الاتحاد

ثقافة

«توتر السطحي».. «الشارقة وجهة نظر».. وفضاءات تشكيلية رحبة

 من معرض سابق لـ«الشارقة وجهة نظر» (تصوير: متوكل مبارك)

من معرض سابق لـ«الشارقة وجهة نظر» (تصوير: متوكل مبارك)

محمد عبد السميع

يقول الحُلم: حين تُعانقُ بقعة زيتٍ وجه الماء، فإنّ امتداداً لمزيدٍ من التعانق يتجلى على صفحة الماء، هذا الشوق المثير حتماً سيثمر عن ورود وأزهار تطفو مرتاحةً على مركب الماء لتبارك لقاء مدهشاً هيّأته ووفّرت أجواءه عبقريّة الفنان الذي ينثر هذه الأزاهير، محتفظاً بصورةٍ عنها لاستعادة هذا اللقاء التاريخيّ كذكرى محفورة في عالم الذّوق، فنكون مع كثيرٍ من هذه الاستعادات التي يباركها الزوّار وعشّاق الجمال وأنصار الورود والتشكيلات الرائعة التي كانت قبل فترة وجيزة طريحة للغرام والهيام والوجد في منظرٍ رائعٍ ومثير على صفحة الماء.
ويضجّ الواقع كصخرةٍ جاثمة، بأسئلته المباغتة: يبدو أننا كنّا متفائلين جداً مع مشهد لطيف محبب، نظرنا إليه ببراءة الجمال، لا ببراثن القبح، هو منظر تعانق الزيت والماء، كنّا متفائلين باستعارة عالم جميل وإيجابي لا «يتلوّث»، إذ ليس في منظورنا أن يتلوّث الماء!
يعود الحُلم، وهو يعلي من شأن الرومانسيّة قليلاً، بالرغم من إلحاح الواقع: هذه الفرصة لا تكون في الحقيقة إلا خواصّ متقاربة ومسامات لا تلبث أن تذوب، فتنتشر حين يلوذ الزيتُ بالماء وقد لبس أزهى ألوانه، وكأنّه في حفلة عرس أو ليلة زفاف بعد صبرٍ طويل.
هذه الاستعارات في الواقع كان يمكن أن تتم، فلا تكون محض خيال، بل إنّ بإمكان الزوّار أن يتمتّعوا بلقاء تمّ قبل فترة وجيزة من استعادته بلوحة شغوف تتشرّب بكلّ ظمأ كامل المشهد لتقدّمه على طبقٍ من جَمال، وهي تروي حكاية هذا التمازج الذي باركته يد الفنان.
وهذه التفاصيل جميعها كانت ستسرّ الناظرين زوّار المعارض الصيفيّة التي تحتضنها صالات وأروقة مؤسسة الشارقة للفنون، في دعوتها لحضور عرس الزيت والماء، والتقاط صور الذكرى التي يتسابق عليها الضيوف.. كانت يمكن أن تكون مدخلاً جمالياً محضاً، يمكن لنا أن نتصوّره أو أن نعيد تخيّله، ستكون الحالة عندئذٍ حالة ولا أجمل، حالة حلم وأزاهير وسطح ممتلئ بالألوان!
كلّ ذلك كان يمكن أن يكون، لكنْ، هل استعارة القطعة الأدبية أعلاه كقطعة مستوحاة من معرض»توتّر السطحي» (الذي افتتحته مؤسسة الشارقة للفنون ضمن برنامجها لفصل الصيف، وأقيم في الفترة بين 6 يوليو و7 سبتمبر الجاري، في الرواقين 4 و6 في ساحة المريجة، وشارك فيه عدد من الفنانين التشكيليين: راندا معروفي «المغرب»، محمد الفرج «السعودية»، مينام أبانغ «الهند»، دايل هاردينغ «أستراليا»، مير لي «كوريا الجنوبية»، ودالا ناصر «لبنان»، هي استعارة كافية لأن تبقى أعيننا مغمضة على هذا الحلم الجميل، وأيضاً مغمضة عما يدور في خلد الفنانة اللبنانيّة دالا ناصر، وزملائها، من معنىً ربما يكون مستفزّاً ولكن من جهة مقابلة، هي جهة تلوّث الماء وظهور البوادر والمشاعر والأحاسيس كلّها ماثلةً حيّة بمنتهى الوضوح، ليس فقط على سطح الماء ولكن ربما على أسطح أخرى.
هل يكون «السطحي» قد وصل إلى حالة لا يستطيع المكوث عليها دون أن يتوتّر؟!.. هل يكون السطحيّ هو القشرة التي لا ننتبه إليها فنحسبها جامدةً مع أنّ عوالم من الحركة تضجّ بها وتتحرّك خلالها وتنذر بانفجارٍ ما؟
وإذا كانت فلسفة السطح ومفهومه من المنظور الفلسفي تشير إلى الظاهر الواضح أو البسيط غير المعقّد، فهل يمكننا أن نطمئنّ إلى أنّ اختيار السطح كعنوان، «توتّر السطحي» يشير إلى شيء من القلق والعالم المضطرب على السطح، وهو ما يستدعي حلاً أو وقفة تأمّل لما يحدث على السطح.
في الواقع، يمكن للذائقة أن تتفتّق أكثر وأكثر، بحسب قراءتنا لمفهوم السطح في هامشيّته أو كونه وعاءً يحمل أحلام النور والجمال وعليه تتحقق التمنّيات وعلى ظهره تثمر كلّ الدواخل والجوّانيات في ما يمكن أن تتحسسه العيون قبل اليدين وتعيشه الأحلام قبل أن يتغيّر مفهوم السّطح إلى رقعة هامشيّة بغيضة تذكّرنا بالأشياء السلبيّة أو تفتح أعيننا على كلّ ما هو غير جميل، هذه الرقعة هي التي تتحمّل في النهاية فلسفات الفنان ورؤيته وكوامنه وبغضه للأشياء وانتقاده لها وتعريتها أمامنا، لكنْ، بأسلوب لافت هو أسلوب الفن!
لنا أن نعلم في مقاربة واقعيّة ورومانسية أنّ المنطقة التي تتمنّى كلّ الفلسفات أن تصل إليها هي المنطقة التي يقترب فيها الفنان من عالمه الإنساني، وهي منطقة تنافذه على هموم الإنسان ونقله تفاصيلهم، ولا شكّ أنّ مبررات قويّة للفنانة دالا ناصر حين أفصحت عما أسمته «هندسة معماريّة للمشاعر»، لأن تعالج بالفنّ أمرين، الأوّل هو ذلك الارتداد النفسي للزائر المهتم وغير المهتم، الناقد وغير المتخصص، عند رؤية ألوان تُنثر بشكل ربما مستفزّ- بالمعنى الفنّي- لأن تتعلّق بها ذهنية الحضور، فتصل الرسالة من خلال ذلك، وتأسيساً على ذلك، فإنّ فلسفتها المسبقة والرامية إلى «إعادة تشكيل الحواس» هي فكرة جدّاً ذكيّة ولكنّها خطرة وجريئة في الوقت ذاته، بمردودها المباشر على الإنسان، وخلخلة مشاعره في هذا الموضوع أو ذاك، هذه الحواس ستكون مرتبطة بالأمر الآخر أيضاً وهو الشعور بالمأساة البشريّة الناشئة مثلاً من تلوث بحر أو نهر، أو بر أيضاً، كأزمة القمامة التي حدثت في لبنان عام 2015، كما تشير الفنانة التي استدعاها ذلك لأن تنظر بعين فنيّة فتعمد إلى معالجة الخطأ الجسيم لتقرأه من المنظور الفنيّ والنفسيّ الإنساني.
«مجرد بطانيّات نجاة أو ثياب مستعملة تتخللها ألوان عشوائيّة!!» قد يقول قائل، .. لكنّ المعاينة النفسية والفنيّة ستكشف حتماً عن مدى موثوقيّة الفن في جرأته على حواسنا لإعادة ترتيبنا ومشاعرنا تجاه الأشياء.

التفاصيل الجافّة
لنا أن نسأل: هل مهمّة الفن أن ينقل التفاصيل الجافّة تمهيداً لمعالجتها إنسانيّاً؟!.. يحتاج هذا السؤال إلى أن نتعرّف على تقنية الفنانة، وفنانين آخرين، ومدى تركيزها الألوان أو تنميطها أو توزيعها في جيوب البطانيّات، أو مدى القدرة على توظيف التوابل والأعشاب والأصبغة الصناعيّة والطلاء والفحم لخدمة الرسالة المسبقة دون أن تحيف على الفنّ أو تجور عليه، فالفن أيضاً له شروط وقواعد هي مبررة لكلّ هذا الاستفزاز الإنساني أمام ما يدور في ذهن الفنان تجاه هذا الموضوع أو ذاك مما تعيشه الإنسانيّة والدول والشعوب ويقاسيه بنو الإنسان في نهاية المطاف.
إنّ المدخل الذي ندخل من خلاله أو المنظور الذي ننظر منه إلى الأشياء والتفاصيل هو الذي يحدد حالة الحزن أو الفرح أو ما بينهما، يذكّرنا ذلك تماماً بقول أحدهم إن الحب هو مشاعر لاهبة، في حين يقول آخر إنّ الحب ليس غير أحماض تفرزها المعدة استجابةً لأمر ما، فالمقاربة بين الحالتين ربما تكون ظالمة بين الحقيقي والمتخيّل، لأنّ العين لا تودّ في الحقيقة أن تقف إلا على النتيجة دون أن تدرك كثيراً من الخصائص التي تجعل من الأشياء تطفو مرّةً واحدةً على السطح.
يبدو أن الفلسفة تأخذ الإنسان بعيداً، ولكن، قبل أن نطوّف بمفردات المعارض الأخرى، لنفرح بالمقابل مع هذه الذهنية الفنيّة الموفّقة واللمعة الذكيّة التي ظلّت تدور حول حمى الخصيصة الفيزيائيّة المهمّة التي تقول إنّ «التوتّر السطحي»- كعنوان يمكن اقتراحه للحظات- هو التأثير الذي يجعل من الطبقة السطحيّة لأي سائل تتصرف كورقة مرنة، ذلك التأثير الذي يسمح للحشرات بالسير على الماء، والأشياء المعدنية الصغيرة كالإبر، أو أجزاء ورق القصدير من الطفو على الماء، وهو المسبب أيضا للخاصيّة الشعريّة، إضافةً إلى التوتر الواجهي وهو اسم لنفس التأثير عندما يحدث بين سائِلَيْن.
لكنّ «توتّر السطحي»، دون أن نعرّف «توتّر» بأل التعريف، يشير ربما إلى معنى أن يضج السطحيّ بما يحمله أو ينوء به أو يقاسيه، وإذا كان هذا مقصد الفنانة، فإنّ للغة ساعتها دلائل وإشارات، ربما لا تكون بالحلم الجميل الذي قررناه في مستهلّ هذه المقاربة بين عالمين من خلال مفردتي التوتّر والسطح.
لا شكّ أنّ تنافذ النظريّات والتقاءها يسمح بنتاجات إبداعيّة مذهلة، فالفنون والعلوم بنات قربى، وما على العبقرية الإنسانيّة إلا أن تؤلّف بينها فتنتج أطيب الأثر، وإذا ما أخذنا الشكل الظاهري الماديّ كإحساس من وجهة نظر نفسيّة، فإننا ساعتها سنؤكّد جميعاً أنّ للفنون التشكيليّة عوالم ذاتيّة وفلسفات تنطوي على أبعاد إنسانيّة، باعتبار التشكيل من الفنون الحضاريّة التي تقول كثيراً وهي صامتة، إذ لم يعد الشعر، أو الكتابة السرديّة، سيّد الإبداع وحده، بل لقد تسللت فنون الرسم والنحت والعمارة والخزف والفوتوغراف إلى عالمنا العربيّ، ومعظمها كان لدينا في فترات ازدهار الحضارة العربيّة الإسلاميّة، غير أنّنا على اعتبار أننا أمّة شفويّة في كثير من الأحيان كان «القول» لدينا يتفوّق كثيراً على الإبداع الصامت الناطق في الآن ذاته.
لكنْ، يبدو أنّ توتّراً لهذا «السطحيّ» سيكون أيضاً عند الفنانة المغربيّة راندا معروفي المشاركة تحت هذا المسمّى، لكنْ، عن طريق عرض فيلم هذه المرّة يحمل سمات قلقة وبنية تضجّ بالحركة، وهو فيلم «باب سبتة»، حيث عين الكاميرا التي تمسح المتناقضات بمسحة فنيّة في تفاصيل يوميّة مقرر لها أن تكون، وفي نوع من الحنين والذكريات التي تدعونا إلى أن نسلّم للكاميرا ببطولة النّص وهي تتنقّل لتخدم هدف المخرجة في أن تظهر الكوامن فتستبطن العشوائيّات ربّما وتفاصيل البسطاء وتقف على المفرح والأليم في حياة سكان هذا الجيب الذي يضج بحياة كاملة شأنه شأن أيّ منطقة لا يستطيع أهلها أن يكفوا أيديهم عن التشابك والتنازع مع قبضات الحياة القاسية.

البراءة الحزينة
توتّر سطحي من نوع آخر، عالجته النحّاتة الكوريّة الجنوبيّة «ميرلي»، إذ تكثّف هذه الفنانة من التفاصيل الآدميّة بمتناقضي: القبح والبراءة الحزينة، فحتى يثور السطحي أو يتوتّر تعمد النحّاتة إلى منحوتات دالّة بمستخدمات محسوسة ناسبت ما بذهنها من التصميم على تجسيد عمل (الكذابون.. و»أوفيليا»)، مستثمرةً صفائح بلاستيكيّة ومحركات كهربائيّة وخراطيم وزيوتاً وشحوماً وبعض القضبان من الصلب، لنكون أمام لوحة سرياليّة الجزء الأول فيها هو «الكذّابون» فيما الجزء الثاني هو»أوفيليا»، وأوفيليا هنا هي حبيبة «هاملت» في المسرحية المشهورة، ليتكشّف في تفاصيل المنحوتة الرائعة كلّ القبح والجمال البريء الحائر الحزين، فتبدو المنحوتة ضاجّةً بتراكيب مدفوعة ميكانيكيّاً وتتكون في غالبيتها من أشكال من لحم ودم وأشلاء قاسية وسوائل لزجة، لاستكناه واستبطان العوالم الوجوديّة الغريبة.
لا نزال مع ثورة للسطحي أو توتّر له من نوع آخر، وهو عمل الفنان الأسترالي دايل هاردينغ في أصباغه الصفراء التي تكتنز بالرغبة والإفصاح عن التواصل مع أراضي أسلافه وأقربائه من جهة والدته، ليستكشف صلةً ربطت أجيالاً عديدة بالمكان الشاهد على حياة بشرية قبل 19500 سنة على أقلّ تقدير، في أحد المواقع التي وُجد فيها الفن الصخري، إضافةً إلى حقبة تاريخيّة حديثة حفلت بالعنف الاستعماري الأوروبي وعزلة سكان أستراليا الأصليين.
وتبرز مفردات السكوت والحنين إلى التاريخ والمعاناة من عنف المستعمر والشعور بالعزلة كمواطن أصيل، باعتبارها محفّزات قويّة وموضوعيّة وعناصر تظلّ تضطرب لتطفو على السطح نحو المزيد من التوتّر، فقد لا يعبأ كثيرون بما مضى من حقب التاريخ أو بالصلات ما بين الأجيال أو بشؤون السياسة، غير أنّ الفنان الأسترالي هاردينغ عرف كيف يوظّف بالفن كلّ هذه المشاعر التي جعلت من السطحيّ يتوتّر في نهاية المطاف.
ويتضّح توتّر السطحي في محاولة فهم الفنانة الهنديّة مينام أبانغ مقاصد أساطير شرق الهند، لتعيد تفسيرها، كفهم للعلاقة بين البشر والبيئة، باستخدام قلمي فحم عريضين على قطعة قماش، لتقدّم لوحتي «بحر» و«تغيير جذري»، وهو ما يوفّر للفنانة طريقةً لتحرير التجربة من موقع محدد واستكشاف استمرارية التجربة التي تحملها معها في كلّ مكان.
وربّما تكون العلاقة بين البشر والبيئة علاقة لا يهتم بها غير قطاع المتخصصين، لكنّ الفنانة ابنة الهند مينام أبانغ ندبت نفسها لفهم هذه العلاقة، مبديةً حيرةً أمام تأويل أساطير بلادها في المنطقة الشمالية الشرقيّة من الهند، ولذلك فليس غريباً أن نكون أمام حالة من توتّر السطحي أو الهامشي لنشعر به كما تشعر به الفنانة الهنديّة ولكن عن طريق الفن.
«توتّر السطحي» التالي الذي يشارك به الفنان السعودي محمد الفرج من خلال إعادة تخيّله ممارسة مستقلّة لما يتيحه كلّ مجال من مجالات عمله وحياته من إمكانيات، إذ يحمل الفيديو التركيبي الذي يقدّمه عنوان «صوفيا»، والذي سُمي تيمناً بأول روبوت ينال الجنسية السعودية، لينسج الفنان صوراً متباينة للبشر والنباتات والحيوانات والذكاء الاصطناعي، مقارباً دور الأخير في تشكيل مسؤوليتنا الأخلاقية نحو الوعي المتزايد بأشكال الحياة.

