الاتحاد

ثقافة

خمسة وجوه للبحر!

حارب الظاهري

حارب الظاهري

تكمن شفافية الحياة ما بين طيف من تداعيات الأحلام وابتهاج النفس، وتكمن نشوة الروح ما بين شغف الأمل وتموج الشعور ما بين الخوف والحذر· وتتجلى الحقيقة فيما بعد بأن لكل خطوة في الحياة شكلاً ولوناً· بينما للطفولة وجوه عدَّة تنبثق منها الحياة وتتشكل الذكريات الجميلة أو البائسة ما بين السفر والثبات على الأحلام! تتزامن الحياة وكأن الوجوه المسافرة نفسها ذات التفاصيل الخفية وبيانات القلوب الشقية! كأنها لازالت تسمو والمدى يكتبها من جديد·
ذات مساء، أراد أربعة أصدقاء من زمن الطفولة أن يكسروا حاجز المسافات القصيرة، وليتجهوا نحو البحر الذي نشتم رائحة من ضفاف الخليج العربي الممتدة إلى خور البطين وبيوتها الصغيرة آنذاك تودع غروب الشمس بينما أهل البطين في ذاكرتهم لا شيء يوازي البحر وصيد السمك ورحلات بحرية ما بين الفينة والأخرى، هذا ما أراده الزمن بعد حياة امتصتها ملوحة الأيام الغابرة·
كان الموج لا يهدأ والرياح عاتية وثورة الطفولة لا تبالي! وجوه أربعة، علي جبارة، ود· جمعة سالم الظاهري، ويوسف الرميثي، وعتيق المهيري، إضافة إلى كاتب السطور·
كان الموج يصعد نحو الأعالي ولا يهدأ، كأنه يساوم أرواحنا على الحياة! كان هديره يزمجر، ويتغلغل في أوصال دمائنا، كأن لا طوق للنجاة والأمل هش في العودة إلى المساحة اليابسة من رحلة قصيرة ومساء أردناه للنزهة، لكن العودة كانت عسيرة وكان المصير مجهولاً كلما كانت ملامح من مدينة أبوظبي لا يمكن أن تبدو ماثلة، فالأزرق على ما يبدو كان على نهج الغضب الشديد، وكان للصلاة والدعاء من أفئدة صغيرة لهما طعم آخر·
كان صراع الأمواج العاتية على أشده! بينما كان صديقنا الجميل علي جبارة من البارعين في قيادة دفة القارب، وللصديق الآخر عتيق المهيري أيضاً اليد العليا في حفظ توازن القارب الذي أصبح حتمياً في موج يعلو إلى درجة مترين ويهوي! لم تتوقف رقصة الموج ولم تهدأ وكأن الرياح هيجت لها الجنون! كما هاجت فكرة الرحلة منذ البدء في رأس كل منا حتى أصبحنا تحت وطء الخوف وخلجات النفس تأول تفاصيل خفية للنهاية الحتمية·
عدنا وأبوظبي كأنها تنبت من وراء الزرقة، بدأت المآذن تتشكَّل، ورؤوس المباني الشاهقة تترامى، أما ''ديوان الرئاسة'' فكان يشعرنا بالاقتراب من سواحل راسخة، بينما جنون الموج بدأ يغمر المراكب· إلا أن الروح بدأت تعود للجسد بعد أن هبطت في أوج المجهول، وبعد تأمُّل تفاصيل الرحلة والمواقف بدأنا نشتم رائحة الحياة من جديد·
أصبحت لنا أرجل تطأ اليابسة ونسير على الأقدام بعد أن كنّا نتماسك خوفاً من انفلات أحدنا في غياهب الزرقة والانفصال عن البقية، فكان المركب الصغير مسرحاً كبيراً لكل التفاصيل الصغيرة، تداعيات خيالية تسطر المكان والزمان، وكلما جمعتنا المصادفة كانت تلك الرحلة ماثلة وجلية·

اقرأ أيضا

بدور القاسمي: الشارقة تميزت بالحكمة.. وتفوقت بالمعرفة