أرشيف دنيا

الاتحاد

مسافي·· أرض الماء والعسل والغزلان

كثيرة هي الحكايات التي تتحدث عن مسافي وعن طبيعتها الخلابة وسحرها الذي لا يقاوم، وهو ما دفعنا إلى الذهاب هناك، في محاولة للتعرف عن قرب على هذه القرية الساحرة التي تسكن بين أحضان سلسلة من الجبال هي الأعلى في دولة الإمارات· وبالفعل عندما وصلنا إلى مسافي وجدناها عامرة بالخضرة والمياه الرقراقة والينابيع دائمة العطاء، فضلاً عن الجبال المحيطة بها، وما تبعثه في النفس من شعور بالهدوء والراحة، وربما يفسر هذا الجمال لماذا كانت مسافي منذ القدم مقصداً للسائحين الراغبين في الاستمتاع بهوائها العليل وطبيعتها البكر·
في رحلتنا إلى هناك، التقينا علي خميس المحرزي أحد أبناء مسافي فتحدث عنها قائلاً: تقع مسافي في المنطقة الشرقية، وتتوسط سلسلة الجبال الممتدة هناك من الذيد وحتى رأس الخيمة· وتبلغ مساحتها خمسة كيلومترات مربعة تقريباً، وتتميز باعتدال مناخها على مدار العام وانعدام الرطوبة فيها، فضلاً عن وفرة العيون المائية التي تتجمع فيها الأمطار الغزيرة التي تسقط على أعالي الجبال المحيطة به، والتي ترتفع نحو 1550 متراً عن سطح البحر· كل ذلك، جعل أرض مسافي شديدة الخصوبة وساعد على تميزها عن غيرها من المناطق المجاورة بتعدد المحاصيل الزراعية، فكانت الزراعة هي مصدر الدخل الرئيسي لسكانها لعصور طويلة·
خيرات الأرض
ربما تندهش عندما تعلم أن مسافي تميزت بزراعة الهامبا (المانجو)، النخيل، الليمون، الذرة، السفرجل، التفاح، البرتقال، الياس، والأخير كان ولا يزال يستخدم في تصنيع العطور· وكانت نساء مسافي قديماً يستخدمن أوراق شجر الياس لتعطير ملابسهن، لما له من رائحة زكية، لكن دهشتك سرعان ما تتراجع حين يخبرك المحرزي أن مسافي كانت أشهر منطقة في الخليج العربي لزراعة المانجو، وترى بأم عينك جذعاً لإحدى أشجار المانجو يمتد عمره لأكثر من سبعمائة عام·
وتتواتر إليك المعلومات لتؤكد لك أن أشجار المانجو التي كانت تُزرع في مسافي عرفت أيضاً بكثرة ثمارها ورائحتها النفاذة، فثمار الشجرة الواحدة تكون بالآلاف، أما الرائحة فتستمر يومين أو ثلاثة في المكان الذي توجد به· رغم ذلك لم يعتمد أهالي مسافي على الزراعة وحدها كمصدر للدخل، بل اعتمدوا أيضاً على تجارة العسل الذي كانوا يجمعونه من الكهوف الجبلية الموجودة في جبال مسافي، وكان اشتغال أهالي مسافي بالزراعة وتجارة العسل منذ القدم سبباً في أن تتميز بثقل اقتصادي بالنسبة لغيرها من المناطق المجاورة، حيث نَعِمَ أهلها بالعيش الكريم نظراً لما كانت تدره الزراعة وتجارة العسل من دخول مالية جيدة·
بساطة وجمال
جعل الاستقرار الاقتصادي من مسافي - كما يقول المحرزي - مركزا ثقافيا وحضاريا أيضاً بالنسبة للقرى والمناطق المجاورة، حيث انتشرت بها المدارس الدينية لتحفيظ القرآن الكريم وبعض العلوم الدينية· بل وشهدت ستينيات القرن الماضي إنشاء أول مدرسة نظامية في مسافي قدمت الخدمات التعليمية لأبناء القرية وغيرها من القرى المجاورة· وبرغم الطفرة الحضارية التي شهدتها مسافي بعد قيام الاتحاد، وانتقال السكان من العيش في البيوت الحجرية إلى بيوت حديثة تتوفر فيها كافة المرافق من كهرباء ومياه ووسائل اتصال، إلا أن مسافي لا زالت تحتفظ ببساطتها وبعدها عن مظاهر المدنية الصاخبة من مجمعات تجارية أو مبانٍ شاهقة الارتفاع، وهذا بالضبط سرّ ما تستشعره النفس من صفاء وجمال في ظل الخضرة والمشاهد الطبيعية·
