الاتحاد

ثقافة

شاعر هولندا التسعيني ريمكو كامبرت وأعماله الكاملة.. أتضوَّر جوعاًً إلى يد محبَّتكِ

 كامبرت يقرأ إحدى قصائده في حفل تكريمه لبلوغه التسعين عاماً

كامبرت يقرأ إحدى قصائده في حفل تكريمه لبلوغه التسعين عاماً

ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد

في الثامن والعشرين من شهر يوليو الماضي، وتحت أضواء مسرح ضخم بالعاصمة الهولندية أمستردام، ترجّل عجوز في بزّته الأنيقة متوكّئاً على عصاه صاعداً سلّم المسرح، قبل أن يجلس بصعوبة وسط تصفيق الحاضرين! لم يكن الرّجل المحْني سوى شاعر هولندا الكبير «ريمكو كامبرت»، ولم يكن الحفل الضّخم إلا احتفالاً بوصوله سن التّسعين، كآخر الشّعراء الكبار الأحياء من جيل الخمسين، الجيل الذي حوّل مسار الشِّعر الهولندي المعاصر، في واحدة من أكثر حركات إحيائه وتجديد دمائه حيويّة وعنفواناً على الإطلاق.
ولد ريمكو كامبرت بمدينة لاهاي في 28 يوليو 1929، وكان والده يان كامبرت (1902-1943) شاعراً وناشطاً ضد الاحتلال النازي لبلاده خلال الحرب العالمية الثانية، فيما امتهنت والدته جوكي بروديليت التمثيل المسرحي بنجاح، وقد انفصل والداه وهو في سن الثالثة من عمره، وبدأ كامبرت يعيش لدى أبويه المنفصلين لفترات زمنية متعاقبة، حتى جاءت الحرب العالمية الثانية واحتل الألمان هولندا، وأُلقي القبض على والده من قبل النازيين، بسبب مساعدته لليهود على الهرب من المعتقلات ومحارق الغاز، وتوفي يان كامبرت في ظروف غامضة في معسكر اعتقال «نيونغامي» بألمانيا في العام 1943.

موت الأب وروح الشاعر
مأساة موت الأب الغامضة لم تغادر روح الشاعر الشاب أبداً، وظلّ كامبرت الابن يستدعي والده المقتول في عدد من قصائده الأولى، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقل ريمكو مع والدته إلى العاصمة الهولندية أمستردام سنة 1945، وهناك عاش فترة مراهقة غنية بزيارات نوادي موسيقا الجاز وارتياد دور السينما، وكانا العاملين الأوليّين في تشكيله شاعراً من طراز خاص في الوسط الثقافي والأدبي الهولندي المعاصر. ومع بلوغه عامه السابع عشر سنة 1946، بدأ كامبرت مشواره مع الكتابة. وفي العام 1950، حين بلغ عامه الـ21، أسّس مع صديقه الشّاعر والكاتب الهولندي رودي كوسبروك (1929- 2010) المجلّة الأدبية «براك». وفي العام 1951، أصدر كامبرت مجموعته الشّعرية الأولى «الطّيور تطير رغم ذلك»، ثم انتقل للعيش في العاصمة الفرنسية باريس أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، على غرار الكثير من الفنانين والكتاب الهولنديين الآخرين.
كان كامبرت أحد أبرز الشّعراء الهولنديين الذين عرفوا فيما بعد باسم «جيل الخمسينيّات» أو «الخمسين»، الجيل الذي قدّم كتابة مختلفة عن الأجيال السابقة عليه، من باب التمرّد عليهم تارّة، ومن باب خلق لغة جديدة تارّة أخرى، في سبيل إحياء اللغة الهولندية التي كانت قد تكلّست وذهب بريقها. وأغلب هؤلاء الشُّعراء تكوّنت رؤاهم الإبداعية والفنية في ظلّ الحرب، وبدأوا يقدّمون أشعارهم وقصائدهم التي تواكب العصر الذي يعيشونه من حيث الشكل والمحتوى. وبعيداً عن علاقات الصداقة التي ربطت بين هؤلاء الشعراء من جيل الخمسين في هولندا وبلجيكا، نستطيع القول اليوم إنّ ما وحّد بين هذه المجموعة المتنوّعة من الكُتَّاب والشُّعراء، لم يكن سوى معارضتهم للتقاليد الأدبية التي كانت لا تزال سائدة في الشِّعر المكتوب باللغة الهولندية في فترة ما بعد الحرب، ما دفعهم إلى تقديم بدائل لغوية غير معتادة، وربما كان كامبرت أكثرهم تطرفاً في نزوعه إلى البساطة والمباشرة والرّغبة في اللعب الفني.