اكتشاف جديد لـ»السطح»
لأنّ فكرة السطح يمكن أن تتباين قليلاً وتتفق في الروح في هذه الأعمال، نحن على اكتشاف جديد لـ«السطح» كواجهة ديناميكية بين الفنانين ومحيطهم، لاستحضار كلّ الارتباطات مع الأفكار غير المهمة، أو اليومية، أو السريعة، أو السطحية، فالأعمال في هذا المعرض تلعب على هذه الارتباطات من أجل إظهار المعرفة والعلاقات والإيماءات غير الرسمية وتوسيعها، والتي قد تبدو عادية أو تافهة للغاية، بما يتيح المجال أمام البصيرة الجمالية أو الابتكار الاجتماعي الملهم.
فكرة السطحي، إذن، ترقّت بأعمال هؤلاء الفنانين إلى درجات في خانة«المهم»، بل المهمّ جداً، فهي ترقيات مقنعة ووجيهة من وجهة نظر الفنانين الذين يشعرون بما نظنّه تافهاً، ويولون ما نعتقد بوضاعته أكبر الأهميّة، ويحزنون لنسياننا في هذه الحياة كثيراً مما كنّا نعيشه ففقدناه، إنّها التفاصيل الدقيقة التي لا يرقى إليها سوى الشاعر الحالم والفنان الملهم، وكلاهما وضع الحياة بمعناها الدقيق دون مواربة أو تجاوز للمراحل، ويظلّ الفنان عظيماً بطروحاته الإنسانيّة ورؤيته المركّبة التي تحتاج أذهاناً تتلقاها وقلوباً تفرح بها أو تحزن لأجلها، نحو فهم تفصيلي وشامل لهذه الحياة التي نعيش بكلّ ما فيها من تناقضات أو فرح أو أحزان.
ولذلك فإننا حين نحتضن معارض للفنون الإنسانيّة من كلّ دول العالم، نكون قد عملنا على التلاقي الحضاريّ في ما نؤسسه من بيناليات أو ملتقيات للفن التشكيليّ، لنتيح خلالها للاتجاهات الفنيّة والمدارس القديمة والحديثة لأن تقع تحت عين الهواة والمحترفين والزوّار والشباب والروّاد والمهتمين.
وإذا كان التنبيه على «السطحي» وغير الملتفَت إليه هدفاً رئيساً للأعمال المشاركة، فإنّ فكرة تلاقي الثقافات واجتماعها في الشارقة هو هدف نبيل ومهم جداً، فعلاوةً على تكامل مفردات معرض»توتر السطحي» وما يغلفه من فلسفة وتأويلات، يشارك أيضاً الفنان العالمي آندرو ستال بأوّل معرض له في الشرق الأوسط، في محاولة لتقوية التفاعل بين الثقافات في معارض عديدة في أوروبا وآسيا وأميركا، بما يعرضه من لوحاته التصويرية الكبرى التي تعود إلى سبعينات القرن الماضي، فضلاً عن منحوتاته التي كان أنجزها في بيئتها الأصلية. يضاف إلى هذا كلّه أنّ مشاركةً واسعةً للمصورين الفوتوغرافيين المحليين والدوليين جاؤوا يقدّمون بها مقارباتهم الفنيّة الخاصّة في جوّ من التفاعل والفرح والتعرّف على التقنيات والإنجازات الجديدة في مجالهم وفي المجال الفنّي قيد العرض، كما أنّ مشاركة فناني «توتّر السطحي» إلى جانب الفنان أندروستال، تضاف إليها النسخة السابعة من معرض»الشارقة وجهة نظر» التي تقام في ساحة المريجة حتى السادس من أكتوبر، وتشهد مشاركة واسعة للمصورين الفوتوغرافيين المحليين والدوليين الذين يقدمون مقاربتهم الفنية الخاصة.
كلّ هذه التجاذبات الإنسانيّة ما كان لها أن تتم لولا وجود عين إداريّة واثقة من ثمرة الاجتماع على أرض الشارقة وفي مؤسساتها، برعاية صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فمؤسسة الشارقة للفنون واجهة حضاريّة مهمّة بما تقدّمه من معارض وبرامج تثير الذائقة الجمالية والتآلف المجتمعي، مثلما تدعم تلاقي الأفكار وتقرّب بين الثقافات، من خلال فناني هذه الثقافات المتميّزين والجادين، كما تقول سمو الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، وكما يظهر من آراء الفنانين والحضور الذين يفرحون حتماً بهذه الفرصة وهذه السانحة الفنيّة التي سُنحت لهم لهذا اللقاء الحضاريّ الكبير، حيث عملت المؤسسة عبر مسيرة طويلة على مواكبة المتغيرات التي طرأت على الفنون المعاصرة، واستطاعت عبر برامجها المتنامية، وعروضها المحلية والدولية، أن تسهم في صياغة المشهد الفني الراهن.
إنّ المؤسسة التي تركز على أنماط مختلفة من الفنون، يغدو عملها مهماً وضرورياً لتعريف الجميع بهذه الأنواع، خاصة وأنه ينطلق من الشارقة عاصمة الثقافة، بما فيها من تنوع ثقافي، وفني وفكري تتبناه على كل المستويات، وهو ما يحتاجه الجمهور الآن، حيث تعطي هذه المعارض على اختلافها الجمهور العام غير المتخصص خلفية معرفية تُمكنه من متابعة رؤية فنان معين أو وجهة نظره التي يطرحها من خلال فنه، بالإضافة إلى تعريف الجمهور بالفنانين الذين رحلوا وتركوا إرثاً فنياً كبيراً مما يعد تكريماً لهم.

