الاتحاد

ثقافة

تعدّد دلاليّ لمعنى الجمال.. نزعة تجميل العالم

الاتحاد

الاتحاد

بقلم: إيف ميشو
ترجمة: أحمد حميدة

«الجمال مبثوث في كلّ مكان»
إنّ ما يتبادر للذّهن، حين نتحدّث عن الفنّ وعن علم الجمال، هو أنّ الفنّ وثيق الصّلة بالجمال، فيما يرتبط علم الجمال بمعرفة الجمال، ومع ذلك نلاحظ أنّ الجميل في الفنّ قد تعايش دوماً مع أوجه أخرى من المعرفة، ذلك أنّ الجليل والقبيح والمرعب والمنفّر.. هي مفاهيم تحيلنا هي الأخرى على أوجه محدّدة من تلك المعرفة، ولكنّها تستدعي لا محالة المعجم اللّغويّ الخاصّ بالفنّ. قد يكون شريط سينمائيّ ما مزعجاً ومضجراً ومستفزّاً، ولا يمنعنا ذلك من أن نرى فيه عملاً جميلاً.. رائعاً. لعلّنا كنّا سنحظى ببعض المتعة لو كان ثمّة في تاريخ الفنّ أزمنة منذورة للجمال، وأزمنة موهوبة لتجارب أخرى مختلفة. والحقيقة أنّ كلّ الأشياء متشابكة، ولو اقتصرنا على مثال أوحد، فقد يبدو لنا الجمال الكلاسّيكيّ للنّحت الإغريقيّ، الذي طالما تمّ تمجيده والاحتفاء به، غريباً في ضوء المظهر الصّاخب للألوان المتعدّدة المستخدمة يومذاك.

