الاتحاد

دنيا

السلس البولي يخدش كبرياء المرأة

تعاني كثير من النساء من السلس البولي في صمت ومعاناة، لما يسببه من خجل أمام الناس وأمام الزوج، وهو من الأمراض الشائعة بينهن، لأسباب تتعلق بجسم المرأة نفسها، منها عملية الحمل والولادة المتكررة، ولا توجد دراسات أو إحصائيات دقيقة عن هذا المرض، لكثير من الأسباب المجتمعية والنفسية، ويعتبر من المعيقات الكبيرة في التحدث للطبيب المعالج عن كونها تعاني من تسرب في البول، وكثير من الأطباء يكتشفون ذلك بمحض الصدفة، والخجل يمنع الكثيرات من زيارة الطبيب في مثل هذه الحالة·

إلى ذلك، تقول اختصاصية النساء والتوليد، الدكتورة سهاد محمد مجيد: ''إن السلس البولي عند النساء حالة شائعة ومنتشرة عالميا تؤثر على جودة حياتهن، وتسبب لهن الإحراج والاكتئاب والمشاكل العائلية والاجتماعية والزوجية، وتمنعهن من الاستمتاع بحياة ممتعة، وقد تؤدي إلى إصابتهن بالكسور في العظام نتيجة الانزلاق، وهذه الحالة ليست طبيعية، ولا يمكن اعتبارها نتيجة التقدم بالعمر، وأمل شفائها بالوسائل الطبية أو الجراحية مرتفع جدا فليس هنالك أي مبرر لأية امرأة أن تتخبط في براثن العذاب والشقاء نتيجة سلسها، وإذا أرادت الشفاء فما عليها إلا استشارة الأخصائيين لمناقشة سبل العلاج، واستعادة متعتها بالحياة وحيويتها وبهجتها وجودة حياتها واحترامها الذاتي''·

أنواع السلس البولي

وتقسم الدكتورة مجيد، السلس البولي عند النساء إلى عدة فئات:
1- السلس نتيجة الضغط الباطني STRESS INCONTINENCE ويعتبر الأكثر شيوعاً بنسبة حوالي 60% من كل تلك الحالات، والذي يتميز بتسرب البول غير الإرادي، وذلك عندما يرتفع الضغط في البطن أثناء الضحك والعطس والرياضة، والحمل الثقيل والإمساك والنهوض المفاجئ والسعال وحتى المجامعة، ومن أسبابه الرئيسية الولادة الطويلة مع ضغط رأس الجنين على عضلات الحوض وأعصابه لبضع ساعات، مما يؤدي إلى إتلافها، مسبباً ارتخاء في تلك العضلات والأربطة التي ترفع الاحليل، مثل الأرجوحة الشبكية نحو الحوض، فينزلق الاحليل والمثانة إلى الأسفل، ويؤدي ذلك إلى هبوطها وزيادة تحركها وتحدّ من انغلاقها الطبيعي عند زيادة الضغط في البطن، وهنالك أسباب أخرى لتلك الحالة تشمل التشوهات النسيجية الخلقية والعمليات الجراحية الماضية في الحوض، والسعال المتزامن والضغط الشديد عند التغوط أي التبرز والسمنة وتقدم العمر ونقص الهرمون الأنثوي، والجدير بالذكر أن هنالك حالات سلس الضغط لا تقترن بزيادة تحرك الاحليل بل تحصل نتيجة تشوه في آلية الصمام الاحليلي الداخلي وقصوره في منع السلس وتحصل عادة بسبب تلف ذلك الصمام أثناء الولادة والجراحات السابقة على الاحليل أو في الحوض والمداواة بالأشعة والاعتلال العصبي ونقص تركيز الهرمون الأنثوي والتقدم في العمر، وهنالك أيضا أسباب أخرى قد تساعد على بروز تلك الحالة منها بعض العقاقير والتدخين والأمراض الرئوية والالتهابات البولية والأمراض العصبية والعضلية والإمساك وغيرها التي تؤهل المرأة إلى الإصابة بهذا المرض·
2- نتيجة زيادة نشاط المثانة أو توترها العصبي·
قد يحصل السلس البولي بنسبة حوالي 13% نتيجة توتر عصبي أو زيادة نشاط المثانة مع نقص في سعتها وتواجد تقلصات غير إرادية فيها بسبب أمراض عصبية أو داء السكري أو التهابات بولية وأسباب أخرى لا زالت مجهولة·· ففي هذه الحالات تشعر المرأة فجأة بالرغبة في التبول ولكنها قد لا تستطيع التحكم به، فيتسرب البول منها قبل وصولها إلى الحمام·
3- سلس المبيض OVERFLOW INCONTINENCE
في القليل من حالات السلس يكون العامل الرئيسي انسدادا في عنق المثانة أو الاحليل، أو أمراضا عصبية تشّل نشاط عضلات المثانة أو وجود آفات أو أورام في الجهاز التناسلي، أو أمراضا نفسية وغيرها التي تحدّ من تفريغ المثانة الكامل للبول مع إبقاء كمية كبيرة منه بعد الانتهاء من التبول مع طفح غير إرادي للبول·
4- مزيج من تلك الفئات كلها
في الكثير من الحالات تمتزج كل تلك الحالات مسببة السلس فتحتاج إلى تشخيص دقيق للحصول على أفضل النتائج، ونادراً ما يحصل ناسور ما بين المثانة أو الحالب والمهبل تكون أسبابها خلقية أو مكتسبة·
كيف يشخص المرض؟
وتفيد الدكتورة مجيد، أن تشخيص الحالة غاية في الأهمية، مشيرة إلى أن التشخيص الدقيق للسلس البولي على أنواعه ومسبباته مهم جدا، لأنه يساعد على اختيار العلاج المناسب والخاص بكل حالة باستعمال أسهل الوسائل العلاجية وأضمنها في النجاح، ومن أهم وسائل التشخيص استجواب المريضة حول مرضها ومدته وشدته ومسبباته وتوقيت حصوله، وتلازمه مع الضغط في البطن أو حصوله تلقائياً بدون ضغط أو اقترانه بالإلحاح الشديد على التبول مع عدم التمكن للوصول إلى الحمام بسرعة قبل تسرب البول وعن عدد الرفائد المستعملة يومياً ودرجة تبللها بالبول، ويشمل الاستجواب الولادات وعددها ومدتها، والعمليات الجراحية والأمراض البولية والعصبية والتناسلية، ونوع العقاقير التي تستعملها، والإصابة بداء السكري، أو أمراض أخرى قد يكون لها علاقة بالسلس، أو الإفراط في شرب السوائل، ويطلب من المريضة في تدوين اليوميات التي تشمل كمية السوائل التي تشربها وعدد التبول وكميته ليلا ونهاراً وحدوث السلس مع توقيته وكميته التي يمكن تقديرها بقياس وزن الرفائد المستعملة يومياً وظروف حصوله وذلك لمدة 48 أو 72ساعة، ومن ثم يقوم الأخصائي بفحص سريري دقيق يرتكز على الجهاز التناسلي والبولي والعصبي فيحاول كشف ورم في الحوض أو تدلي الرحم أو وجود آفات أخرى داخل المهبل، ودرجة ضمور أنسجته ويقيس قوة الصمام الاحليلي والشرجي ويدقق حول وجود أي ناسور بولي أو تشوهات أخرى في الاحليل، أو توقف السلس عندما تزيد ضغطها الباطني ودرجة تحرك الاحليل أو تليفه وتدّلي الرحم في المهبل، وتوضع ماسحة قطنية في الاحليل المخدّر، ومن التحاليل المخبرية الأساسية فحص البول المجهري ومزرعته وقياس الثمالي البولي في المثانة، ونادراً تصوير الجهاز البولي لتشخيص ناسور وأحياناً تخطيط المثانة، والاحليل والصمام إلكترونياً مع تنظير عند الاشتباه بوجود مثانة عصبية أو تعطيل في الصمام أو الاحليل أو في حال فشل العلاجات السابقة أو إذا تعذر الوصول إلى التشخيص الدقيق قبل إجراء عملية جراحية·

