أرشيف دنيا

الاتحاد

الغيرة والمنافسة والمحاباة·· تؤجج الشجار بين الأشقاء

شقيقان يتعاركان ويسببان الصداع للأسرة

شقيقان يتعاركان ويسببان الصداع للأسرة

يشكو كثير من الآباء والأمهات من استمرار الشجار والمعارك والاشتباكات بين أطفالهم الأشقاء، ولاسيما القريبين من بعضهم في العمر· وكثيراً ما يفقد الوالدان صوابهما من تكرار تلك المشاهد أكثر من مرة في اليوم الواحد، ويصيبهما الإحساس بالعجز أو الارهاق وخيبة الأمل من عدم التوصل إلى حل جذري لخلافات الأبناء اليومية، ومن الفشل في السيطرة على تصرفات الصغار، والعجز أمام عدوانية الكثيرين منهم تجاه بعضهم البعض· وغالباً ما تخلق هذه الخلافات جواً من التوتر والازعاج وعدم الراحة بل والنكد في الأسرة· وسرعان ما يتسلل الشعور بخيبة الأمل إلى نفوس الآباء والأمهات، وينعكس بشكل سلبي على قدرتهما على الإمساك بزمام الأمور، وضبط تصرفات الأبناء، وفقدان السيطرة على سلوكهم·
وإذا ما أردنا علاج هذه الحالة، فعلينا أن نتوقف أولاً أمام مجموعة من العوامل المهمة وعلى رأسها طبيعة العلاقة بين الأبوين، والاستقرار الأسري والاجتماعي، ودرجة المودة والألفة والترابط بين أفراد الأسرة الواحدة، وطبيعة العلاقات السائدة فيها وما يكتنفها من مشاكل وصراعات، إلى جانب القدرة على ضبط النفس وعدم ممارسة القسوة والعنف على أحد الأبناء في لحظة الضيق أو التوتر·
بعد ذلك يمكن لفهم طبيعة صراع الأطفال ودوافعه أن يسهم بشكل كبير في التقليل من عراك الأشقاء· ومن الضروري أن يدرك الآباء أن الغيرة من الأسباب التي تؤدي إلى الشجارات المتكررة، أو إلى إحساس أحد الأبناء بالاضطهاد وبأن أحد الوالدين يفضل شقيقه عليه، أو يمنحه ميزة أخرى لا يتمتع هو بها، سواء كانت هذه الميزة مادية أو معنوية· ومن هذه الأسباب أيضاً وجود حالة من التنافس بين الاخوة على كسب ود الأب أو الأم، وخوف أحد الأطراف من زعزعة العلاقة بينه وبين أحد الوالدين بسبب شقيق له، وهي مشاعر سلبية تؤثر فيها إلى حد كبير عوامل عديدة مثل ثقافة الوالدين، وطريقة تعاملهما وعلاجهما للصراعات بين الأشقاء، وترتيب الاخوة في الأسرة، ودرجة التقارب في الأعمار، وحدة المنافسة بين الأبناء التي تغذيها الأساليب الخاطئة في التنشئة الاجتماعية، وتضارب معايير وطرق ووسائل الثواب والعقاب بين أبناء الأسرة الواحدة·
علينا إذن إدراك أن حجم الطفل، وتكوينه الجسماني، وسماته الشخصية تلعب دوراً في طريقة فرض ارادته، وتكوين علاقاته بالآخرين، كذلك ميل الطفل إلى تأكيد ذاته، وربما يجد في تكرار اثارة الشغب أو العراك أو الاعتراض والرفض وعدم الامتثال للنظام والانضباط أقصر الطرق التي تحقق له هدفه· من ناحية أخرى يجب فهم ديناميكية وطبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى في مثل هذا العمر، وميل الطفلة الأنثى إلى الهدوء وعدم اثارة المشاكل أو الطريقة الخاصة أو المختلفة التي يتعامل بها الآباء والأمهات معها في هذه السن بسبب اختلاف الجنس، مما يكون سبباً رئيسياً في إثارة شقيقها وغضبه عليها، ومن ثم محاولته اختلاق المشاكل أو المتاعب لها كنوع من الاعتراض·
كما يجب ألا يغيب عن الآباء والأمهات والمربين فهم ردود أفعال الأطفال بسبب مشاعر الغيرة والحساسية الزائدة وعدم المساواة والمحاباة في التعامل، والمنافسة، فلابد أن ندرك أن كل أب وأم يظلمان أنفسهما في محاولتهما حب الأبناء بالتساوي، لأن كل ابن له صفات وسمات معينة تجعلنا نحبه أو نميل إليه أكثر من أخيه، ولا يمكن ضبط حجم ابتسامة الرضا أو ملامح الغضب بالتساوي، ولا يمكن ضبط كلمات اللوم أو التأنيب أو العقاب في كل مرة بنفس القدر وبنفس الدرجة، ولا يمكن للأطفال أن ينخدعوا أمام محاولاتنا المستمرة لإظهار العدالة والمساواة، فالطفل الذي يغدو على أعتاب مرحلة النضوج يرفض تماماً مقارنته بغيره حتى لو كان أخيه·
كما أن المقارنات المستمرة التي يعقدها الآباء والأمهات بين الأبناء تأتي في صدارة أسباب الفرقة، والإحساس بالكراهية والغيرة بين الأشقاء، وهو خطأ فادح يسقط فيه كثير من الآباء والأمهات· ومن شأن هذه المقارنات أن تسبب مشاعر متضاربة، وتوجد نوعاً من الكراهية المستترة، ومن ثم المشاحنات المستمرة·
بقي أن نشير إلى الخطأ الأهم في لعب دور القاضي الذي يقوم به الأب أو الأم بين طرفي النزاع من الأشقاء، لأن هذا الدور وإن بدا أكثر عدلاً وأكثر مساواة، فإنه سيسبب مشاعر الاضطهاد أو التمييز لدى أحد الأطراف، ومن شأنه أن يؤجج الصراع من جديد حيث يحاول كل طفل أن يثبت أنه بريء دائماً، وأنه كان ضحية تحيز الأم أو الأب، أو أنه يميل إلى أن يظفر برضا الوالدين أو أحدهما·
وننوه هنا إلى أن مثل هذه الصراعات بين الأبناء أمر طبيعي، لكن علينا أن ندرك كيفية التعامل معها، وأن نحتفظ بقدر كبير من الحزم عند التعامل معها إن خرجت عن حدودها الطبيعية، وأن يقلل الأب أو الأم بل ويرفض سماع شكوى أي طرف ضد الآخر، بل يجب أن يدركا أن هناك وقتا لتوقيع العقوبات المناسبة على الطرفين دون تردد·

اقرأ أيضا