معارض الشارقة.. تثقيف وتنمية لذائقة الجمهور
هذا الاحتكاك الحضاري الذي تتيحه الشارقة، يؤكّده الفنان التشكيلي الدكتور محمد يوسف، الذي يرى أن مؤسسة الشارقة للفنون تعطي الفرصة للجمهور للاحتكاك بالفن الحديث، الذي يخرج عن المألوف، وأنّ هناك العديد من المؤسسات تقدم الفن التقليدي، ولكنّ المؤسسة بقيادة سمو الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، تبذل الكثير من الجهد لخدمة الجمهور.
ولأنّ العمل الفني المؤسس في الشارقة يهدف أيضاً إلى التثقيف، فإنّ المعارض الصيفية التي تنظمها مؤسسة الشارقة للفنون تسهم بشكل كبير، كما يرى الفنان التشكيلي محمد كاظم في تقليل الفجوة الموجودة بين العمل الفني المعاصر والجمهور. وسبب هذه الفجوة، كما يرى، هو عدم تعرض الجمهور بشكل مستمر إلى هذا النوع من الفنون، مع عدم وجود دراسة أكاديمية في المراحل العمرية المبكرة، ولذلك فإنّ وجود المعارض الصيفية التي تهتم بالعرض البصري، وورش العمل في آن واحد، يعمل على تنمية الذائقة الفنية للجمهور العام.
هذا القول، تؤكّده الفنانة التشكيلية الدكتور نجاة مكي، في إشادتها بالمعارض الصيفية لمؤسسة الشارقة للفنون، باعتبارها أخذت على عاتقها تقديم الثقافة للجميع، سواء المقيم أو المواطن، ليطلع على مختلف أنواع الفنون وخاصة الحديثة منها، فضلاً عن أن المؤسسة لديها برنامج مُنظم للمعارض والورش، وزيارات لفنانين عالميين أو عرب، وكذلك بالنسبة للمواطنين.

اقرأ أيضا

معرض فردي للفنانة لورا شنايدر في جامعة نيويورك أبوظبي