العلاج بالدواء أو المبضع

وتؤكد الدكتورة مجيد، أن العلاج ممكن بطريقتين، دوائية وجراحية:
العلاج غير الجراحي:
إن تغيير بعض النشاطات اليومية والعادات الروتينية، قد يساعد في بعض حالات السلس البولي، كالتقليل من شرب السوائل، خصوصاً المدرة للبول كالشاي والقهوة وبعض المرطبات، ومحاولة تفريغ المثانة بطريقة منتظمة كل ساعتين تقريباً، والقيام بتمارين لتقوية الصمام الاحليلي وذلك بتقلصه وإرخائه المتتابع لمدة 10ثوانٍ، عشر مرات في الصباح وبعد الظهر والمساء، والمرأة مستلقية على ظهرها وجالسة وواقفة، وذلك لمدة 3 أشهر على الأقل·
والجدير بالذكر أنه من المهم أن تتعرف المرأة بثقة على صمامها قبل البدء بالتمارين، ويساعدها طبيبها على ذلك لأنها اذا ما قلصت عضلات أخرى فلن تستفيد من تلك المعالجة، لا بل قد تسوء حالتها وعليها أيضا التحلي بالصبر والمثابرة لأن نجاح هذه الوسيلة قد يتطلب عدة شهور قبل حدوثه، وقد يصل إلى نسبة 33% من الشفاء بعون الله عز وجل وحوالي 35% من تحسن الحالة·
ومن الوسائل الأخرى إعادة تدريب المثانة على التبول التي تقوم على زيادة تدريجية في المدة ما بين التبول المتتابع يوميا، أو أسبوعيا للوصول إلى فترة ما بين 3 أو 4 ساعات من التحكم بالبول أو استعمال التلقيم الراجع الايجابي، أثناء تمرين الصمام في البيت أو في المستشفى بمشاهدة تخطيط الصمام الالكتروني على شاشة الفيديو ومحاولة التحكم به، ويمكن أيضا استعمال التنبيه الكهربائي أو المغناطيسي لتقوية عضلات الصمام أو أجهزة إقفال الاحليل خارجيا أو داخليا·
2- العلاج الجراحي
إذا فشل العلاج غير الجراحي، أو توقفت المريضة عن استعماله، لأسباب شخصية، فيمكن عندئذ القيام بعملية جراحية حسب نوع السلس وأسبابه، وذلك بعد شرح كل الوسائل العلاجية للمريضة ونسبة نجاحها ومخاطرها ومضاعفاتها وكلفتها، فإذا كان سبب السلس تعطيل في الصمام الاحليلي الداخلي فيمكن حقن بعض المواد المضخمة مثل الكاجين حول الاحليل بالإبرة تحت بنج موضعي لمساعدة التئامه وإغلاقه، وقد يصل نجاح هذه العملية إلى حوالي 40%، وقد تستعمل أيضا الجراحة المفتوحة مع رفع المثانة وعنقها والاحليل معا نحو الحوض بتخييط الأنسجة حول الاحليل وعنق المثانة إلى رباط ''كوبر'' في الحوض الواقع في أسفل عظم العانة مع نجاح في حدود 90% على المدى الطويل، وقد استعمل حديثا على الآلاف من المرضى عالميا، وهو وسيلة جراحية مبتكرة وناجحة، مبنية على غرز شريط مصنوع من مادة ''البوليبروبيلين'' تحت وسط الاحليل وتمريره إلى فوق العانة تحت الجلد بدون أي تخييط أو تثبيت وذلك تحت بنج موضعي أو عام، وأحيانا بدون الحاجة إلى الاستشفاء لمعالجة كل حالات السلس البولي تحت الضغط إذا ما كان سببها تلف وتعطيل في الصمام الاحليلي الداخلي أو فرط تحرك الاحليل إلى الأسفل، وذلك بنجاح في حوالي 85% من الحالات على مدى 5 سنوات، ويعمل هذا الشريط على إغلاق الاحليل عند زيادة الضغط في البطن، ومن مضاعفات تلك الجراحة التي تحصل بنسبة 10% تقريبا اختراق المثانة أو الأمعاء أو أوعية الحوض بالإبرة الخاصة التي تستعمل لسحب الشريط أثناء العملية مع عواقب قد تكون وخيمة ونادرا مميتة في القليل من الحالات ما بين مئات الألوف التي استعملت فيها هذه العملية الجراحية، بدون أية مضاعفات ومع الاحتباس البولي بعد العملية وتآكل نسيج الاحليل والمهبل وعنق المثانة وتأثر تلقائي للمثانة، ويجب التشديد أنه يجب الامتناع عن إجراء تلك العمليات إذا ما أرادت المرأة أن تحمل من جديد، لأنها ستفشل حتما بعد الولادة، وبالرغم من ذلك فإن تلك الوسيلة هي من أبسط وأفضل الوسائل الجراحية إذا أجريت على يد أخصائي له الخبرة الواسعة والمهارة العالية في إجراء تلك العمليات، وإذا ما تبين أثناء العملية وجود قيلة مثانية مستقيمة أو فتق مهبلي خلفي فيجب تصحيحهما معا في وقت واحد·
وأحيانا يحبّذ استعمال أنسجة ذاتية كلفافة العضل المستقيم كوشاحة مغروزة تحت عنق المثانة كوسيلة أخرى في تلك الحالات مع نجاح يفوق 85% مع مضاعفات قليلة وغير خطيرة·''
تحت وطأة الخجل
تقول ندى محمد: ''بعد الولادة أصبت بهذا المرض، وعشت معانات كبيرة واكتئابا نفسيا حادا منعني من عيش حياتي بشكل طبيعي، في البداية خجلت من حالتي، ولم أعرضها أبدا على الدكتورة، وامتنعت حتى للذهاب عندها للعلاج بعد الولادة خوفا من اكتشاف الحالة، ولجأت للبحث في اتجاه آخر بالعلاج ببعض الأعشاب، ولم أدرك خطورة الأمر، وبعد أكثر من ستة أشهر لم تتحسن حالتي، فراجعت الطبيبة وكان العلاج بحمد الله، بعد صبر وجهد كبيرين لمدة تجاوزت السنة، وكان المرض يمنعني من عيش حياتي بشكل طبيعي وصلاتي كنت أشعر أنها باطلة بحيث لم أكن أتحكم في البول، ومع كل مجهود بسيط قد أبلل ملابسي''·
حكم صلاة مريض السلس
يقول الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، مدير إدارة الإفتاء، بدائرة الشؤون الإسلامية بدبي: ''هذا مرض يصيب كثيرا من الناس ويسمى صاحبه: دائم الحدث، وعلى المرء رجلا كان أو امرأة، إذا ما أصيب بذلك أن يصبر ويحتسب هذا الصبر وهذا البلاء عند الله تعالى، فإن الله تعالى يأجره أجرا بغير حساب، وليعلم أن هذا البلاء لا يسقط عنه التكليف، بل هو مكلف مع هذا المرض وعليه أن يؤدي الصلاة التي فرضها الله تعالى عليه، بحسب طاقته، وذلك بأن يستنجي ويتطهر لكل وقت، ثم يتخذ الوسائل المانعة من انتشار البول، بحفاظات ونحوها، ويبادر بالوضوء والصلاة من غير انتظار جماعة بل إن وجدها صلى معها إن أمكن، وإلا صلىّ منفردا، ولا يصح أن يكون المصاب بذلك إماما، وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي كانت تستحاض بغزارة، فشكت إليه صلى الله عليه وسلم ذلك قالت: ''إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ''؟ قال: ''لا · ولكن دعي قدر تلك الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي واستثفري وصلي''، وهذا عملا بقول الله تعلى: ''واتقوا الله ما استطعتم''· ومثل هذا الفعل وإن كان شاقا إلا أنه مستطاع، ويصبح مع مزاولته معتادا، فلا يكلف كثيرا من العناء مع العادة والتكرار، وهكذا يتعين على المرء أن يفعل في هذا الابتلاء سواء كان من سلس البول أو من الاستحاضة، ويصبر الإنسان على هذا البلاء حتى يبرئ ذمته من التكاليف الشرعية، وليعلم أن عظم الأجر مع عظم المشقة·

