الاتحاد

أخبار اليمن

جداريات عدن... ثقافة المقاومــــة

مهجة أحمد سعيد (عدن)

تعددت أشكال المقاومة الشعبية في عدن خلال فترة الحرب، وأخذت صوراً متنوعة، كان أبرزها الرسم بالجداريات والشعارات الحماسية، حيث مثلت الجبهة الداخلية لجيل التشكيلين المقاوم أثناء المعارك، فالصمود والتحدي اللذين بثا من خلال الريشة والألوان، كان لهما الأثر الأقوى في عمق الروح، المحاربة والصامدة في محنة الحياة التي لم يفقد الأمل بها أبناء المناطق المحررة في جنوب اليمن ونخص مدينة عدن.


عبر الجداريات، كانت الرسمة والكلمة هي الوسيلة المعلنة في رفض ما تقوم به الميلشيات وحلفاؤها، من تدمير لصورة مدينة عدن، وتعكس الحالة المزاجية والمعنوية للأزمة والمعاناة، وهي لا زالت تقوم بدورها في المرحلة التي تلت التحرير وإعادة الأمل من جديد، ولا يستطيع تقديم هذا النوع من المساعدة إلا مقاومون موهوبون، عبروا عن أزمة الحرب ومشاكلها برسم في جداريات ترجمت ثقافة المقاومة وما معنى حب الوطن.
عن فن الجداريات ومن يقوم بالرسم عليها كنوع من أنواع الفن التشكيلي لجيل التشكيلين المعاصرين للأحداث الجارية من حولهم، تحدثت لـ «الاتحاد» أستاذ مادة التخطيط بمعهد الفنون الجميلة بعدن، إلهام العرشي، بأن الفن التشكيلي والرسم بالجداريات هو لغة عالمية بشكل عام، تعني دع الرسم يتحدث بدلاً عنك، فقد ظهرت حركة شبابية لجيل من التشكيليين قبل وبعد الحرب، وبرزت لديهم ميول للرسم بالجداريات، لا يشترط فيها الاحتراف، بإمكانهم استخدام الطلاء، الذي تكون نتائجه لافتة ويعطي عملاً أسرع من الفرشاة العادية في الرسوم الزيتية والمائية، أو عن طريق استخدام ألوان «البخاخ» على الجدران التي انتشرت كثيراً خلال العام الماضي، خاصة أثناء الحرب على مدينة عدن، هذا النوع من اللواحات والرسمات سريعة العمل بها وآنية لا تحتاج إلى مجهود كبير في نقل الرسالة وتحفيز الناس عليها، خاصة إذا كانت هذه الأعمال تختص بالثورة والانتفاضة والمقاومة، وانتقاد لوضع قائم في أي دولة، يمكن أن تنتقد من خلال الرسم وتقدم رؤية بواسطته، وأضافت: هناك أسس يتم رفدها للطلاب عند بداية الدراسة في كيفية مسك القلم، فالرسم غير الكتابة، نوضح لهم كيفية عمل الإضاءة واتجاهها وتجسيد العمل على أنه مجسم وليس مسطحاً له أبعاد، وأهم أسس يتم غرسها في نفوس الطلاب والهواة الإحساس بوقت الرسم، وهذا يتم من الناحية البصرية التي تتولد عند ممارسة العمل، فالملتحقون بالمعهد من المفترض أنهم خريجو الإعدادي، لكن نصادف أن من يلتحق بالمعهد خريجو الثانوية العامة والجامعات ممن لديهم هوايات فنية، يتلقون خلال ثلاث سنوات دراسية مهارات وأنواع الخطوط الهندسية من خلال المواد الدراسية المتخصصة والعلمية مثل أي معهد أو مدرسة، ندرس الرسم وعلم الألون والتخطيط والتصوير الزيتي والمائي، نغرس لدى طلابنا بأن الرسم هو فن يقوم على أساس إيصال رسالة في أسرع وقت ممكن ويترك ليتحدث عن نفسه للجمهور.
كلٌ في موقعه شارك في نقل مشاعر المقاوم القابض على زناد سلاحه في جبهة الشرف والنضال، يقول الفنان التشكيلي مازن شريف: مع بداية الحرب والهجوم البربري على عدن، قاومت الناس بمختلف الأصعدة والطرق، لم تقتصر المقاومة على السلاح والجبهات فحسب، فكانت هناك مقاومة من نوع آخر، مقاومة الفن لهذا الاعتداء، مصورون ومصممو جرافيك وغيرهم شاركوا بدعم المقاومة، وناضلوا بالصورة والتصميم، فانتشرت خلال فترة الحرب عدة صور تحكي صمود الشعب بالجنوب، وتعبر عن مقاومته وتبث ورح الحماس للدفاع عن مدينة عدن، بلا شك كان لهذه الصور والتصاميم الواقع الإيجابي على جميع النفوس، بالأخص نفوس المقاومين المرابطين في الجبهات آنذاك، مع كل كلمة محفزة نقرؤها كنا نزداد صموداً وثباتاً، ويزداد المقاوم بالجبهات يقيناً وإيماناً، فالفنان يقاوم بريشته، بعدسته، بإبداعه، وأصدق الفن هو ما يتحدث عن ألم الواقع، مرات الصورة تختزل آلاف الكلمات، وتختصر العبارات، وهذه مهمة الفنان أن يوصل المشاعر والكلمات بصورة، بلوحة، وقد عبرت صور المبدعين ولوحاتهم عن فترة الحرب وحتى بعدها، عن المقاومة والشباب المقاوم. وتضيف رشا نصر، فنانة تشكيلية تأخذ من الجداريات منفذاً للتعبير عن ما يشغل تفكيرها، بأن لكل لون معنى والريشة تتحرك عن طريق القلب مهما كان الوضع فرحاً أو حزناً، فالصورة تتجسد بطريقة الشعور الذي نلمسه، وتستطرد : عبرت بريشتي ورسمت بعض اللوحات التي ترمز للشجاعة والبسالة للرجال الذين وقفو وقفة الأبطال في حماية الأرض والممتلكات، وقدموا أرواحهم في سبيل نيل الحرية، تركوا أسرهم وأصدقاءهم لينضموا إلى قوافل الشهداء والجرحى الذي سقطوا في سبيل ألا تسقط مدينة عدن أمام مليشيات تؤمن بالسلاح والقوة ضد شعب أعزل لا يحمل السلاح، فالجداريات من أبرز مشاهد الفن التشكيلي التي انتشرت خلال الحرب، والتي عمد إليها كثير من الشباب التشكيليين لإثارة مشاعر المقاومين وتجعلهم يعقدون العزم على النصر أو الشهادة، وتضيف: الرسام يستطيع التفاعل مع مجتمعه والعيش معه في أزماته ومشاكله، وأن يعكس في لوحاته هذه الصورة.

