الاتحاد

دنيا

ابن جني فارس النحو والصرف

إبن جني (رسوم: عصام طه)

إبن جني (رسوم: عصام طه)

ابن جني كان إمام النحو والصرف، ومن أعلم العلماء بالأدب وعلوم العربية، وصاحب التصانيف الفائقة المتداولة في اللغة، وأقر له بالصدارة ولقبوه بالقطب في لسان العرب، وإليه انتهت الرياسة في الأدب.
ويقول الدكتور محمد متولي منصور - أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر - ولد أبو الفتح عثمان بن جني بالموصل واختلف في تاريخ مولده وأرجح الأقوال سنة 322 هـ، وذكرت كتب التراجم أن أباه كان عبداً رومياً مملوكاً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي.
وتلقى دروسه الأولى في الأصول والحديث والفقه وعلوم اللغة العربية والقراءات بمسقط رأسه على مشاهير علمائها، فأخذ النحو على يد الإمام أحمد بن محمد الموصلي الأخفش، وكان من علماء المدرسة البصرية في اللغة، وذكرت المصادر التاريخية أن ابن جني صحب الإمام أبا علي الفارسي أربعين سنة، وكان السبب في صحبته له أن أبا علي دخل الموصل فمر بالجامع وابن جني في حلقة يقرأ النحو، وهو شاب لم يتجاوز عمره سبع عشرة سنة، فسأله أبو علي الفارسي عن مسألة في التصريف فقصر فيها ابن جني، فقال له أبو علي: “زببت وأنت حصرم”، فسأل عنه فقيل له: هذا أبو علي الفارسي، فلزمه وسافر معه إلى بغداد فاستوطنها.
كما لازم المتنبي وصحبه مدة طويلة وقرأ عليه ديوانه ثم شرحه بعد ذلك ونبه على معانيه وإعرابه.
وعكف على دراسة النحو والتصريف، ولكنه برع في الصرف، وعندما مات شيخه أبو علي الفارسي تصدر مجلسه ببغداد يجري في كتبه ومباحثه على أصول المدرسة البصرية أسوة بأستاذه، وذاع صيته وشهرته في الأدب وعلوم اللغة العربية، وعرف بغزارة علمه وسعة أفقه وفضله وورعه والأخذ عن كافة المدارس العلمية، وتتلمذ عليه وأخذ عنه الثمانيني، وعبد السلام البصري، وأبو الحسن السمسمي، وأبناء أخي الحاكم البويهي.
جمع ابن جني إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر وبراعة الأدباء من جزالة اللفظ وبلاغة الأسلوب وجماله، قال عنه الثعالبي: “إليه انتهت الرياسة في الأدب”، وقال الباخرزي: “ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات، وشرح المشكلات ما له، فقد وقع عليها من ثمرات الأعراب، ولا سيما في علم الإعراب”، وقال ياقوت الحموي: “واعتنى بالتصريف، فما أحد أعلم منه به، ولا أقوم بأصوله وفروعه، ولم يحسن أحد إحسانه في تصنيفه”، وكان المتنبي يجله ويقول فيه: “هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس”.
براعة الأدباء
وعرف ابن جني بغزارة الإنتاج، فأغنى التراث العربي بمجموعة كبيرة من الكتب اللغوية والأدبية النفيسة منها “التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله السكري”، و”سر الصناعة”، و”تفسير تصريف المازني”، و”شرح المقصور والممدود لابن السكيت”، و”تعاقب العربية”، و”تفسير ديوان المتنبي الكبير”، و”تفسير معاني ديوان المتنبي” و”اللمع في العربية”، و”مختصر التصريف” المشهور بالتصريف الملوكي، و”مختصر العروض والقوافي”، و”الألفاظ المهموزة”، و”المتقضب”، و”تفسير المذكر والمؤنث ليعقوب”، و”المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات”، و”تفسير أرجوزة أبي نواس”، و”تفسير العلويات”، وهي أربع قصائد للشريف الرضيّ كل واحدة في مجلد، و”البشرى والظفر”، و”رسالة في مد الأصوات ومقادير المدات”، و”الوقف والابتداء”، و”الفرق”، و”المعاني المجردة”، وغيرها من المصنفات التي أفاض أئمة اللغة وأصحاب التراجم، قديماً وحديثاً، في الثناء عليها، ومدح نهجه في كتابتها فشهدوا له فيها بالاستقصاء وعمق التحليل، وبالتوفر على تدقيق الموضوعات واستيفائها حقها من التتبع والتمحيص والعرض واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات، وأقر له العلماء بالصدارة في كثير من تصانيفهم.
أشهر مصنفاته
يعد كتابه “الخصائص”، من أشهر مصنفاته وهو مؤلف موسوعي في خصائص اللغة العربية وفلسفتها ومشكلاتها، تناول فيه أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، واتبع منهج الحنفية في أصول الفقه لدراسة العلل النحوية، وقسمه على اثنين وستين ومئة باب، تبدأ بباب القول على الفصل بين الكلام والقول، وتنتهي بباب في المستحيل وصحة قياس الفروع على فساد الأصول، كما اشتمل على أبواب مهمة تتعرض لقضايا الفرق بين الكلام والقول، والبحث في أصل اللغة، وأظهرت مسائله سعة معرفته وتبحره في علوم العربية نحوها، وأصواتها، وإعرابها، ودلالاتها، واشتقاقها، وتراكيبها، وعروضها، وقراءاتها، ونقدها، وخصائصها. وقد أهداه لبهاء الدولة البويهي. واحتفى به العلماء وطلبة العلم وطبع في الشرق والغرب وتقرر تدريسه في المعاهد العلمية. وتوفي الإمام ابن جني - رحمه الله - في بغداد، سنة 392 هـ.

اقرأ أيضا