نسبة النساء المصابات

تصل نسبة السلس البولي بين النساء إلى 18% عند الأشخاص الذين تتراوح أعمارهن ما بين 18 و50 سنة، و30 % بين النساء اللواتي تجاوز عمرهن الستين، وتتفاقم عند اللواتي تجاوزن الستين إلى نسبة 60 %·

أكدت دراسة أن تدهور أعراض السلس البولي بين النساء في منتصف العمر يعزى إلى زيادة الوزن وليس إلى انقطاع الطمث، وكانت دراسة سابقة أثبتت زيادة معدل سلس البول لدى النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 45 و55 عاما بالتزامن مع توقف الدورة الشهرية، وهذه الزيادة في سلس البول في منتصف العمر فسّرت إلى حد ما بالتغيرات في مسار البول والمرتبطة بفقد هرمون الاستروجين خلال انقطاع الدورة الشهرية·

عقار جديد

بالنسبة إلى العلاج الدوائي فقد استعملت في الماضي بعض العقاقير واللصقات الهرمونية الأنثوية بنجاح متفاوت وغير مضمون، باستثناء بعض الحالات، وقد ظهر حديثا عقار جديد لا يزال تحت الاختبار وهو دولوكستين DULOXETINE الذي أعطى نتائج أولية جيدة·
ومع تدني نسبة السلس إلى أكثر من 50% وتمديد المدة بين التبول المتتابع إلى أكثر من 20% وتحسن في جودة الحياة في حوالي 62% من الحالات وشفاء حالات السلس البولي تحت الضغط بنسبة 10% تقريبا بعون الله عز وجل وذلك في غضون 4أسابيع من استعماله·· ومن أعراضه الجانبية الغثيان بنسبة حوالي 23% من النساء اللواتي استعملنه، وتم التوقف عن استعماله لهذا السبب لدى حوالي 6% من المريضات، إننا نترقب بشغف الموافقة على هذا العقار المتميز لنتمكن من استعماله في العديد من حالات السلس البولي تحت الضغط، وفي حال وجود توتر في أعصاب المثانة يتم علاجها بالعقاقير والتمارين على الصمام أو بحقن مادة ''بوتوكس'' في عضلاتها مع نتائج جيدة·

اقرأ أيضا