سيكولوجية الفن المقاوم
في هذه الحالة يصف أستاذ طرق تدريس فنون تطبيقية بمعهد التعليم الفني والتقني بعدن، على عبدالله براس،لـ «الاتحاد» الشعور الذي يعيشه الفنان أو الرسام خلال فترة الأزمات والحروب وأثره عليه، بالقول: بأن الفنان أو الرسام تكون حالته في وقت الأزمات والحروب متأزمة ودائم القلق والخوف على الرغم من أنهم ليسوا في جبهة القتال، لكنهم يشعرون بعدم الأمان والاستقرار ومشغولو التفكير بما تسير عليها الأحداث وما يترتب عنها، كأنه ينتظر أن تحط أمامه قذيفة أو يشتعل النار من حوله، بهذه الطريقة يكون تفكير الرسام، هو يحتاج إلى أمن في حياته اليومية، هو إنسان حساس يقوم بالتعبير عن أحاسيسه ومشاعره بطريقة الرسم بعدة أشكال ورموز وإيحاءات تعكس ما بداخله، سيكولوجيا التربية الجمالية إحدى أهم الأدوات المعبرة عن حالة الفنانين والرسامين، كلنا على علم بأن لمقاومة متعددة الأشكال والأنواع، فمثلاً المقاومة النفسية التي تتجسد بكيان الرسام عبر ما يشاهده من دماء وجثث ملقاة بالشوارع وهدم المنازل يحرك بداخل الرسام مقاومة من نوع خاص لرفض ما يدور من حوله وتقديم المساعدة للآخرين بالطريقة التي تناسب قدراته وإمكاناته، وما شاهدته من جداريات وشعارات فترة الحرب، تمثل شكلاً من أشكال المقاومة التي قدمها الشباب الموهوبون والمبدعون من التشكيليين الأوفياء لمدينتهم الرافضين للمشاريع الخارجية التي تريد أن تدخل مدينة عدن في دوامة صراع ليست معنية بها، مشيراً إلى أن الفنون التطبيقية الناتجة من الأشغال والمجسمات والأوراق والبلاستيك وأي شيء فني إبداعي يستطيع الرسام التشكيلي الموهوب تحويله إلى فكرة هادفة محفزة يسهل إيصالها، وتحدث الأثر المطلوب منها، فالفن التشكيلي ليس فناً وتحقيق لوحه فقط، بل ما نحن نعيشه في واقعنا ترجمة بأسلوب الألوان والفرشاة.