صوت متفرد
تميّزت قصيدة كامبرت عن قصائد مجايليه من الشُّعراء والكُتَّاب الهولنديين والبلجيكيين (الذين يكتبون باللغة الهولندية)، بسرعة ملاحقتها للعصر الذي ولدت فيه، فإذا كان كامبرت في بداياته أوائل عقد الخمسينيّات من الذين تأثّروا في قصائدهم بموسيقا الجاز، وبالروح الطليعية التي عاشها في باريس، ما ترك أثراً واضحاً من التمرّد واللهجة الحادة في قصائده الأولى، فإنّه أبقى على المزيج الخلّاب من السّخرية والأمل في قصائده خلال عقد الستينيّات؛ السّخرية التي نمت ببطء، نتيجة كتابته للمقال الأسبوعي في الصحف الهولندية على مدار عقود كاملة من دون توقّف، والتي تسلّلت شيئاً فشيئاً إلى أشعاره، ومنذ سنوات التسعينيّات اتخذ شعر كامبرت منعطفاً جديداً، وأصبح أكثر انعكاساً للحياة اليومية والتفاصيل الحياتية التي تحيط به.
ونستطيع اليوم، وبعد مرور ما يربو على الـ70 عاماً على صدور المجموعة الشعرية الأولى لريمكو كامبرت سنة 1951، أن نعدّد أبرز مجموعاته الشِّعرية التي صنعت منه أحد أهم شعراء اللغة الهولندية قاطبة، ومنها: «بصحبة رجل وفأر»، «البيت حيث كنتُ أعيش» 1955، «في الارتفاع وفي الدنو» 1959، «هذا ما يحدثفي كلِّ مكان» 1962، «أزمنة أفضل» 1970، «مسرح» 1979، «مشاهد في فندق موراندي» 1983، «ثلاث قصائد منسيّة»، «أيام أمستردام»، «الحريّات السبع» 1984، «زملاء» 1986، «عندما رأيتك» 1988، «فوتوغرافيا الشارع» 1994، «مراراً وتكراراً» 2004، «ثمانية رسوم مائية» 2006، «ذكريات جديدة» 2007، «صوت قديم» 2011، «الوردة» 2012، «نور حياتي» 2014، «على طول الرصيف» 2016، وغيرها.
منذ مجموعته الشِّعرية الأولى «الطّيور تطير رغم ذلك» (1951)، قدّم ريمكو كامبرت إلى القارئ الهولندي ما لم يكن قد تعوّد عليه بعد في عالم الشِّعر؛ لغة بسيطة تكاد تقارب اللغة اليومية التي يتحدّثها الناس في الشوارع والطرقات، بعيدة عن معاظلة الشُّعراء من محترفي اللعب بالكلمات العتيقة الرنانة. وقد انحاز كامبرت في قصائده إلى الدراما والمفارقة الفلسفية والحسّ الإنسانيّ البسيط، فرصد المشاهد اليومية في المقاهي ووسط الأصدقاء والمحبّين، كمن يروي قصصاً ولكن بطريقة شعرية.
حتى في إسهاماته القصصة والروائية والمقال اليوميّ، لم يبتعد ريمكو كامبرت، وطوال رحلته الطويلة مع الكتابة، عن اللغة البسيطة المباشرة في أحيان كثيرة، وهو ما ساعد على انتشار أعماله الأدبية وسط فئة كبيرة من قراء اللغة الهولندية، وعجّل بظهور بعض أعماله الروائية والقصصية مجسّدة على شاشة السينما، وهذا ما حدث مع روايته «فتاة العصابات»، التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي هولندي في العام 1965، ومع مجموعته القصصية «كلّ يوم حفلة»، التي سجّلتها شاشة الفن السابع في فيلم يحمل العنوان ذاته سنة 1967.
وفي 2004، فاجأ ريمكو كامبرت محبّيه بروايته الشهيرة «حبّ في باريس»، ثم أعقبها بعامين بتحفته الروائية «قلب من الساتان» (2006)، وفي هاتين الروايتين قدّم كامبرت قصّتي حبّ ولكن من زاويتين مختلفتين، ففي «حبّ في باريس» يحاول رجل في الستين تذكّر قصة حبّ عاشها في شبابه، جاهداً في استعادة شكل حبيبته من ذاكرته، مدوناً كلّ شيء عنها قبل أن تجرفها أمواج النسيان، وفي «قلب من الساتان»، يكتب كامبرت عن رسام عجوز يحترف رسم بورتريهات للعجائز وكبار السن في بيوت المسنّين، مدوِّناً ملامحهم قبل أن يذيبها الموت في عتمة القبور.«الشاعر الكبير» بـ«لام» التعريف
كامبرت الذي يُعتبر اليوم أحد أكبر شعراء اللغة الهولندية، قامةً وسنّاً، لم يبخل على الكتابة الإبداعية بنوع أدبيّ ما، فكما كتب الشِّعر والرواية والقصة القصيرة والمقال الصحفيّ، على مدى ما يزيد عن نصف قرن بعقد ونصف، كتب أيضاً سيناريوهات للسينما وكتباً للأطفال، إلا أن الحركة النقدية الهولندية، وعلى خلاف نظرتها إلى الكثيرين من مجايليه، الذين بدأوا شعراء ثم انتهوا روائيين، لا تزال تنظر إلى ريمكو كامبرت باعتباره «الشاعر الكبير» بـ«ألف لام» التعريف.
وفي حوار ثري أجرته معه كاتبة سيرته الذاتية مريام فان هينجل قبل أيام، يبرر كامبرت عدم توقفه عن الكتابة طوال مشواره الطويل مع الأدب قائلاً: «أكتب لكن ليس كثيراً، نادراً ما أكتب. لكن عدم الكتابة على الإطلاق غير ممكن. لقد انتهيت للتوّ من مجموعة شعرية جديدة، قصائد قصيرة جداً. الشِّعر يأتي دائماً ومن جديد، وهذا هو الشيء الأهم بالنسبة لي. أود حقاً كتابة رواية. لكن على أية حال أنا اليوم في التسعين، لا ينال المرء كل شيء. وأيضاً لا يمكنني التوقف عن الكتابة مجدداً».
أما الكتاب الذي سيفرض نفسه علينا اليوم، ونحن نحتفل مع الأوساط الأوروبية ببلوغ شاعر هولندا الكبير ريمكو كامبرت سن التسعين، فسوف يكون أعماله الشعرية الكاملة، والتي أصدرتها دار نشر «ده بازيخه باي» الهولندية الشهيرة، بالتزامن مع الاحتفال بعيد ميلاده التسعين، وقد اخترنا ترجمة القصائد التالية، في محاولة لتقديم ريمكو كامبرت الشّاعر إلى القارئ العربي:

الشِّعر
أوّل أمس كانت الحرب
بالأمس أيضاً
وحتى يومي هذا
يومي
الذي لم يعد لي وحدي

يطوف المال جهات العالم
ليموّل نفسه
بالحرب

لا يصحّ للحرب أن تحمل اسمها
لذلك تغيّره إلى «دفاع»

الشِّعر هو الأجمّة
التي سوف أختبئ خلفها
عندما يأتي الجنود
داخل دبّاباتهم الهادرة.

(من مجموعة «صوت قديم» 2011)
................................................
حلزون
ليلة بكاملها
جوار صديقي الذي يحتضر
يعلو شخيره وسط غمغماته
فأعانق جسمه الضخم
وأنا أمسّد شعره

لم أكن أريد مغادرته
لكن كان هناك شيء ما
شيء منه ومنِّي:

الحياة
تلك التي يجب عليّ
أن أطاردها
كأثرٍ لامعٍ لحلزون
فوق أسفلت الليل.

(من مجموعة «فوتوغرافيا الشّارع»،
أمستردام 1994)


ملاحظة
سجِّلها بسرعة
قبل أن أنسى:
في السّيارة الآن مع D وN
عبر مواسم أميركا
أشعّة الشمس ضبابية في سانتا باربرا (*)
الثلوج الرطبة تتمرّغ في دنفر (**)
وفي جميع فنادق Best Westerns
ضوء التلفزيون المشعّ على وجهها الناعس
حين يعيدها شابّة من جديد.

