الاتحاد

تقارير

أميركا.. تتراجع على مقاييس الحرية

يمكن للمنتقدين الكثيرين لمنظمة «فريدوم هاوس» أن يشعروا أخيراً بالشماتة: فقد وجهت المؤسسة البحثية أسلحتها صوب الولايات المتحدة في تقريرها لعام 2018 عن «الحرية في العالم» فقد: «جلب العام الماضي المزيد من التآكل السريع للمعايير الديمقراطية الأميركية أكثر من أي وقت مضى، مما أضر بمصداقيتها الدولية كمدافع عن الحكم الرشيد وحقوق الإنسان». وأضاف التقرير أن «المؤسسات الأساسية» في أميركا «تعرضت للهجوم من قبل إدارة ترفض قواعد السلوك الأخلاقي المعمول بها في العديد من المجالات».
وقد تم استخدام مؤشرات «فريدوم هاوس»، استناداً إلى قائمة مفصلة من المعايير التي تصف مؤسسات الدولة، على نطاق واسع في الأدبيات الأكاديمية، عندما يلزم وجود مؤشر كمي موثوق به للحرية والديمقراطية. ولكن العديد من الأكاديميين كانوا لفترة طويلة يطعنون في فكرة أن تلك المؤسسة البحثية تعمل بشكل مستقل عن الحكومة الأميركية، التي تمول معظم عملها.
وفي عام 1988، كتب «نعوم تشومسكي» و«إدوارد هيرمان» أن المنظمة «كانت لفترة طويلة تعمل كذراع دعاية فعلية للحكومة واليمين العالمي». وفي عام 2010، كتب «دييجو جيانون» من جامعة ساليرنو أنه «بسبب سلطتها المتزايدة، نجد أن مفهوم الحرية أعيد تعريفه من خلال ظهور النيوليبرالية». وبالنسبة لـ«أندريه تسيجانكوف»، من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، و«ديفيد باركر»، من كلية كينجز في لندن، فمنظمة «فريدوم هاوس» إنما «تعكس أولويات السياسة الخارجية لجماعات بعينها داخل المؤسسة الأميركية. ومن بين هذه الجماعات، تبرز النخب الأمنية مع قناعات المحافظين الجدد». وفي عام 2012، أوضح «نيلز ستاينر» من جامعة «ماينتس» أن منظمة «فريدوم هاوس» تميل عادة إلى تقييم حلفاء الولايات المتحدة باعتبارهم أكثر حرية من الدول الأخرى.
بيد أن تراجع الولايات المتحدة نفسها بعدة مستويات طرح حزمة أخرى من علامات الاستفهام. وقد سجلت أميركا الآن نتيجة إجمالية بلغت 86 (تشير إلى درجة الحرية والديمقراطية) -أي أعلى بنقطة واحدة فقط من بولندا، التي يحكمها حزب القانون والعدالة غير الليبرالي وهو يدير وسائل الإعلام المملوكة للدولة باعتبارها منفذ الدعاية الخاصة بها، ويعمل على جعل نظام المحاكم تحت سيطرة الحكومة. والولايات المتحدة الآن أقل حرية وديمقراطية من لاتفيا، التي كانت تعد واحدة من الدول الأكثر فساداً في أوروبا، حيث من الممكن فصل المعلمين، وفقاً لـ«فريدوم هاوس» نفسها، بسبب «عدم ولائهم» للدولة! وأغلبية كبيرة ناطقة بالروسية لا تتمتع بحقوق الجنسية. وإذا استمر الاتجاه الحالي، فستتجاوز منغوليا أيضاً الولايات المتحدة في الترتيب في وقت قريب أو بعيد.
وفي عام 2016، حصلت منظمة «فريدوم هاوس» على 24.8 مليون دولار من ميزانيتها التي تبلغ قيمتها 29.7 مليون دولار من المنح الفيدرالية الأميركية. وأن تشعر بالراحة وهي تنتقد بقسوة الرئيس الأميركي الذي يشتهر بأنه لا يتحمل النقد، فهذا يعد شهادة على مدى الحرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة حقاً (وهي بالتأكيد أكثر حرية من بولندا). بيد أن هذا أيضاً يمكن أن يعتبر أحد أعراض أزمة الهوية الأميركية.
وتشكو منظمة «فريدوم هاوس» مما تعتبره انسحاباً لإدارة ترامب من الصراع العالمي من أجل الديمقراطية. ولكن هل تستطيع أميركا أن تقود هذا النضال بشكل موثوق في الوقت الذي تتراجع فيه مكانتها هي نفسها على مقياس الحرية، كما ظهر، في تقييمات «فريدوم هاوس»، منذ عام 2010 -أي منذ الولاية الأولى لباراك أوباما؟
وفي عهد ترامب، بالطبع، تراجع القبول العالمي للقيادة الأميركية إلى أدنى مستوياته منذ أن بدأت مؤسسة «جالوب» قياسه في عام 2007. ويأتي القبول العالمي للقيادة الأميركية في مستوى أقل بكثير من ألمانيا، وتقريباً في نفس مستوى الصين وروسيا. ولا عجب أن الاختلافات في النماذج الصينية والروسية للحكم تكتسب شعبية في العالم النامي: فهي أسهل بكثير في التأسيس والحفاظ عليها من صعوبة النموذج الألماني.
والسؤال: لماذا يتعين على الولايات المتحدة، بدرجتها التي هي في منتصف الثمانينيات على مقياس «فريدوم هاوس»، أن تلعب دون غيرها دور المعزز للديمقراطية العالمية في الوقت الذي حصلت فيه دولة أخرى هي فنلندا على 100 على نفس المقياس.
وبطبيعة الحال فلدى الولايات المتحدة قوة أكبر وفرص واسعة لإظهار قوة ناعمة أكثر من أي من الدول الأخرى التي حصلت على ترتيب أعلى في تصنيفات الحرية. ولكن إذا كان من الممكن اتباع قياسات «فريدوم هاوس»، فإن الاتحاد الأوروبي، الذي تأتي 23 دولة من دوله في مرتبة أعلى أو مساوية للولايات المتحدة، يجب أن يتولى دور المعزز للديمقراطية والمروج لها على صعيد عالمي.

* كاتب روسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا