الملحق الثقافي

الاتحاد

ناجح المعموري: الأساطير لغتنا المنسية

يتحدث الباحث والمفكر العراقي ناجح المعموري عن جلجامش كما لو أنه صديقه الحميم، وعن ملحمته كما لو أنها بيته الذي فيه تربى وترعرع ... وما هذا بعجيب؛ فالرجل منح روحه بالكامل للبحث عن كنوز الأسطورة ومباهجها الكامنة وراء الكلمات .. قرأ ما تبدى منها وما خفي ليخرج بمجموعة من الكتب التي تشكل مشروعاً بحثياً سامقاً. لم يكن في مشروعه الإبداعي يعقد قرانه على السراب رغم أن شغله البحثي يأتي في منطقة قريبة منه، بل جاء رهانه الإبداعي معقوداً على اقتناص ما هو متميز ومتفرد في البحوث الميثولوجية، وقراءة ما هو مسكوت عنه في خطابها؛ فامتشق من أجل حلمه كل وسائل البحث المساندة، وصادق كل المناهج وتعرف إلى كل أصدقاء الأسطورة ليفهمها، ثم إنه أقام في النص قارئاً وباحثاً ومتسائلاً ومنقباً عن الخفايا بصبر عجيب.

كمن يلعب مع المستحيل، أو مع ما يبدو غير قابل للحدوث على الأقل، هكذا يبدو ناجح المعموري في دراساته الكثيرة، مطلقاً العنان لقلبه ليطارد الخيال إلى تخومه القصوى... وهل من تجلٍّ للخيال البشري أثرى من ذلك الخيال الذي صاغ الأسطورة؟
كان في رحلته الطويلة مع الأساطير مسكوناً حتى النخاع برغبة الباحث المستكشف بالحصول على صيد ثمين. وربما لولعه وإخلاصه وتفانيه في البحث، قررت الأسطورة في لحظة ولهٍ متبادل أن تفتح له هي الأخرى ذراعيها، وأن تأخذه بين دروبها، وتصب في قلبه من المعرفة ما يجعله واحداً من أهم الباحثين في حقل الآركيولوجيا الثقافية .

? بدأت قاصاً وروائياً ووظفت الأسطورة في غير عمل من أعمالك الإبداعية، لكنك انتقلت إلى البحث في الأسطورة نفسها، ما الذي أخذك إلى هذا الاتجاه؟
? لما بدأت الكتابة في عام 1967 كنت قاصاً حاول أن ينسج الكتابة القصصية تناظراً أو تماهياً مع الحكاية الشعبية، وأعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى كوني نتاج بيئة زراعية قروية. لقد اكتسبت وعي الأول أو حسي الأول ومكوناتي الاجتماعية والثقافية عبر حكايات جدتي التي ترسخت في ذاكرتي، ولا تزال حية، يقظة، وأستعيدها وأتعامل معها أحياناً تعاملاً مغايراً للكشف عن دلالاتها. وكان للقصص والروايات التي كانت سائدة آنذاك، مثل كتابات المنفلوطي وإحسان عبد القدوس وغيرهم، دور في تشجيعي على الكتابة وحاولت تقليد ما يكتب، وتميزت في المدرسة المتوسطة بين أقراني وهم كثر. وهنا لا يمكنني إلا أن أشير إلى أثر أستاذي ومعلمي الشخصية الكارزمية في الحلة سعدي عَلْوَش، الذي أخذ بيدي وقدم لي كل ما يمتلك من الخبرات التي لا تزال قابعة في داخلي وأحياناً أتعامل معها باعتبارها ذاكرة تمتلك نشاطاً ويقظة وحيوية، وهذا شيء لافت للانتباه. بيد أن العامل الأهم يتبدى في الحياة القروية والزراعية التي هي في الصميم مهيكلة ومشيدة على الميثولوجيا، حتى في جانبها الاجتماعي، وإذا أخذنا العلاقات الاجتماعية وخصائص العملية الزراعية نجد أنها مؤسسة على الأسطورة، لأن العقل الزراعي هو فعل ميثولوجي أسطوري وشكل من أشكال العلاقة مع الكون. نحن الريفيين لنا علاقة وثيقة بالأرض، والأرض هي الرمز التعادلي للأم الكبرى في الأساطير، كما أنها شكل حي ومهم لنسق الألوهة المؤنثة في العراق القديم وسوريا وكنعان ومصر (أنانا، عشتار، عشتروت، ايزيس، سيبيل)، أي أن حياة القرية بمجموعها وتفاصيلها الدقيقة هي حياة تتمظهر في علاقات أسطورية وثقافة أسطورية. لاحقاً اكتشفت أن ما يحصل داخل القرية من أنماط للتآزر ولعقد علاقات الحب الريفي العذري الذي يستميت فيه الحبيب من أجل الحبيبة، هي كلها تبديات واضحة في نصوص “أعطني أعطني ماء القلب”. لن أبالغ إذا قلت بأن هذا الانتماء كان مهماً وأساسياً في تكويني، وهو الذي حفز دراستي لموضوعة الميثولوجيا، التي بدت في وقت مبكر عبر الانشغال بالموروثات الشعبية.

الموروثات بنات الأساطير
? كيف، وأي علاقة بين جمع الموروثات الشعبية والبحث التخصصي في الأساطير؟
? إن الموروثات الشعبية إذا أردنا التحدث عنها بشكل مركز، هي التحولات الكثيرة التي طرأت على الأسطورة أو على العقائد والطقوس والشعائر. فما نؤمن به الآن في حياتنا من معتقدات وما نمارسه من طقوس هو شكل من أشكال الارتحال والتحول أو القناع النهائي للأسطورة. بمعنى أن العلاقات الموجودة حالياً هي العلاقات التي كانت سائدة في الديانات البابلية، والكنعانية، والمصرية القديمة، وما إلى ذلك. لم يكن اهتمامي بحثياً بل انشغالاً جمعياً للأمثال، بعض الحكايات، الألغاز، لكن هذا أفضى بي إلى انشغال حقيقي تفجر بشكل سريع وخفي في لحظة من عام 1985. هذه اللحظة هي التي أخذتني إلى ملحمة جلجامش لكي أمارس هذا الاشتغال النقدي والبحثي على النحو الذي تعرفين ويعرف الوسط الثقافي العربي.

? لكن هذا الانشغال على ما أظن جعلك تتوقف عن إكمال مشروعك الإبداعي في كتابة القصة والرواية رغم أهمية ما أنجزت، ورغم توظيفك المختلف للأسطورة في تلك الفترة المبكرة؟
? في البداية لم يعطل هذا الانشغال بالأسطورة وظيفتي بوصفي سارداً يكتب القصة والرواية، وقد وظفت بعض مظاهر الخصب والانبعاث في الحياة في مجموعتي القصصية الأولى “أغنية في قاع ضيق”، وهي مجموعة قصصية بسيطة لم تكن متميزة بعناصرها الفنية الرصينة مثلما كان سائداً آنذاك، لكنها كانت محاولة وضعتني على العتبة الأولى في الطريق الأدبي، ثم جاءت المجموعة المشتركة مع عدد من الأصدقاء “الشمس في الجهة اليسرى”، حيث كانت قصصي مبنية بشكل متماسك ودقيق وحصل فيها توظيف للأسطورة بشكل متقدم للغاية. واللافت في هذه التجربة أنها جاءت مصحوبة بشهادة نقدية كتبتها عن إمكانات استثمار الأسطورة في القصة. وقد توصل الباحث الأكاديمي فرج ياسين إلى أن شهادة ناجح المعموري هي أول رأي نقدي عن علاقة الأسطورة بالسرد.