لكن كتابة الكلمات
غيّرت ما لا يجب عليّ نسيانه:
ما لم يكن يملك كلمات
كان صورة حية تتنفّس
لذلك أملك الآن نسختين عنِّي
أستطيع أن أضعهما اليوم فوق بعضهما بعضاً

ولكن
غداً عندما أموت
وحدها الكلمات المهملة
ستتحوّل إلى علامات تستحضر شيئاً
شيئاً بعيداً
لم تره عين من قبل.

(أمستردام 2007)
* سانتا باربرا «Santa Barbara»: مدينة بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية.
** دنفر «Denver»: مدينة وعاصمة ولاية كلورادو بالولايات المتحدة الأميركية.
................................................
أشجار
الشتاء بارد كالعادة
المياه التي تصبح ثلجاً
ثم تعود من جديد مياهاً
دون أن يعترض أحد
الأشجار التي لم يخدعها ضجيج سيارة
تمرق في الجوار
وقطط أربع نائمة
فيما خطأ ما يطوّف في الخارج
والتفكير في رحلة لمغادرة هذا البلد
في كلّ ما هو أنتَ
وفي كلّ ما جعل منَّا
ما نحن عليه

إنها يد
تلك التي لم يسمحوا لي
ببترها

من بين أصوات الكثير من الناس
صوتك هو الوحيد البشريّ
الذي يعرف كيف ينمو الحزن بطيئاً داخل الأشجار
تغذِّيه التربة
حتى تشيخ فروعها
وتموت على حوافّ الغابات
أو الحدائق النجسة.

يا للأشجار
تموت واقفة
كأبطال حزانى.

من مجموعة «في الارتفاع وفي الدّنو» (1959)
.........................
ملاحظات متجوّل في الشّوارع
إلى الصحفي H.J.A. Hofland
1- خروج
فقط سأخرج قليلاً
فلم أعد أجني شيئاً من هذا العمل.
سوف اتّجه اليوم يميناً
هناك الكثير لرؤيته في هذا الاتجاه.
إنهم مثلاً يزيلون قضبان الترام
أستطيع الوقوف هناك
والتفرّج.

2- نيّة حسنة
المشي مباشرة
الحفاظ على بطنك
وعلى ردفيك كذلك
الكتفان إلى الخلف
ذراعاك تتأرجحان جوار جسدك
ولا تنظر هكذا
بفظاظة.

3- أخبار
بالكاد أعرفه
لكنه أطبق على طيّات صدري بالقرب من ميدان «لايدس»:
«هل سمعت؟ يان تيمّان (*) وصل النهائيات، عظيم ها»؟
وبعنف دار حوله بعينيه
كمن يبحث عن آخرين
ليحكي لهم الأمر ذاته.

(*) يان تيمّان «Jan Timman»: لاعب شطرنج هولندي عالمي.

4- قراءة المسألة
شخص ما يجلس في ترام 5
هذا الذي سأدعوه شابّاً:
أنيق الملبس
معطف بطوق من الفراء
حذاء بلون باذنجانيّ
مع جوارب بداخله
يتصفّح مجلة Story (**)
كلّما قلب صفحة
أصدر شهيقاً حادّاً
حتى توقّف أخيراً عند عنوان عريض:
«سحْر الحظ جلب للعشّاق
السّعادة الزوجية».

(**) مجلة Story: مجلة بلجيكية تهتم بفضائح الفنانين.

5- على شرفة المقهى
- «موت جميل..
هو كلّ ما أتمنّاه الآن»،
قال العجوز على شرفة المقهى

- «ولكن هناك الكثير من الأشياء الرائعة التي يعاش لأجلها»،
قالت المرأة ملتفتة إلينا.

- «أنا مثلاً مجنونة بالقشدة
ذوّاقة حقيقة».
ومن حقيبتها أخرجت علبة قشدة
لتضيف بعض قطراتها
في فنجان قهوتها الفارغ.


6- في المقهى (1)
- «أنا كالصّخور الصّلبة، كالصّمغ،
يمكنك الاعتماد عليّ»
يقول الرّجل المرح بأمانة
ومعطفه ملقى على كتفيه

إنها بعد الظهيرة في المقهى.
يمكنك أن ترى ذلك بوضوح
فالناس لا يثقون به
بوصة واحدة.

7- صداقة
عليك ألّا تعبث بالصداقة
تماماً كما يجب ألا تلمس لوحة
انتهت للتوّ.