تناغم.. دقّة.. خيريّة أخلاقيّة
وللجميل تعدّد دلاليّ عميق، يتراوح بين تعريفات أربعة كبرى: تعريف يقترن فيه الجميل بالتّناغم والتّناسب، وآخر بجانبه النّفعيّ والوظيفيّ، وثالث ببعده الغيريّ الأخلاقيّ والخيريّ، ورابع بما يتيحه من متعة وبهجة وسعادة.
والجمال بوصفه حالة من التناسب، يتعلّق مبدئيّاً بما يمكن أن ندعوه بالمثاليّ الكلاسّيكيّ، في صيغته الإغريقيّة خاصّة. ولم يكن هيغل ليجانب الصّواب حين رأى في الفنّ الإغريقيّ انتصاراً للجمال، وذروة أدركها الفنّ سوف يميل بعدها إلى التّراجع والانحدار. أمّا أفلاطون، فقد عرّف الجمال على أنّه حالة من الانسجام والإحكام الدّقيق، قد يشبه من حيث صرامته.. تناسب الأعداد، ولكنّه لا يقتصر فحسب على مثل ذلك التّناسب، طالما أن ذلك الإحكام الدّقيق قد يقوم على التّكرار أو على توازن في قلب وحدة كليّة.
وقد يكون للتّناسب، الذي نتحدّث عنه هنا، بُعد وظيفيّ، وفي هذه الحالة يصبح الشّيء الذي نقوم بتثمينه متلائماً مع الاستعمال الذي يكون مسخّراً له، فقد تبدو لنا الآنية الفخّاريّة جميلة متى كان استعمالها مناسباً، دون أن نكون بحاجة إلى إثقالها بمفردات زخرفيّة، وبهذا المعنى يصبح بالإمكان تحديد جماليّة الشّكل باعتبار الوظيفة التي يؤدّيها. غير أنّنا سرعان ما سنواجه مسألة المظهر الخارجي للإمكانيّة الوظيفيّة: فما يبدو مناسباً قد لا يكون بالضّرورة كذلك، كما أنّ ما يبدو مناسباً قد لا يكون بالضّرورة جميلاً. والتطوّر الحديث لهياكل السيّارات في اتّجاه توحيد أشكال ديناميكيّتها الهوائيّة لمثال جيّد يشهد على التّباين بين البعدين الوظيفيّ والجمالي..
أمّا التّعريف الثّالث للجمال، فإنّه يقرن هذا الأخير بأبعاده الخيريّة الأخلاقيّة. فنحن نقدّر حقّاً كلّ عمل بطوليّ، ونبتهج بكلّ حكاية تحتفي بالمحبّة. ففي المأدبة، كان أفلاطون قد بيّن العلاقة بين تعقّب الجمال من ناحية والسّعي وراء الخير من ناحية ثانية. إنّ الطّبيعة «البكر» غير الموشّاة لبناء عصريّ، كما رونق تركيب هندسيّ، لتتناسب وهذا التّعريف للجمال وتضفي على الأثر الفنّي قيمة تكاد تكون أخلاقيّة. وإنّه لمن النّادر أيضاً ألاّ تساهم مشاهد الفضيلة، واستعراض المشاهد الرّقيقة في السّينما في إسباغ قيمة إضافيّة على الأفلام.
يأتي أخيراً الجانب الرّابع، ذلك الذي يقرن الجمال بالمتعة التي يمنحها، والتي تشكّل تجربة محوريّة في الفنّ، ونعني بذلك في آن.. متعة الخلق الفنيّ ذاته، ومتعة التّجربة الجماليّة. ويبدو توفّر ذلك الجانب أمراً بديهيّاً، طالما أنّ الفنّ يستجيب إلى حاجة كامنة فينا يعمل على إرضائها، ولكنّه يبدو أكثر إرباكاً من الجوانب الأخرى، بالنّظر إلى أنّ كلّ متعة تكون خاضعة لإعداد خاصّ قد تغدو مُجمّلة فحسب. فأنّى ألقينا ببصرنا وبحسّنا، أدركنا أنّنا بإزاء معايير تنطبق بشكل دقيق على جملة من الوضعيّات: فيلاّ ذات رشاقة إيطاليّة بالنّسبة للتّناغم والانسجام، أداة حرفيٍّ بالنّسبة للوظيفيّة، قصّة حبّ بالنّسبة للجمال الأخلاقيّ، وطبق شهيّ بالنّسبة للمتعة.. ومع ذلك.. يُقحَم في عالم الجمال هذا ما قد لا يستهوينا ولا نرغب فيه: سلسلة من العمارات العصريّة، مكنسة كهربائيّة نموذجيّة، عمليّة احتيال «رائعة»، أفلام رعب.. هكذا يغدو الجمال متفلّتاً، وندرك فجأةً إلى أيّ مدى يكون ذلك الجمال مرتبطاً بالتّقاليد وبالأعراف الخاصّة بكلّ ثقافة، بكلّ زمن، أو بتقدير كلّ مجموعة بشريّة له.

فنون بلا جمال
يُقدَّمُ لنا الفنّ المعاصر، خاصّةً في القرن العشرين، على أنّه فنّ تخلّى عن الجمال، ونكون قد انتقلنا معه من طور «الفنون الجميلة» إلى طور «فنون خالية من الجمال». والحال أنّه منذ نهاية القرن 18، وفي الوقت الذي سعى فيه مفكّرون ونقّاد أوروبيّون كثر إلى بناء النّظريّة الجماليّة لتحديد صورة الجميل على نحو أبلغ، ما انفكّ هذا الجميل يغدو أكثر تعقيداً وإرباكاً، لتنضاف إلى ذلك بعض المفاهيم الأخرى، مثل مفهوم الجليل الذي بات ينازع الجمال مكانته الأصليّة، وفي ذات الوقت انكشفت أبعاده الأخرى بكلّ غموضها والتباساتها، وأضحى الانسجام كما الوظيفيّة والخيريّة الأخلاقيّة، وحتّى المتعة.. كمعايير للجمال، محلّ تفحّص ومساءلة ونقد، لتغدو تلك المعايير أحياناً محلّ رفض - أو تأويلات تغيّر بطريقة كليّة طريقة استيعابنا لها- مثلما حدث مع التّكوين التشكيلي «الكلاسّيكيّ مثلاً»، الذي غدا تكعيبيّاً أو إيمائيّاً.
وليس ثمّة هنا من قطيعة مع الجمال، وإنّما تفاقم لتعدّد معانيه وانتقاد لأعراف استحالت شيئاً فشيئاً إلى عقائد راسخة. فحينما سعى كانط في الفقرات الأولى من «نقد القدرة على التّحكيم»(المتعلّق بالجمال والغاية) إلى تحليل المتعة الجماليّة، مميّزاً إيّاها عن المتع الحسيّة أو الفكريّة، أو عن تلك المرتبطة بتلبية حاجات أخلاقيّة، يكون بذلك قد جازف منذ البداية بتقريب تجارب مختلفة، يمكن أن نضفي عليها أيضاً بعداً جماليّاً. وللردّ على التحدّي المعاصر، قام البعض بتشخيص حالة تلف لشيء اسمه «الجمال»، مقارنةً بوضعيّة الجمال في أزمنة عتيقة لم يكن خلالها الفنّ قد انفصل بَعدُ عن التّجربة الإنسانيّة. ويبدو أنّ العصر الحديث بات يسهم في التحرّر من «أوهام» تلك التّجربة.