حالة القلق والخوف
تنقل لنا مشاعر الارتباك الذي تسكن الرسام في ساعات القصف العشوائي، مروى جود، طالبة سنة ثالث بمعهد الفنون الجميلة بعدن، بالقول: حالة القلق والخوف الذي تولد لدى الناس والرسام واحد منهم، مما عانوا منه وتجرعوا مرارته خلال أيام الاقتتال ومعارك الشوارع التي تحدث بين شباب المقاومة والميليشيا المسلحة بأحدث الأسلحة، ظن الجميع بأن الحرب ستدوم أسابيع قليلة، ولن تطول لتصل إلى أربعة أشهر قبل تدخل قوات التحالف العربي ومساندة المقاومة الشعبية بالميدان وتحقيق النصر الموازر لمدينة عدن وطرد القوات الغاشمة الظلامية منها، فالبقاء بالمنزل وعدم الخروج خوفاً من عملية القصف العشوائي والقنص المتعمد للمواطنين العزل من دون أي حجة أو مبرر جعلنا نشعر بأننا مقيدو الأيدي ومساجين داخل البيوت، لا نستطيع تناول وجبة الطعام المعتادة من شدة القلق والرعب، كل ذلك يولد بداخلنا معاناه إنسانية وخليطاً من مشاعر الحقد نحو من يمارسون مثل هذه الأعمال الإجرامية، عندما ترى القتلى والجرحى من النساء وكبار السن والأطفال والشباب الذي حمل السلاح لحماية أرضه وأهله، يعكس بداخلنا همومهم وأوجاعهم، نقوم بالتعبير عنها باللوحات الجدارية أو كتابة اقتباسات حماسية في واجهات الشوارع والأحياء لبث الحماس والصمود والتحدي، وننقل كذلك مشاعرنا الصادقة نحو ما يقوم به من أعمال وتضحيات خلال فترة الحرب والأزمة المعيشية التي عاني منها كل مواطني مدينة عدن، نحن نفرغ طاقاتنا من خلال الرسم ونشارك الجميع فيها، الرسم هو مخيلة الإنسان أو الواقع الذي نعيشه، لا نملك الكثير لنقدمه خاصة أننا فتيات، لكن بإمكاننا أن ننقل مشاعر الحزن والفرح والخوف والنزوح، كل شيء نعبره بالألوان والرسومات، خلال سنوات الدراسة بالمعهد تعلمنا مفاهيم عديدة حول جماليات الفن والرسم، ويعتبر المنظور من أهم الأشياء الرئيسية التي يرتكز عيها الرسام، تتلخص أهميته في أن ينقل الرسام من خلال المشاهدة كل الأبعاد القريبة والبعيدة للمنظر أو الشي المراد إيصاله عن طريق رسمه بأبعاده لونية مرادفة للصورة، فالفنان التشكيلي يدرك القيمة الفنية والجمالية للرسمة، ويعمل على توظيفه بأساليب مبتكرة وأدوات بسيطة تعبر عن الحياة اليومية بكل تفاصيلها الدقيقة.



اقرأ أيضا