الاتحاد

تقارير

أوباما ومخاطبة العالم الإسلامي عبر تركيا

موقف تركيا من حرب غزة يربك علاقتها مع أميركا

موقف تركيا من حرب غزة يربك علاقتها مع أميركا

وعد الرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية القيام برحلة إلى دولة مسلمة خلال الأيام المائة الأولى لإدارته، ليثبت أنه جاد فيما يتعلق بتخفيف حدّة التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي· وإذا قرر الرئيس تحقيق وعده هذا، يتوجب عليه أن يفكر جدّياً بالقيام بتلك الزيارة إلى تركيا· طالما كانت هناك بين الولايات المتحدة وتركيا شراكة طويلة ترتكز على المصالح المتبادلة في احتواء الشيوعية أثناء الحرب الباردة وفي تقوية الأمن الإقليمي والديمقراطية في حقبة ما بعد الحرب الباردة· إلا أن التوتر بدأ مؤخراً يشوب هذه العلاقة ويهدد تلك الشراكة على مستويات متعددة·
يصف ''فيليب جوردن'' و''عمر تاسبينار''، وهما عالِمان من معهد بروكنجز، في نشرة صدرت مؤخراً، كيف أوجدت خلافات رئيسية في السياسة حول العراق وأرمينيا وقبرص وإسرائيل، معوقات خطيرة أمام العلاقات الأميركية- التركية· وقد ساهمت هذه الخلافات في تشجيع عدم الثقة بالولايات المتحدة داخل تركيا، بحيث وصلت في السنوات الأخيرة الى أدنى درجاتها، وهو ما تدلل عليه استطلاعات الرأي العام، كتلك التي أجريت ضمن مشروع ''وجهات النظر العالمية'' لمؤسسة ''بيو''، الذي يقيس الدعم العام الشعبي للدول بشكل منفرد تجاه الولايات المتحدة وسياساتها· كذلك ساهمت في ارتفاع معدلات الوطنية والانعزالية، إضافة إلى تشاؤم المؤسسات التي تعتبر عادة أنها مقرّبة من الولايات المتحدة، الأمر الذي ينتج عنه تداعيات غير مباشرة على الدعم الشعبي لعمليات الإصلاح التركية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي·
وقد كانت الضغوطات الناتجة عن الحرب العراقية ضخمة، وخاصة فيما يتعلق بالمنظور العام في تركيا للدعم الأميركي لحكومة إقليمية كردية مستقلة في شمال العراق، والتي أوجدت خوفاً وكراهية بين الأتراك، لأن حزب ''العمال الكردستاني'' شن حركة انفصالية عنيفة خلال العقود القليلة الماضية· ورغم أن العلاقات تحسنت عندما وافقت إدارة الرئيس بوش على العمل مع تركيا لمحاربة الإرهاب الصادر عن حزب ''العمال الكردستاني'' داخل الحدود العراقية في أواخر عام ،2007 إلا أن الرأي العام بقي ممتعضاً من الولايات المتحدة فيما يتعلق بغزوها للعراق·
إضافة إلى ذلك، فإن الضغط الداخلي في الولايات المتحدة لإصدار قرار في الكونجرس يدين تركيا في ملف الأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى قد ساهم بمزيد من العزل للأتراك، إلا أنهم يناقشون أن العنف كان متبادلاً كذلك· وهم يسعون لإنشاء هيئة دولية مستقلة لتقرير ما إذا كانت الأحداث وقتها تشكل قتلاً جماعياً، وهو أمر يرفضه معظم الأتراك·
وقد برز توتر شديد بين الدولتين مؤخراً فيما يتعلق بالحرب الإسرائيلية في غزة، فقد تحدث رئيس الوزراء التركي، الذي عمل جاهداً في السابق لبناء سمعة بكونه وسيطاً صادقاً في الشرق الأوسط من خلال الإشراف على المناقشات بين إسرائيل وسوريا، تحدث وبشكل متكرر ضد الأعمال العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على غزة· وقد وصل الأمر حدود خروجه من حوار في المنتدى الاقتصادي العالمي أواخر يناير المنصرم، عندما شعر أردوجان أن منسّق الحوار لم يسمح له بالرد على تعليقات للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز·
تقع العلاقات التركية- الإسرائيلية، التي كانت جيدة تاريخياً، تحت الاختبار، الأمر الذي يدق إسفيناً آخر بين تركيا والولايات المتحدة، التي أصدر مجلس النواب فيها قراراً يدعم إسرائيل أثناء النزاع الأخير·
ويتساءل البعض في تركيا عما إذا كان يتوجب على الدولة أن تبقى ملتزمة بشراكتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، بدلاً من أن تفضّل علاقات أقرب مع لاعبين آخرين في المنطقة· وتتواجد هذه المشاعر أحياناً بين هؤلاء الذين يشعرون بالغضب تجاه سياسات الولايات المتحدة، ويرون انعدام الاحترام من قبل الغرب بشكل عام·
ورغم هذه الخلافات الأخيرة، يتوجب على إدارة الرئيس أوباما أن تتذكر أن الديمقراطية في تركيا، رغم عيوبها، أثبتت أنها من الأكثر نجاحاً وبقاء في المنطقة· وإذا قام الرئيس أوباما بمخاطبة العالم الإسلامي من وسط التجمع الوطني التركي الكبير في أنقرة بشكل مبكر، فإن إدارته بذلك سترسل إشارة على أن الولايات المتحدة ملتزمة بتشجيع الديمقراطية والتسوية في المنطقة· وقد يحقق هذا الكثير باتجاه إعادة تنشيط الشراكة بين الولايات المتحدة وحليفتها المسلمة، منذ فترة طويلة· كذلك سوف يرسل هذا رسالة إيجابية إلى الديمقراطيات الناشئة في المنطقة مفادها أن الولايات المتحدة، والتي توصف أحياناً وحتى يومنا هذا بأنها ''تجربة'' في الحكم الديمقراطي، تدعم بشدة وثبات الانتخابات الحرّة والحكومة والحكم التمثيلي على أنه السبيل الأكثر شرعية نحو القانون·
يتوجب على أوباما أن يثبت أنه يقف وراء سعي تركيا لتحقيق ديمقراطية تمثيلية معمّقة ومستقرة، ملتزمة بالازدهار والحرية لجميع مواطنيها· إضافة إلى ذلك فإن مخاطبة بقية العالم الإسلامي من على هذا المنبر سوف تجسّد بداية تغيُّر إيجابي بين الولايات المتحدة والمنطقة·

ليام هاردي
باحث متخصص في الشؤون التركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كومون جراوند

اقرأ أيضا