غواية وهواجس
كلّ ذلك يفسّر استمراريّة الخطاب عن الجمال، في الوقت الذي يبدو فيه هذا الخطاب غير ملائم بالنّسبة لأشياء تعدّ مستفزّة أو مبتذلة، ذلك أنّ الخطاب عن الجمال هو خطاب دائم الحضور، بل لعلّه قد بات اليوم أشدّ حضوراً من أيّ وقت مضى، حين نرى الهوس بعلم الجمال كمنهاج، واتّخاذه شكل تأمّلات تتناول بالدّراسة عظمة الأعمال الفنيّة، قيمتها، ثبات تمشّياتها الفنّيّة، وقدرتها على الانتقال من طور الجمال إلى طور الجلال.. فمن تيودور أدرنو إلى آرثر دانتو، ومن كليمانت غرينبارغ إلى ديفد سيلفاستر أو هارولد روزنبارغ.. ما انفكّ الجمال يعمر ذلك الخطاب. وممّا قد لا يسترعي اِنتباهنا بالقدر الكافي هو أنّ الجمال يتعقّب أيضاً فنّ القرن العشرين، متّخذاً أشكالاً فنيّة لم تكن مقبولة بالقدر الكافي، أو أنّها ظلّت محلّ استخفاف.
ففي مجال الفنّ، الفنّ بتفخيم الفاء، استمرّ الجمال يمارس غوايته على الفنّانين، وخاصّة فنّاني الزّمن السّوريالي، ولنذكر في هذا المجال الجمال «المتفجّر الثّابت» الذي ينبثّ من أعمال أندري بروطون. ولعلّه من الأساسيّ أيضاً تقدير غواية الجمال التي يشهد عليها إنتاج الصّور، من إدوارد ستيشين وألفراد ستيغليدز إلى ريشارد أفيدون أو روبير مابّل ثورب.. مروراً بمان راي. ثمّ.. ماذا عسانا نقول غن غواية هولّيود بمثل هذا الجمال؟...
إنّ هذا التّعديل الأخير للرّؤية وتزايد الوعي برحابة المجال الفنيّ في القرن العشرين، تسهم لحسن الحظّ في تصويب التّشخيص الكارثي، وربّما الرّجعي، الذي ذهب إلى أنّ الفنون الحديثة «فنون خالية من الجمال»، لأنّ الجمال غداً بكلّ بساطة متعدّد الأبعاد، ولأنّه كامن حيث لم نتعوّد البحث عنه: في عالم الموضة، في المجموعات الإثنوغرافيّة، في العالم الطّبيعيّ، في المجموعات الجيولوجيّة والحيوانيّة.

