الاتحاد

ثقافة

نقاد وكتاب: نحتاج إلى ثقافة ثالثة

كي لا يأكل «حوت» الثقافة التقنية «قمر» الآداب في زمن السيولة المعلوماتية

كي لا يأكل «حوت» الثقافة التقنية «قمر» الآداب في زمن السيولة المعلوماتية

تحقيق - عبيـر زيتون (دبي)

بفضل التطور الهائل للعلوم، وتسارع تطورات التكنولوجيا، وهيمنة «ثقافة التكنوعلمية» كمعرفة تنفي كل ما عداها من معارف، تعمقت القطيعة بين المعارف الإنسانية، وباتت ناجزة مع ظهور فئتين ثقافيتين مختلفتين، أو جغرافيتين منفصلتين تماما، ألا وهما – (الثقافة العلمية، والثقافة «الأنَسِية») وأمام هذه القطيعة التي تغذيها طموحات السوق المعولم، نرى اليوم الشعراء، والكتَّاب، والفنانين، يلوذون بكتاباتهم، والعلماء، والأطباء، والمهندسين إلى موضوعاتهم الجافة، وسط بُعد تكنولوجي يغذي انفصالهما، واختلافهما تماماً – وكأن ثمة نهرين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما قوي جداً، وله السيطرة كرؤية واحدة للعالم، والآخر «ظل» يدخل في باب التسلية والترفيه فقط.. لا أكثر!!

هل يأكل حوت العلم قمر الآداب في زمن القنبلة التقنية؟ وهل «العلم، والأدب» عالمان مختلفان، يتعارضان، ولا يلتقيان؟ وإن لم يكن كذلك فمن المسؤول عن تغذية هذا التمييز والفصل بين المعرفتين «العلمية والإنسانية»؟ هل هي نظرة المجتمع؟ أم التنشئة المدرسية؟ أم لغة السوق؟ وهل من جسور يمكن بناؤها، تخرجنا من عقيدة الانحياز المغلقة، من دون ضمور الكائن الداخلي فينا ثمنا لمعرفة واحدة أحادية تفرض شروطها؟
أسئلة ارتأت «الاتحاد» وضعها تحت مبضع التحليل، والنقاش، عبر اختيار نماذج من الشباب تجمع بين معرفتين، وذلك بعد وضع سؤال الاستفهام، تحت تشريح النظرة الأكاديمية إماراتيا وعربيا.

لا قطيعة
الدكتورة «نجوى الحوسني» وكيل كلية التربية - جامعة الإمارات العربية، تقول:
من وجهة نظري لا يوجد تعارض أو قطيعة، بين الآداب الإنسانية، والعلوم العلمية، بل أجد تناغماً، وتكاملاً ضرورياً. وهذا ما برهن عليه علماؤنا، وفلاسفتنا عبر التاريخ البشري المديد. فهناك العِالم الجليل «جابر بن حيان» الذي برع في الكيمياء، والفلك، والهندسة، والصيدلة، والطب، إلى جانب الفلسفة، أم العلوم، إلى جانب «ابن سينا» و«الكندي» وغيرهم الكثير من العلماء الذين مزجوا في معارفهم بين الآداب الإنسانية، والعلوم العلمية، من دون فصل أو تمييز كما يحدث في زمننا المعاصر حاليا.
وتؤكد الحوسني: يجب أن ندرك أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بالعلوم الجافة فقط. فالعلاقة بين المعارف والحقائق العلمية والأدبية، مثل علاقة الروح والجسد، الذات والموضوع، ومن خلالها تزدهر روح الإنسان، بقيمها النبيلة، وأهدافها السامية.

تداخل
من جانبها تقول الدكتورة «سمر جورج الديوب» عميدة كلية الآداب الإنسانية، جامعة دمشق، وصاحبة عدة مؤلفات نقدية في هذا المجال منها «الفيزياء في لزوميات المعري»:
حين نتحدث عن حقيقتين: علمية وأدبية، فذلك يعني إقراراً بالهوة العميقة بين الطرفين، والحقيقة أن هنالك مصطلحاً يجمع بين الحقيقتين، هو «الثقافة الثالثة»، ولا تعني جمعاً للطرفين، أو تشكيل خليط هجين منهما، بل هي «إقرار بتداخل المسارات بين الجانبين: العلمي والأدبي». فالأديب يصل إلى الحقيقة الأدبية بالحدْس، لا بالتفكير العلمي، وقد يصل إلى هذه الحقيقة بالعقل عن طريق الاستدلال. فكل من الطرفين، العلم والأدب، صورة عن الآخر، ولا تتعارض الحقيقتان العلمية والأدبية. فالخيال والذاكرة لا ينفصلان عن العقل، إذ يحتاج العقل إلى الخيال، ولا يمكن أن يستغني عن تصورات عالم الخيال، ما يعني أن العقل والخيال متلازمان في فكر الإنسان.

فصل تعسفي
لكن.. بالمقابل هناك فئة من الشباب يصح تسميتها بـ (الفئة الثالثة) تجمع بين الثقافتين، ممن يحملون شهادات في الطب والهندسة والعلوم العلمية، ولهم مؤلفات في الشعر والأدب والقصة وغيرها، فماذا يقولون؟
الدكتور عمر عبد الرحمن الحمادي، طبيب أمراض باطنية وداخلية، وله عدة مؤلفات ومقالات أدبية وعلمية، يقول: يميل الإنسان إلى خلق دوائر افتراضية حول مختلف العلوم حتى يبسطها ويمنع تداخلها، في حين أن هذه العلوم تتلاقى، وتتبادل الأدوار، ويكمل بعضها بعضاً، فإذا كان الأدب نابعاً من مشاعر المعاناة في أحيان كثيرة، فإن أكبر مادة خصبة يمكن أن يحصل عليها يقدمها له العلم، وخصوصاً علم الطب منها، فكم من طبيب ألقى قصيدة من وحي قصة مع مريض، وكم من رواية استلهمها صاحبها من أروقة المستشفى أو من موقف حصل مع ممرضة.. بل حتى الأسئلة الوجودية التي تموج بالإنسان من قبيل من هو؟ ومن أين وكيف جاء؟ وإلى أين المصير؟
ويتابع الحمادي: العلم والأدب تم فصلهما عن بعضهما بعملية قسرية كان أولها الافتراض بأن من يريد دراسة الرياضيات، لن يكون بحاجة إلى دراسة الفلسفة، ومن يريد دراسة الكيمياء، لن يكون له حاجة في شعر إيليا أبو ماضي، ومن يريد دراسة الأحياء، لن يستفيد كثيراً من منطق أرسطو. نحن من خلقنا هذا الفصل الوجودي بينهما، والأولى أن نجمع بينهما لخلق التوازن في حياة الطالب، وفتح آفاق من العلوم التجريبية والإنسانية أمام ناظريه.
ويؤكد الحمادي: عندما كنت طالباً في كلية الطب، كنت مدمناً للقراءة، ولم أجد متنفساً للضغوطات الكبيرة إلا من خلال قراءة كل ما ليس له علاقة بالطب، وخلق ذلك لي حالة من التوازن الداخلي، والطمأنينة التي لا أنساها أبداً، لذلك علينا أن نجعل أفقنا أرحب من ذلك بعيداً عن تخصصاتنا الدقيقة، وإلا دفنتنا معها من حيث لا ندري.

الاثنان معاً
وتقول كوثر البريكي، متخصصة في علوم الأحياء ورئيسة وحدة مختبر التحاليل، ولها رواية «ورقة حظ» وتكتب مقالات أدبية في الصحف والمجلات:
تخصصت في دراسة «علوم الأحياء» لأنها من المواد التي أثارت اهتمامي وفضولي، لمعرفة طبيعة الكائنات الحية، وأنواعها، وتكوينها، ولتفوقي في هذه المادة، وبدأ اهتمامي بالرواية، عندما تشَبعت من التخصص، والقراءة في المجال العلمي باللغة الإنجليزية، وكانت الرواية المنفذ لي للعودة لذاتي، وللغتي العربية، ومفرداتها، وتأملاتها الإنسانية. واستطعت من خلال تخصصي العلمي، الاستفادة من تجاربه، وأنسنتها بلغة الأدب والرواية، التي برأيي لها المقدرة على توحيد الإنسان في همومه، وأسئلته مع الوجود، والحياة، كما لها القدرة على الكشف عن جوهر وجود الإنسان، وتعزيز إنسانيته بنبل وأخلاق.
وتؤكد البريكي: إن كان هناك فصل بين المعرفتين، فهو عائد لثقافة، الكاتب وأفكاره. فالآداب الإنسانية هي نافذة الروح في التأمل في المحيط، وتنمية الخيال والروحانية الإنسانية، وهي الإثارة، والتشويق، والشغف ولا يمكن للإنسان أن يحيا دون المعرفتين «العلم والأدب معا».

لا تعارض
أما الدكتورة عائشة العليلي (تخصص طب وجراحة الأسنان وحائزة جائزة الإمارات للقصة القصيرة 2016 عن مجموعتها «أرجوحة حديدية») فتقول: لا أرى أن هناك تعارضا، أو تناقضا بين المعرفتين، فهما مثل الجسد، والروح، لا نستطيع الاستمرار دونهما. وربما يعود الفصل بينهما، لمواهب خاصة، قد تطغى إحداهما على الأخرى، أو تعود إلى طبيعة معارف الكاتب أو الشاعر. وبرأيي على الشباب أن لا يقعوا في فخ الصراع بين الميول، وطبيعتها، بالنهاية هي حصيلة قراءات، ومعارف، وتعمق، وفهم. وكلما توسعت معارفنا ازداد عمق الكتابة والمعرفة.
ومن جانبها تقول المهندسة حسنة السالمي (مهندسة إلكترونيات ومبتكرة لذراع آلي لأصحاب الهمم، وحائزة المركز الثاني في جائزة الإمارات للرواية 2016 عن «جذور عارية»):
نعم أنا مهندسة إلكترونيات، وماجستير في الهندسة الإدارية، وأهوى كتابة القصص والروايات، وهي من أجمل الهوايات التي أمارسها منذ الصغر. شخصيا لا يمكنني أن أفصل تخصصي العلمي، عن الكتابة في مجال الأدب، فدراستي للهندسة جعلتني متمكنة في ترتيب الأفكار، والأحداث بشكل منطقي، والتفكير العميق، والتحليل الذي أغنى قراءاتي الأدبية التي أرى أنها ضرورية لكل شاب لتحقيق التوازن، وتغذية الخيال، وتوسيعه كي يخرج عن أفقه المعتاد، والرتيب، ولحماية نفسه من الانجرار، والانسياق وراء فوضى المعرفة، مع وسائل التواصل التكنولوجية.

انحدار عام
وتنظر الدكتورة فاطمة الخطيب (تخصص أشعة) إلى الأمر من زاوية مختلفة، تقول:
عندما أقارن طلاب المدرسة اليوم، بما كنا عليه قبل خمسة عشر عامًا، أرى انحدارا ملحوظا في الثقافة العامة، واللغة العربية، فأصبحت كلمة (مثقف) تُستخدم للاستهزاء والسخرية، فلم يعد هناك أي أهمية لقيمة اللغة العربية، فالمهم الآن «وصول المعلومة» كما يشاع بلغة اليوم، وليس الطريق إليها، وأنا شخصيا أضع المسؤولية على طريقة التدريس التي لا تولي الآداب، واللغة العربية بكل جمالياتها وعمقها الأهمية الكافية، ولذلك أصبحت القراءة الأدبية والشعرية، فائضا وللتسلية فقط، في نظر الطالب وأسرته وحتى المجتمع المحيط به. وبرأيي الشخصي قبل التفكير بمسألة الفصل بين المعرفة العلمية والأدبية يجب أن نفكر جيدا كيف نعيد الاحترام إلى اللغة العربية، وإلى دور الثقافة وقيمة المثقف.

عمارتان متآلفتان
للدكتور محمد أحمد إسماعيل الخالدي (تخصص طب نفسي) وجهة نظر شعرية، يقول:
الشعر هو كل شيء بالنسبة لي، وأنا أعرّف نفسي شاعرًا، قبل أي لقب آخر. والشعرُ هو كل ما أكونه خارج المعطف الأبيض. إجابتي عن سؤال سبب كتابتي للشعر سيكون مبتذلًا لأنه مقاربة ضعيفة لموضوعٍ شاهق في علوّه. أكتب الشعر لأنه طريقتي المثلى للوقوف على الدهشة، وتوثيقها. شرفٌ عظيمٌ للمواقف، والأفكار، والشخوص أن تخلدها القصيدة، وأنا أتحيّن لحظات الشرف هذه وأُعنى بالأفكار المدهشة، والمؤرّقة بالمقام الأول. بكل صراحة، الشعر أعلى وأقدس عندي من تأويله والتنظير فيه. أكتفي بالشعر اكتواءً بالقصيدة تلو الأخرى دونما بحثٍ عن مصدر تلك الشعلة السرمدية.
أما بخصوص الفصل بين العلم والأدب فأرى شخصيًا أن «العلم والشعر» هما مرآة النفس البشرية، في تطلعاتها، وطموحاتها، الشعر يتأمل، ويحدس، ويستبطن، والعلم يستكشف، ويبرهن، هما عمارتان من نسيج متآلف، ومؤتلف، وإن كان للأدب مكانة خاصة في روحي، فهو أكثر إنسية وخيالا وروحانية وتعبيرا عن قلق الإنسان، وهو تهذيب ذاتي.

اقرأ أيضا

أميتاب باتشان ضيفاً على «الشارقة الدولي للكتاب»