الاتحاد

ثقافة

أيَّام الهروب من أنفاق المغارة في الانكا

جانب من جبال الانكا الشاهقة التي تضم كهوفاً مظلمة

جانب من جبال الانكا الشاهقة التي تضم كهوفاً مظلمة

ثمَّة مغارة في قمة هذا الجبل الواقع في مكان ما من سلسلة جبال الأنديز، لتدخل تلك المغارة لا بدَّ أن تسير في طريق خطير ضيق على شفا جرف، إذا نظرتَ إلى الأسفل سترى بحيرة تكوَّنت بفعل الأمطار الموسمية في فوهة البركان الذي خمدَ منذ أكثر من أربعين عاماً· كان عليَّ أن أجتاز هذا الطريق الوعر الضيق وحيداً لأصل إلى مدخل المغارة، الدكتور فرانك كريتشر عالم الآثار الأميركي المرموق سبقنا إلى داخل المغارة، وها هو ذا ينادي بمزاجه المعكر دائماً على مساعديه الشباب، نادى على إدوارد الذي يتولى أمر الإضاءة، ومن ثم على مانويل وانتوني وهما شباب طلاب علم وباحثون عن الشُّهرة والمجد، ربما وعن الكنوز، لكنهم يعملون تحت إمرة الدكتور كريتشر في هذه البعثة الاستكشافية بحثاً عن كنوز الانكا·
شرق أوسطي!
الدكتور كريتشر متعجرف، عصبي المزاج على الدوام ربما أكون أنا أحد أسباب مزاجه المعكر لأنني رافقتُ فريقه البحثي رغماً عنه، تحدَّثتُ إليه لأكسر جبال الجليد التي حالت بيننا، حاولت أن أُبرر وجودي، وأن أقنعه بأنني لن أظهر بأي طريقة ضمن فريقه البحثي أمام العالم، قلتُ له: إنني أتفهَّم سبب خشيته من أن أكون ضمن فريقه، خصوصاً أنني رجل شرق أوسطي ومسلم، فقلتُ له أن لا يخشى أي شيء من جهتي؛ فهدفي مختلف عن أهدافه، إنني لا أبحث عن الشهرة، ولا عن المجد، ولا عن الكنوز، إنني أبحث عن المغامرة، وعن اكتشاف شيء جديد وعالم جديد· وهنا ثارت ثائرته؛ فلقد اعتقد أنني أسفِّه وأقلل من عمله المهم، ومن الجهد الذي يبذله من أجل الإنسانية، ومن أجل العلم· يبدو يا دكتور إأننا لن نصل إلى تفاهم مشترك في رحلتنا هذه، لكنني أحاول أن أقدِّم المساعدة هنا، هكذا قلتُ له، وانسحبت من أمامه، ولذلك كان دخولي إلى المغارة وحيداً، فأعضاء الفريق يخشون من غضبه إذا رآهم يتحدَّثون معي، فهو يعتقد أننا نضيع وقتاً ثميناً·
دخلتُ إلى المغارة رغم خشيتي من الأماكن المغلقة والمظلمة، لكن لم يكن أمامي خيار آخر· الإضاءة ضعيفة جداً لأنها تأتي من مصابيح يحملها الدكتور كريتشر ومساعداه، العين البشرية معجزة فهي تتأقلم بسرعة على ضوء المكان وتتعوَّد عليه، فتتمكَّن من تمييز الأشياء·
ثمة شعور يخالجني بأن هناك حشرات ضخمة تتخذ من هذه المغارة ملاذاً، ربما عناكب ضخمة مخيفة· جعلت تلك المخاوف قشعريرة تسري في جسدي، وشعرت بالبرد بالرغم من أن الجو الخارجي حار رطب، لكن ثمة تيار فيه نسمة باردة يتسرُّب إلى هذا الكهف المظلم البارد· إذا أصغيت جيداً فربما تسمع فحيحا أو خريرا، لكن أنتوني قال: إن ذلك أوهام في رأسي ليست أكثر·· وضحكَ هو وبقية الشباب قائلين: إن ذلك من تأثير الأفلام الأميركية· قلت ساخرا: ليس الأمر مضحكاً·
دهاليز وأشباح
في مدخل المغارة يوجد ما يشبه الغرفة الكبيرة في نهايتها دهليز، علينا أن نسلكهُ بعد أن ربطنا أطراف حبال في بعضنا البعض خشية أن يتوه أحد منا كما قال الدكتور كريتشر·
سنسلك في هذه الدهاليز المتصلة التي ربما توصلنا الى شيء ما، الدليل ماريو موراليس يقول إن قلة سلكوا هذا الطريق ولم يعد أحد منهم· موراليس هذا خفيف الظل ويتذاكى أحيانا ويحاول أن يضللنا أو يخيفنا بقصصه الخرافية التي يختلقها كلما سُأل عن شيء أو معلومة، لكنه لا يجرؤ على فعل ذلك أمام الدكتور كريتشر الذي بدا ثقيل الظل طوال هذه الرحلة·
بينما كنّا ننحدر نزولاً في هذا الدهليز الذي تتفرع منه أنفاق ضيقة، قال موراليس: إن هناك أشباحاً تسكن هذه المغارة وهي في الواقع حرس على كنوز الانكا، ولذلك لم ينج أحد من الباحثين عن الكنوز، تلتهمهم هذه الأشباح أو الأرواح، إنها أرواح محاربي الانكا·
صرختُ بصوت يشبه الأصوات التي تظهر في أفلام الرُّعب لأضفي على كلام موراليس موسيقى تصويرية مخيفة، وقلت له: إذا كنتَ تصدِّق مثل هذه الخرافات، فلماذا وصلتَ إلى هنا؟ ألا تخاف من هذه الأرواح؟ ولكن الدكتور كريتشر أشار إلينا، اسكتوا لا تزعجوا سُكَّان المغارة····
بدا الدهليز طويلاً ومظلماً ومتعرجاً تشوبه الرطوبة والعطن أحياناً بسبب روائح الكبريت التي تتسرَّب من فوهة البركان الخامد في الجوار، الدهليز يتجه باتجاه أسفل الجبل، لكن ضوءًا خافتاً يظهر في نهايته، فجأة بدأت الأرض تهتز من تحت أقدامنا وبدأت الحجارة تتساقط علينا من سقف المغارة، وفارت الأرض من تحت أقدامنا مفرزة بخاراً ساخناً رائحته كريهة، كان كل شيء ينذر بالخطر، وخشينا أن تتهدَّم علينا المغارة ونُدفن تحتها أو أن يثور البركان ونحن في هذا العمق من هذه المغارة والصعود أصعب من النزول!· اكتشفنا أننا وصلنا إلى مستوى فوهة البركان، فالمياه الساخنة تتسرَّب إلى عمق هذه المغارة وذلك الضوء الخافت ما هو إلا نهاية النفق الذي يطل على البحيرة البركانية، ما يعني أنه لا مخرج من تلك الناحية، فلقد طمرت الحمم البركانية هذه البحيرة التي تكونت في فوهة البركان أي أثر لأي كنوز أو آثار، وما هذه المغارة إلا رواسب الحمم البركانية وطريقها إلى خارج الجبل مكوِّنة هذا الشَّكل الهندسي المجوف بعد أن تجمَّدت منذ سنوات طويلة، لكن يبدو أن هذا هو السر الذي عرفه بعض كهنة الانكا فقرروا أن يخبئوا فيه كنوز الإمبراطورية، التي تعتبر جزءا من حق الآلهة وحق الكهنة يجدونها عندما تعود إليهم الحياة الخالدة في العالم الآخر·
لكن الأساطير والخرافات دارت كثيراً حول هذه الكنوز وجعلت صيدها غاية كل الطامعين في الثراء والمغامرين والمستكشفين، وها نحن اليوم ننضم الى هؤلاء·
دوي سقوط حجر ضخم سقط في حفرة عميقة ليس لها قرار تردَّد صداه في جميع أرجاء المغارة، وزادت خشيتنا من الانهيار· سمعنا بعدها انهيارات أخرى في مكان ما من المغارة كان دويها يصل إلينا، الأمر الذي دفع دليلنا ''موراليس'' ليقرر الخروج من المغارة من مكان الدخول نفسه، رافضا دعوات الدكتور كريتشر بالتريث، والسير إلى الأسفل لعلنا نجد مخرجا·
الدكتور كريتشر رأى ما جعله يعتقد أن هناك طريقاً مختصراً يخرجنا إلى خارج المغارة، تبعناه ركضاً في نفق ضيق مظلم، وعندما وصلنا إلى نهايته وقف وهو يضرب جدران النفق بعصاه الحديدية، لكنني أخذت قضيباً حديديا من انتوني ودفعته في سقف النفق ليدخل إلينا ضوء الشمس، فاكتشفنا أننا تحت مستوى سطح الأرض وبدأنا نحفر السَّقف حتى تمكَّنا من فتح فتحة تمكننا من الصعود الى خارج النفق لنتنفس هواء نقياً، ونرى نور الشمس التي شارفت على الغروب مرة أخرى، وجدنا أنفسنا في الجهة الخلفية من الجبل الذي قضينا حتى الصباح نصعد إليه بالبغال ودليلنا اختفى أو هرب، وتلك قصة أخرى سأرويها الأسبوع المقبل·

اقرأ أيضا

حصاد رؤية سلطان القاسمي الثقافية.. لحظة الشارقة الفارقة