحة والفراغ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك وشبابك قبل هرمك».
وأضاف أن القرآن الكريم عندما تكلم عن المساجد وضعها في إطار مبعث النور في قلب المؤمنين، فقال تعالى:«الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَي نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ»«لنور:35».
ثم قال تعالى في النهاية: «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ» «النور 40»، وهنا ربط بين نور القلب ووجوده في المسجد، باعتباره النور الحقيقي، فليس بعده نور. فعلى الأب والأم تشجيع الأولاد بأن يكونا قدوة لهم، فالأولاد الذين يحصلون على جوائز في مسابقات القرآن الكريم بسؤالهم نجد أن آباءهم وأمهاتهم حرصوا على اصطحابهم إلى المسجد وتعويدهم على ارتياده وحضور حلقات العلم وحفظ القرآن، وعلى القائمين على شؤون المسجد أن يعاملوا الأطفال بهدوء ولين وبشاشة حتى يرغبوهم في الذهاب إليه.
وينهي د. المهدي كلامه قائلاً: إذا كنا نريد فعلا أن تعود مساجدنا لجذب الشباب والأطفال والكبار على حد سواء فعلينا أن ننمي الوازع الديني لدى المتزوجين حديثا، بحيث يقوم هؤلاء بتربية أبنائهم على حب المساجد وارتيادها، وكذلك علينا أن نعمل على اختيار العلماء والخطباء الذين يعملون في المساجد من ذوي الكفاءة والعلم، والعمل على صقل مواهبهم وتنمية قدراتهم عن طريق التدريب والدراسة المتواصلة وإحاطتهم بما يدور حولهم في المجتمع من متغيرات، حتى يلم الداعية بأحوال المجتمع الذي يعيش فيه عن طريق المراكز البحثية التي تولي اهتمامها بدراسة المجتمع.
تخاذل وسلبية
أما الدكتور مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر، فيقول: إذا كانت المجتمعات الإسلامية تعاني اليوم من تراجع دور المسجد أو قلة ارتياده من قبل المسلمين، فإن ذلك يعود لأسباب عديدة أهمها انتشار الانحرافات الأخلاقية والسلوكية في كافة المجتمعات الإسلامية، وكذلك انتشار عناصر التخاذل والسلبية في شخصية الفرد المسلم، حيث أصبح المسلم إنساناً متواكلاً يبحث عن قضاء معظم وقته في البحث عن اللهو والترفيه حتى لو كان في أمور غير إسلامية، فهو يرى أن الذهاب للمسجد يجبره على الابتعاد عن كل ما له علاقة بالخلق الرذيل أوالسلوك الشائن، وهو لا يحتمل المتاعب النفسية أو الاجتماعية أو السياسية التي يتطلبها ذلك الالتزام بزيارة المساجد وارتيادها.
ويضيف د. عطية: نحن في حاجة إلى تعظيم دور المسجد النفسي والاجتماعي بل والاقتصادي أيضاً، بالإضافة إلى دوره الديني فالمسجد يجب أن يعود ليلعب دوره الاجتماعي الذي يتمثل في رعاية الفقير وكفالة اليتيم والسعي على المسكين، وهذا لا يعني أننا نطالب بأن يكون المسجد تاجراً أو صانعاً أو طرفاً في عملية تجارية، ولكن لابد أن يجد القائمون على المسجد مورداً يعين به الفقير على مواجهة الحياة ويعين به الشاب والفتاة على الزواج وفق شريعة الله، ويعين به العاطل على العمل وأنا أؤمن تماما بأننا إذا نجحنا في نشر العمل التطوعي في المساجد وفتحنا أبواب المساجد أمام الشباب بطاقاتهم اللا محدودة، فسوف يعود ذلك بالنفع على الأمة الإسلامية كلها، حيث سيعود الشباب للمساجد من ناحية ومن ناحية أخرى سوف يسترد المسجد دوره في بناء المجتمع العادل الذي يخلص فيه كل فرد لبقية المجتمع كله.


استعادة دور المسجد
يقول الدكتور مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر، إن حل تلك القضية يكمن في الإخلاص وحسن النية وحسن الإعداد ودراسة الماضي المجيد لهذه الأمة، وبلا شك، فإن نشر الوعي الديني سيكون له أبلغ الأثر في استعادة دور المسجد، فيجب أن ننشر بين الناس أن الصلاة في المسجد أفضل بسبع وعشرين درجة من صلاة الرجل في بيته، وصلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، حيث يقول الرسول صل الله عليه وسلم: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فضلاً عن أن الرسول صل الله عليه وسلم عد من الذين يستظلون بظله يوم القيامة رجل قلبه معلق بالمساجد.

اقرأ أيضا