ويضيف: سُميت مسافي لكثرة الماء الصافي الموجود بها· وعندما جاء الإنجليز كانوا ينطقونها بالسين وليس بالصاد، كما أنها ظلت لفترات طويلة المصيف الذي يلجأ إليه سكان الشارقة ودبي وبعض المناطق الأخرى في شهور الصيف، للاستمتاع بطبيعتها الساحرة وجوها المعتدل· ويشير إلى أن كثرة الماء الموجود في مسافي جعلها المصدر الرئيسي لكل الأودية التي تجري على أرض الإمارات، ومن أشهر هذه الأودية: وادي حام الذي يصب في الفجيرة، وادي سيجي ويصب بين رأس الخيمة وأم القيوين في منطقة المدفق على الخليج العربي، وادي العبادلة ووادي الطيبة ويصبان في دبا، وادي الوريعة ويصب في الفجيرة·
كانت مسافي قديماً، والكلام ما زال لعلي خميس، تعج بالغزلان، ومنطقة مربض القريبة من مسافي سميت بهذا الأسم لان الغزلان كانت تربض بها، وعن الحياة في مسافي قديماً يقول: عانىَ الآباء والأجداد ظروف الحياة القاسية، ولكنهم شأن سكان الجبال كانوا أقوياء البنية والشكيمة، واستطاعوا التعامل مع الطبيعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، فكانوا يأكلون ما يزرعون، ويقومون بتربية الماشية كي تلبي إحتياجاتهم من اللحوم، وكان كل أفراد الأسرة يعملون في المزرعة بما فيهم الأم التي كانت تذهب هناك لمساعدة زوجها، وإحضار الطعام منها لتحضيره، بالإضافة إلى اهتمامها بأعمال المزرعة وإطعام الماشية والاعتناء بها، وكذا الإشراف على تجارة الرجل وكافة شؤونه في حال غيابه عن القرية· وكانت المرأة تقوم بواجباتها الاجتماعية من خلال المشاركة في الأعراس والمناسبات التي تقام بالقرية، وهو ما يعني أن المرأة كان لها دور رئيسي في مجتمع مسافي، ولم تكن مسؤلياتها محصورة داخل البيت فقط، وإنما امتدت إلى المجتمع المحلي الذي تعيش فيه، فكانت عنصراً فاعلاً ومتفاعلاً معه· وعن العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة في مسافي، يدعو علي خميس للاقتداء بما كان يفعله الآباء والأجداد من حب وترابط ، فلم يكن لأي طرف من أطراف العائلة أن يتناول طعامه إلا بوجود الأب ووجود كل أفراد الأسرة· ويقول إن الحياة كانت بسيطة وكان هناك درجة عالية من التكافل والترابط بين أهالي مسافي جميعاً، بحيث لو غاب أحد منهم عن أداء فرض من الفروض في المسجد، سأل الناس عنه وذهبوا إليه، وعندما يذهب أحد أفراد قرية مسافي إلى الحج، كان أهل القرية يتولون أهله بالرعاية والاهتمام إلى حين عودته لأن رحلة الحج كانت تستغرق حوالي ثلاثة أشهر، وإذا همّ أحد أفراد القرية ببناء منزل له، فإن الجميع كانوا يساعدون في عملية البناء،
وعن القلعة الموجودة في مسافي، يقول علي خميس إنها أعلى قلعة في الإمارات، وتم تشييدها في هذا المكان المرتفع لأغراض المراقبة وحماية القرية من الأعداء· وهي مبنية من الحصى والحجارة، لكنه يسعى إلى تطويرها وجعلها عنصر جذب لاستيعاب الأعداد المتزايدة من السائحين الذين يرغبون في التعرف على مسافي والاستمتاع بطبيعتها البكر، وبالفعل أقام سبعة شلالات تهبط مياهها من أعلى القلعة، وكل شلال منها يرمز إلى إمارة من إمارات الدولة السبع، كما أنه أحضر إلى القلعة العديد من الأشجار النادرة من مختلف دول العالم لتكون شاهداً على التواصل بين المجتمع الإماراتي والعالم الخارجي، بالإضافة لوجود مغارة كبيرة أسفل القلعة قام بتجهيزها بشكل يسمح للزائرين بالتعرف على ماهية الكهوف والمغارات وكيف استطاع الإنسان التعايش مع البيئة الجبلية· ويشير إلى أن هناك مسعى لإنشاء متحف خاص عن مسافي في القرية التراثية الموجودة هناك، من خلال عرض نحو عشرين ألف صورة شاهدة على تاريخ و تطور مسافي، وكذلك تسجل الزيارات الثلاث التي قام بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ''رحمه الله'' إلى مسافي، والتي أمر خلالها بإنشاء أول ''شعبية'' انتقل على إثرها سكان مسافي إلى العيش في بيوت حديثة مودعين حياة الجبال الصعبة إلى غير رجعة·

اقرأ أيضا