? في روايتك “النهر”، وظفت الماء كرمز أسطوري توظيفاً سياسياً، أي أنك انتقلت إلى مرحلة أخرى من مراحل العمل الإبداعي على الأسطورة؟
? ليس الماء فقط، بل وظفت الرموز الأساسية في الحياة، أو ما أطلق عليها اليوم الأنماط الرمزية العليا. كرست رمز الماء باعتباره عصب الحياة وعصب الكون والرابط المشترك بين الأنواع، وهو الذي يمنح الكينونة قيمة إنسانية عالية ورفيعة. في الوقت نفسه لم تغب معرفتي ووعيي بوجود إمكانات في هذا النمط الرمزي العالي جداً، أو أحد عناصر نظرية الخيال كما قال باشلار، من أن اكتشف فيه دلالات ومعاني سياسية، فجاء توظيفه في الرواية التي صدرت في عام 1976 توظيفاً سياسياً ومهماً، وكانت تلك الرواية رقم 20 في تاريخ السرد العراقي.

? في بحث سابق لي عن أدب الحرب، قرأت ما كتب عن روايتك “شرق السدة شرق البصرة” و “مدينة البحر” كيف تعاطيت مع ثيمة الحرب؟
? في هذا الجانب ثمة ملاحظة مهمة، لا بد لي من قولها وهي أننا بحدوث الحرب لم نستطع مقاومة السلطة للدخول في مجال الرواية عن الحرب. كتبت “شرق السدة شرق البصرة”، وفيها توظيف لموضوعة جدل الأفكار والصراع، وموضوعة مخفية عن ثنائية الحياة والموت. الحرب تأكل الكائن والحياة تمنح الكينونة كائناً جديداً. وهذه الخاصية تتعرف إليها الشعوب حين تعيش لحظات حرجة في تاريخها، وأعني بها، لحظات الحروب أو المقاومة. الفقدان لا يستمر فقداناً دائماً بل يستدعي انبعاثاً أو تجدداً باستمرار. أما رواية “مدينة البحر” فهي عن مدينة الفاو، لكنها لم تكن رواية حرب في الحقيقة، وإنما ضمت فصلاً قصيراً للغاية عن موضوعة الحرب. لقد تهيكلت بالكامل حول سيرتي الذاتية وقريتي عنانة. في الحقيقة كانت “سيرة المعموري عن قريته” ثم حولتها إلى “مدينة البحر” مع إضافة مقطع بسيط يتحدث عن الحرب. وفيها تبرز علاقتي بالقرية بعد مرحلة متقدمة من النضج والتشكل وتبلور انشغالاتي المعرفية والسياسية، حيث تعاملت مع القرية باعتبارها شكلاً من أشكال الحنين إلى الأم الأولى لأنها الأرض، لأنها الخصوبة، لأنها الانبعاث بعد أن أدركت ما تعنيه القرية. وبعد ذلك، اتخذت قراراً حكيماً وخطيراً بأن أبتعد بالكامل عن كتابة الرواية لأنني اكتشفت المتعة التي توفرها المعرفة للباحث إذا استطاع أن يمسك بخيوط ما ينوي التسلل إليه، وعملية التسلل إلى الأسطورة عملية معقدة للغاية.