8- في المقهى (2)
- «لديَّ أذنان مثل أبواب التّاكسي».
يقول رجل سمين بشكل استثنائي

لابدّ أنه يقصد شيئاً مجازياً
حيث لم نلحظ شيئاً مختلفاً على أذنيه

ولكن..
ما بال قدميه
صغيرتين وجميلتين هكذا!

9- هولندا
السّابعة والنّصف مساء،
ما كلّ هذا الزّحام الغريب..
هل حدث شيء ما؟
أووه لا.. إنها ليلة السّوق المسائي!
الرعب يجمّد الدّم
في عروقي.

10- القراءة في الشّارع
العَدْو في الشّارع وأنتَ تقرأ
لم تعد ترى هذا كثيراً هذه الأيام.

لو فعلتُها من جديد
فسوف أعدو في الماضي.

ليس هناك إذن زحام في المرور
أسمع موسيقا الراديو تأتي من شبّاك مفتوح

فتاة في فستانها الجديد
تحتكّ بي
أثناء مرورها جواري

والكتاب الذي أقرؤه
يحمل عنوان «الليالي» لجيرارد ريف (*)
وقد
«صدر للتوّ».

(من مختارات شعرية بعنوان «شاعر»، أمستردام (1995.
(*) جيرارد ريف «Gerard Reve»: كاتب هولندي (1923 - 2006).
عام الاعتصام «مقاطع»
كان ذلك في عام الاعتصام
اضطجعت المدينة مثل مريض يحتضر
وطارت أحلام العصافير المحمومة
في الأفق باتجاه الجنوب
والآن تتدفّق الجموع نحو الشّوارع
كانوا أكثر من جائعين: لقد سئموا الحرب
قادتهم يلوّحون بشعاراتهم
فيما نحن نتساند بالمحبّة
بعضنا على بعض.

كان ذلك في عام الاعتصام
نصارع الحجر لأجل الخبز الذي أحببناه
ونحن نتجوّل في «متنزّه الأمراء» سابقاً
نجلس تحت تماثيل الماضي
رماديّون مثل شتاء فرَّ كحَمَامٍ من تقويمه
وتسلّل إلى ملابسنا
باحثاً عن ربيع الحبّ
الذي فاح من جلودنا.

كان ذلك في عام الاعتصام
تخمّرت المدينة كشراب الجعة
وأحاطت التلال بالناس والحيوانات
تناثر الخلق في الشوارع كأنّهم دموع
وقطّبت المدينة جبهتها
وهي تصرّ على فكيها
حتى ترنحت الكنائس
فالناس يريدون أن يعيشوا في سلام.

كان ذلك في عام الاعتصام
عندما سكنَّا أبرد غرفة في المدينة
لا أكتب خطابات للقرّاء
لأنّني بعتُ آلتي الكاتبة
كنت أتضوَّر جوعاً إلى يد محبَّتك
تلك العامرة التي لم تبخل أبداً
سحرنا آذاننا بتمزّق ورق الحوائط من أثر التّصفيق
الذي جعل من غرفتنا الباردة
مسرحاً دافئاً
...
كان ذلك في عام الاعتصام
عمّال يجرون بين المناطق السكنيّة،
وأمّهات قلقات مع أطفال ملفوفين في أوشحتهنَّ
يغلقن كتب الرعاية المنزلية يائسات
بعد أن أمطر الرّصاص الجميع
وقتل ابن إحداهنّ
وزير الإسكان يفتتح أحد المباني البنكيّة
والشُّعراء أصبحوا صحفيّين
في تونس انفجر جسر من السّكك الحديدية
وتشكّك الغرب:
فتلك مهمّته.

كان ذلك في عام الاعتصام
امتلكنا حبّاً سهلاً
كنَّا واقعيين حتى الثّمالة
مثل ممرض يمسك ميكرو..سكوباً
أحببت وظيفتي أكثر من إتقاني لها
وكنتِ المثال الحيّ في تنفيذ مهمَّتِكْ
تقيِّدين العضلات الفتيّة
وفمك عميق كفلسفة
كلّ شيء عاش حتى تاريخ مولدك
في وثيقة سفرك

كان ذلك في عام الاعتصام
في أبرد غرف المدينة التي سكنّاها
حيث سألنا النّاس الخبز والسّلام
وجعلنا منها أرضاً خصبة للمحبّة

كان ذلك في عام الاعتصام
في قرن الاعتصامات
وعلى الناس أن تأخذ العبرة.

 

اقرأ أيضا

ماجدة نصر الدين تنتشل طائر البومة من الشؤم!