لطخة عمياء
إنّ الفكرة التي أقدّمها هنا لا تقرّ بوجود جمال متعدّد الأبعاد فحسب، بل هي فكرة أكثر صرامة، يكون الجمال وفقها حيّزاً خاوياً أو لطخة عمياء، تمنح للمشاهد متعة ليست جماليّة، ولكنّها مجمّلة. ويتّسق هذا الطّرح مع تغيّر في الإشكاليّة يوصي به فلاسفة مثل نيلسون غودمان، أرتور دنتو أو جورج ديكل، حين ابتعدوا عن البحوث العقيمة حول الطّبيعة الأصيلة للفنّ وللجميل.
غير أنّنا.. نلاحظ في نفس الاتّجاه نموّاً متسارعاً لمثل هذا التجميل، نموّاً بات أحاديّ الاتّجاه، لم يعد ثابتاً، وإنّما طليق ومتحرّر من القيود كما يقرّ بذلك كانط. وكان هذا الأخير يعني بـ «الجمال الطّليق»، ذاك الذي يكون منفصلاً عن التصوّر الذي يقرّ بتناهي المادّة، والذي لا يكون فيه الجمال متماسكا إلاّ متى كان شديد الارتباط بوظيفة تلك المادّة. وقد نعترض على مثل هذا موقف، لنعتبر أنّ جمال الأعمال الفنيّة الرّائعة ذاتها، كالأعمال المعروضة في المتاحف، تشكّل في الحقيقة جمالاً متماسكاً: إنّ غائيّة المادّة كموضوع للفنّ هي التي تحدّد طبيعة الجمال والمتعة التي يوفّرها لنا. فينبغي للجمال الطّليق حينئذ أن يكون قابلاً للفصل عن كلّ موضوع محدّد.(...)، والحال.. أنّ جودة مثل ذلك الجمال الطّليق هي التي تسهم اليوم في انتشاره في عالمنا عبر تجميل كليّ لحياتنا.

نسق معمّم
في نفس الوقت، وفيما تغدو الأعمال الفنيّة مولّدة لتجارب مختلفة وأدوات لإنتاج أشكال متجدّدة من الجمال داخل المتاحف أو في عالم الفنّ، تصبح الحياة برمّتها خاضعة لنسق تجميل معمّم. لقد باتت القيم الجماليّة تتحكّم أكثر فأكثر في أحكام النّاس، حول سلوكات كثيرة مثل النّظافة (الشّكل)، واللّباس (الموضة)، والمحيط (التّصميم)، والجمال الجسمانيّ (جمال الجسد، الرّياضة البدنيّة، الجراحة التّجميليّة)، بل طال ذلك التحكّم حتّى السّلوكات الأخلاقيّة والسّياسيّة. إلاّ أنّ الموقف الجمالي يميل إلى أن يصبح معياراً مثاليّاً لأنماط الحياة، خاصّةً عبر ما يشهده من تعميم في المجال السّياحيّ. هكذا يتحقّق تجميل للعالم يطال الأشياء التي ينتجها، أي تلك الخاصّة بالمحيط وبأسلوب النّاس في الحياة.
لقد بات «الجمال الطّليق» يجتاح العالم، فيسهم في تلوينه دون الالتحام بأيّ من أجزائه. ولا يعني ذلك البتّة أنّ العالم غدا بصورة جوهريّة أكثر جمالاً. لقد أصبح هذا العالم حافلاً بجمال ينظر فيه لكلّ شيء بأسلوب جماليّ أو مجمّلٍ : طريقة اللّباس والتفكير والسّلوك والتصرّف وتقييم الأشياء.. إنّه انتصار للجمال «الكليّ الحضور»، فلم تعد كلمة «جمال» حينئذ لتعبّر عمّا هو جوهريّ في عمليّة الإبداع الفنّي، لأنّها باتت تطلق على كلّ ما هو قابل للتّجميل.

نسج الخيال
ماذا لو كان الجمال المثاليّ الذي يروّج له الإشهار وتعمل على إفشائه الموضة.. مجرّد وهم؟ ذلك هو على ما يبدو ما تريد أن تقوله لنا هذه الصّورة («الجمال الحسود» لـ برنار بينانت) التي تبدو وكأنّها من نسج الخيال العلمي

تحليل صادم
يتطرّق الفيلسوف الفرنسي إيف ميشو في هذا المقال إلى مفهوم الجميل في الفنّ، لينتهي إلى استنتاج مذهل عن الفنّ في الزّمن الذي نعيش.. تحليل قد يصيب قارئه بصدمة جماليّة حقيقيّة.

 

اقرأ أيضا

«الناشرين الإماراتيين» تبحث آفاق تطوير صناعة النشر في الدولة