? هل أفهم من ذلك أن مشروعك واضح في ذهنك منذ البداية؟
? نعم.. كان واضحاً تماماً. أنا لم أشتغل على الأسطورة في فضاء دراسة منعزلة. انشغالي بالميثولوجيا هو عدد من المشاريع الثقافية والمعرفية. لقد اشتغلت على الملحمة وفي فيها ثلاثة كتب: “جلجامش والتوراة” و”تقشير النص انانا” و”جلجامش شجرة الخالوب”، وكتاب تحت الطبع وآخر ينتظر الصدور. أما المشروع الآخر وهو مشروع حساس ومهم ولأول مرة ينشغل به باحث ثقافي ومعرفي خارج فضاء الدين وأعني به شخصية يوسف التوراتي، وأنجزت في هذا المجال ثلاثة كتب: “تأويل النص التوراتي” و “أسطورة نبات اللفاح” وبقي لدي كتاب واحد وهو عن الأصول الأسطورية في قصة يوسف. وفي الكتاب تساءلت من من أين جاءت حكاية يوسف التوراتي؟، وقد وجدت أن الطرس الأول مصري، والطرس الثاني عراقي، والطرس الثالث هو أسطورة سترانوبيس السورية. من هنا يمكن ملاحظة أنني أرسم لعملي المستقبلي شبكة أستطيع أن أسميها نسجية ثقافياً ومعرفياً وأدخل إلى الموضوعات الكبرى وليست الموضوعات التي تكتفي بمقال أو دراسة. وهذا ما اتضح في ملحمة جلجامش وقصة يوسف، وأيضاً بقراءتي للأسفار التوراتية، خاصة العهد القديم، حيث أصدرت في هذا المجال “الأسطورة والتوراة”، و”موسى وأساطير الشرق”، و”التوراة السياسي وأقنعة التوراة”. أنا أعمل وفق تصورات ثقافية، وفق أحلام معرفية، فالأسطورة نص معقد، متداخل، يمثل المغامرة الأولى، يمثل كما قال ماركس طفولة الحياة وطفولة العالم، وعلى الباحث أن يتعامل بشيء من الدقة والحساسية لتنشئة هذا الطفل، وترويضه، والوصول معه إلى تفاهمات.. وهذا يستدعي أن يكون الباحث والمثقف متمكناً من المفاهيم والنظريات الفلسفية لأن الأسطورة هي التي أفضت معرفياً إلى الفلسفة.

على باب الخرافة
? ينظر البعض إلى الأسطورة بوصفها شيئاً متخيلاً، بل إن الكثيرين يخلطون بين الأسطورة والخرافة، في حين تتعامل معها أنت باعتبارها حقيقة موجودة ومنجزاً للخيال البشري والإنساني رافق الإنسان منذ بدايته على الأرض، ما هي مستنداتك الفلسفية أمام من قد يقول لك إنك تتعامل مع نصوص مفترضة وتبني عليها كشوفاً نقدية وفكرية؟
? الأسطورة هي اللغة المنسية، الذاكرة الأولى، وهي النوع الأدبي الأول المبكر في تاريخ الحضارات. والأسطورة – كما قال هيغل – هي وسيلة الإنسان الأول لحماية نفسه من النثر. ومعروف أن النثر عقلي، والأسطورة مجازات واستعارات ورموز من دون أن يعني هذا أن النثر لا ينطوي على مجازات واستعارات. آنذاك، لم تكن وسيلة الإنسان للتفاهم والتواصل اللغة المتوافرة الآن بيننا والآخرين للتفاهم أو التباين أو الاتفاق، وربما كانت الأسطورة هي النص الذي تم تأسيسه بعد شيوع وتكرس العقائد والطقوس والشعائر السحرية، ذلك أن أول ما بدأ في عتبات الحضارة الإنسانية العقائد والطقوس بمعناها السحري كما قال جيمس فريزر ثم لاحقاً جاءت الأسطورة. ولعل الإنسان أدرك حاجته إلى تثبيت وإدامة هذه الممارسات وتحويلها من معتقد ربما ينتهي أو ينطفئ عند الارتحال من منطقة إلى أخرى إلى ممارسة أبدية، بمعنى، تدوينها فكان التضمين لهذه المكونات الأساسية والجوهرية في الدين على النحو الذي نجده عند فراس السواح ومالينوفسكي، وليفي شتراوس وآخرين.
أما عن الأسطورة والخرافة فهناك فرق كبير بينهما، رغم أن هذه العلاقة أثارت الكثير من اللغط والتباين، ويمكن أن اختصر هذه التباينات برأي للقديس أوغسطين وهو واحد من أهم وأخطر الآراء حول الأسطورة: “أنا أعرف الأسطورة لكن أرجو أن لا تسألني”. بمعنى، من غير الممكن الإحاطة بمفهوم الأسطورة وتقديم معنى محدد أو دلالة معينة مؤطرة بمساحة تكون مقبولة لدى المتلقي البسيط أو الملتقي المثقف، لكن هذا يفضي بنا إلى أن نتعامل مع الأسطورة بتعريف خاص باعتبارها نصاً دينياً، ما يستلزم وجود الآلهة داخل النص، وهو شرط تشترطه الأسطورة فيما تنطوي الخرافة على الحيوانات والغرائب. والموقف النقدي الفلسفي من الأسطورة، يستدعي الحديث عن لحظة التنوير الأولى في أوروبا في القرن 18 و19، وبالتحديد عن ماكس هايكمر وأدورنو اللذين يريان بأن العقل الأوروبي حقق اندفاعاته من خلال قطع العلاقة مع الأسطورة والاتجاه لتفعيل العقل النقدي التنويري الذي لا يكتفي برؤية ما هو حاصل وإنما يطرح الشكوك ويثير الأسئلة، لكنهما يؤكدان أن العقل الغربي عاد وأنتج أسطورته بشكل آخر، ويعنيان بها النازية. كل النظريات النقدية أوجدت مفهوماً أو عدداً من المفاهيم لتمظهرات الأسطورة وتبدياتها، لكن الأهم أن الأسطورة الآن تدخل في المجالات الثقافية والمعرفية كلها، ولم تعد تعني النص فقط، بل تدخل في مجال الأزياء، وجماليات جسد المرأة، وأناقة جسد الرجل، وثنائية النوع، والديانات والعبادات والشعائر، وأرى أنها الهواء الذي نتنفسه، لكن نقاوته تبدو مرتبطة بالعقل الذي يتعامل معه أو يتنفسه. أحياناً تتحول الأسطورة إلى عامل تسطيحي للثقافة ولإمكانات الإنسان وقدراته. وما يحصل الآن في العالم العربي من قتل وتدمير هو شكل من أشكال تمظهرات الأسطورة. أنا أعرف آلهة قتلة، يبيدون مدناً كاملة، لكن الحياة مثل طائر الفينيق تعاود الظهور. لنتفق أن الأسطورة هي ثقافة عامة وشاملة وأن العقل البشري الآن يوظفها وسيستمر بفعل ذلك مبدعاً ومطوراً لها.

? في دراستك لتبديات ملحمة جلجامش في التوراة، استخدمت أسلوب مطابقة النص بالنص... وقد يقول لك قائل إن هذه التماثلات والتشابهات سببها أن النص آت من مصدر واحد وما الاختلافات الطفيفة إلا الانحرافات البشرية التي حدثت لاحقاً عن النص الأصلي؟
? إذا أخذنا موضوعة التجاورات بين النصوص، أصول النصوص الأولى والنصوص اللاحقة، بعيداً عن المناهج والنظريات النقدية الحديثة، وتعاملنا معها من وجهة النظر هذه، سنجد في عتبات الحضارة الإنسانية المبكرة، أن التشكلات الأولى إذا كانت حائزة عناصر تستدعي قبول الآخر أو الجماعات وتتوافر على خصائص غير مألوفة سابقاً، تضفي عليها شيئاً أو كلاً من القداسة من أجل أن توفر لها مساحة الهيمنة والضغط والتفعيل، وسنجد إن بالإمكان تحديد العتبات وليس الأصول، لأن البحث على الأصول لا يفضي إلا إلى الميتافيزيقيا. في بحوثي استبدل الأصول بالعتبات موظفاً مفهوم الفيلسوف هايدجر، حيث إن الأصل مجهول لكن العتبة واضحة. إنها جزء من مكان، والمكان متعايش وإياه، ومألوف، وإن انطوى على شيء من الغرابة التي تتقشر تدريجياً حتى تصبح مفهومة. وفي حال حددنا العتبات الأولى نستطيع أن نمتد وأن نصعد مع المتشكل لاحقاً لنقرأ اللاحق بحضور العتبة الأولى، ونعثر على العناصر المشتركة والخصائص الأخرى المتباينة. بالنسبة إلي، أعتقد بأن العناصر المشتركة لا تعني بأن بلاد سومر هي التي أخضعت الكهنة التوراتيين وأجبرتهم أن يحوزوا معرفتها، وإنما تعني فهماً حضارياً متقدماً ومبكراً آنذاك ودليلاً على أن البنية الذهنية السومرية قادرة على التجاور مع الآخر، وقبوله، والتحاور معه، ومنحه ما أنتجت، لسبب بسيط هو أن ما أنتج في عتبات المراحل الحضارية وما ينتج الآن لا يمكن منحه هوية ضيقة ومحددة فيما هويته الأساسية هي الهوية الإنسانية. ما أنتجته بلاد سومر، وبلاد كنعان، وسورية ومصر وبلاد الإغريق منتوج إنساني مشترك، بيد أن البحث المعاصر يستدعي أحياناً من القراءة العلمية أن تعرف هذه العتبات التي لا تقل أهمية عن عتبات العلوم المبكرة.
إن ملحمة جلجامش نص مدون أكدياً وإن ابتدأ بخمس أسأطير سومرية، وتم إنتاجها بعد أكثر من 700 سنة، والإنتاج الأكدى ينطوي على رد صريح وشفاف على المستشرق رينان الذي اتهم الأقوام الجزيرية أو السامية بأنهم أقوام غنائيون وعاطفيون، لأنها تؤكد أن الشعب السومري شعب موضوعي عقلي. وقد أعيد إنتاج الملحمة في مرحلة سرجون الأكدي الذي وحد دويلات المدن والممالك. كان يفترض بهذا الإمبراطور أن يكلف الكهنة بكتابة نص ملحمي عن بطولاته، لكنه امتد نحو الماضي ووجد في شخصية جلجامش مثالاً أو نموذجاً، لأن شخصية سرجون الأكدي تنطوي على عناصر من البطولة والتباهي والممايزة تومئ إلى شخصية جلجامش، البطل النموذج في امبراطورية اتسعت من بلاد سومر ووصلت إلى طيبة. وللنص عدد من التدوينات، وقد تم جمعه عبر اكتشافات متعددة في العراق: في بلاد سومر، وفي بابل، وفي آسيا الصغرى، وفي مجدو، وفي بلاد أشور، وتسمح لنا هذه الكشوف في أماكن وجغرافيات مختلفة بأن نفترض احتمال وصول نص الملحمة إلى مكانات أخرى في العالم. ومن هنا يتبدى لنا تأثر هوميروس في إلياذته بملحمة جلجامش لأنها تنطوي على خصائص التماثل وعناصر التطابق في مسائل كثيرة جداً. لماذا إذن نستبعد اطلاع اليهود على الملحمة وهي وصلت إلى سوريا وكنعان ومصر، فضلاً عن أنه جيء بهم مرتين إلى بابل التي كانت تشتهر بمكتباتها الكثيرة وإلى آشور التي كانت تشتهر بمكتبتها الشهيرة آشور بانيبال. هم يتحدثون عن بابل باعتبارها مدينة السبي، لكنها في الحقيقة مدينة الحرية بالنسبة لهم. لقد دخلوا إلى بابل وتعلموا الطقوس والعقائد وأخذوا من النصوص الأسطورية ومن الأرقام السحرية وحازوا أنظمة لآلهة عديدة. في الحقيقة، لم يتهيب الكهنة اليهود من أن يحوز الإله (يهوه) عناصر جديدة من عشتار التي تظل آلهة أنثوية وإن حازت خصائص ذكورية مثل الحرب والقوة. لم لا نشير نحن أبناء الملحمة إلى وجود شكل من أشكال الحوار بين العقل العراقي القديم والعقل اليهودي!؟، من حقنا أن ندعي ذلك، لكن المؤلم في عملية الحوار والتبادل بين الشعبين، هو أن الكهنة اليهود تكتموا وتستروا على المأخوذ من بابل ولم يصرح أحد من قريب أو بعيد بذلك، هذه هي المشكلة.

? أنت سميتها أقنعة...؟
? نعم، وهذه الأقنعة أو الجذور الأولى تشير لمهيمنات الحضارة العراقية البابلية، وهناك عدد من الباحثين يؤكدون أن الديانة اليهودية استفادت من حضارة العراق القديم. يحضرني هنا جان بوتيرو عالم الأثريات الفرنسي الذي أشار إلى أن العهد القديم هو إعادة صياغة لملحمة جلجامش. وأعتقد أن الحضارات الأولى تلاقحت مع بعضها، وهناك قلة من الباحثين الغربيين الموضوعيين الذين يمتلكون خبرة العالم وموضوعية المؤرخ تحدثوا عن ذلك، ومنهم الباحث والعالم في حقل الدراسات التاريخانية مارتن برنار في كتابه “أثينا السوداء”، فعندما يطلق هذا الباحث على أثينا صفة السوداء فهو يعني أثينا المصرية. لم لا نعترف، إذن، بدور أي شعب من الشعوب في إنتاج شيء مهم وأساسي وحيوي في الحضارة الإنسانية؟
نحن ندرك أن أكثر تمركزات هيغل عن أهمية الحضارات هي تلك التي تخترع لغتها، فمن أين جاءت المركزية الغربية والحضارة الإغريقية التي تأسست عليها الحضارة الأوروبية، لم تخترع لغتها وإنما حازت من الهيروغليفية 50% ومن الفينيقية 25% ومن الهندو أوروبية 25%. في المقابل، العراقيون لغتهم مبكرة، وفي سوريا أنتجوا الأجرومية، فلماذا لم يتحدث هيغل عن بلاد سومر؟ لماذا لم يتحدث في موسوعته الجمالية عن ملحمة جلجامش، بينما يتحدث عن المعلقات السبع والشعر الفارسي والنصوص المصرية؟ أعتقد أن في هذا شيء من التجني وأنه ينطوي على إغفال متعمد ومثير للاستغراب بالنسبة لباحث ومفكر مثل هيغل.

جحيم عراقي
? ما حدث في العراق يكاد يكون جحيماً أسطورياً، كيف تنظر إلى تعاطي المثقف العراقي مع ما جرى أدبياً؟ هل هناك تمايزات واضحة فيما ينتج من أدب؟ هل يمكن الحديث عن أنساق عامة أم كل يعمل وفق رؤيته وبشكل منفصل؟
? كنت أتمنى سؤالاً من هذا النوع لأنني أشعر بحاجة أساسية للحديث، باعتباري واحداً من المثقفين العراقيين اليساريين يتمتع بمسؤوليات قيادية بالحركة الثقافية، وهي مسؤوليات ليست رسمية بل ثقافية مهنية. أنا عضو مجلس مركزي في الاتحاد العام للكتاب والأدباء العام بالعراق لدورتين، ومن الأسماء التي نشطت وتحركت منذ لحظة الاحتلال الأولى وحتى مغادرة القوات البريطانية، ليس أنا فقط، بل 98 في المائة من مثقفي العراق وأدبائه وصحافييه ومفكريه وفنانيه، كلهم تحركوا ضد وجود الاحتلال سلمياً. هذا لا يعني أننا ضد التحول بل معه، لكن لم نكن نتمنى أن يحدث بالطريقة الدموية والدراماتيكية التي حدث بها والتي ما زلنا إلى الآن نتحمل خسائرها.
المثقف العراقي ليس مغيباً ويقاوم التغييب ولديه استعداد لقبول أصعب التضحيات. ولقد قدمت الثقافة العراقية أهم الأسماء في المجال الثقافي، دفاعاً عن حرية العراقيين وحق المواطن في العيش الكريم. المثقف لا يمتلك غير العقل وطرح الأسئلة وإثارة الشكوك. نحن نتحدث عن نظام سياسي ما زالت رؤيته غير واضحة عن الدولة المدنية وعن حقوق المواطنة وحرية التعبير وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة. هذه المفاهيم التي قامت عليها الثورة الفرنسية وحركة النهضة المصرية والسورية والعراقية في القرن التاسع عشر ما زالت إلى الآن مفاهيم غير واضحة، ضبابية، ومشتتة. المثقف يصرخ بكل صوته، يناقش ويحاضر ويجادل، وهم في الحقيقة يمنحوه مساحة من الحرية ليتحدث، لكنهم لا يستمعون إلى صوته، ولا إلى طروحاته الجوهرية الداعية إلى تصويب المسار، والاعتماد على الثقافة والفنون، باعتبارهما عاملين أساسيين لتأهيل المواطن باتجاه الجمال. إلى الآن لم تتضح صورة البلد المستقبلية في مجال الحريات ومستقبل الثقافة والفنون. لكن بإمكاني التأكيد على أن الجماعات الغفيرة من المثقفين لديهم قرار، ليس من الآن وإنما من زمن النظام السابق، بمقاومة كل أشكال التسلط والهيمنة والقهر. لقد أصبح العالم مكاناً ضيقاً، فكيف بالعراق الذي يتحول إلى مكان مفتوح. لا شيء عاد مستوراً ولا شيء متكتم عليه. منظمات المجتمع المدني والسلم الأهلي والمنظمات الاجتماعية والأدباء والمثقفون يتحدثون من أجل أن يكون للثقافة ما نطلق عليه مركزاً متجوهراً، لكن هذا لن يحصل مع تصاعد الحركات الإسلامية المتطرفة التي تدرك بأن قوى النهوض الاجتماعي ليست إسلامية، وأن قوى الحراك الاجتماعي والسياسي هي الحركات الديمقراطية والتقدمية واليسارية، وأن الثقافة منتج لهذه الحركات منذ لحظة انبثاق الدولة العراقية في عام 1921.

? هل أنت خائف أو قلق على الثقافة في العراق؟
? لا لست خائفاً ولا قلقاً، لأن الثقافة تعرف كيف تدافع عن مكوناتها وعن عناصرها وإنجازاتها المتحققة. وربما أدعي أن الثقافة العراقية في بعض مفاصلها علمت بلداناً عربية كثيرة. وهنا أتحدث عن مرحلة التحديث، فالشعر كان عراقياً وما زال، والتشكيل كان عراقياً، وثمة فنون أخرى تشهد حراكاً واضحاً ونوعياً. الشعر ما زال إلى الآن (شكلاً وروحاً) عراقياً، والحركات الشعرية في الوطن العربي تتعلم من الشعر العراقي، وهذا مهم لأن الشعر أصعب الأنواع الأدبية، وهو رفيق الإنسان والشعوب في لحظات التغير والتحولات الكبرى نحو فضاء لا ينعزل عن مصطلح الشعر لكن يتغاير مع المفهوم.

? هل يمكن القول إن هذه الثقة بصلابة الثقافة واحدة من الحكم التي تعلمتها من الأساطير؟
? هذه من مكوناتي غير المتبدية باعتبارها أدبية، وإنما تتضح باعتبارها مشكلات ثقافية تمثل إطاراً ومركزاً لصفتي باعتباري مثقفاً عضوياً أنتمي لشريحة واسعة من المكونات الاجتماعية المعنية بالمستقبل وبالحياة الكريمة وبالحرية وبالدولة المدنية. نعم أخذت من الأسطورة في مجال عملي الاجتماعي والسياسي وأنا أوظف كل إمكاناتي. وربما تبدو مفاهيمي في مجال الميثولوجيا متناقضة عن ممارساتي الاجتماعية والسياسية. لقد لعبت دوراً مهماً بعد الاحتلال مع منظمات المجتمع المدني، وحققت إنجازات ليست قليلة، وهي منظمات لا علاقة لها إطلاقاً بأي جهة خارج البلد. بل مجموعة من الشباب، نعتمد على إمكاناتنا الذاتية ولا نمتلك إلا الوعي واللسان.

اقرأ أيضا