تقارير

الاتحاد

العنف وطلاب الجامعات

قضية عامة تشغل بال رجال التربية والتعليم، بل إن القلق بشأنها يتسع ليشمل قيادات الأحزاب السياسية المعارضة وكل المهتمين بالشأن العام، وبصورة خاصة التعليم ومعاهده في حاضرها ومستقبلها؛ إنها موجة العنف الذي تفشى لاسيما في الجامعات حيث أصبحت المدي والمطاوي والهراوات هي السلاح المفضل لدى بعض الطلاب في مواجهة من لا يتفقون معهم في الرأي·
تعددت حوادث قتل طالب جامعي لزميله أو إصابته إصابة بليغة خصوصاً في الأعوام الأخيرة، وكانت آخر تلك الحالات أن طالباً في جامعة الجزيرة سدد سكيناً في ظهر زميله مما أدى لوفاته بعد قليل، وتبين أن الطالب القاتل ينتمي لمجموعة الطلاب التي تؤيد الحزب الحاكم، في حين أن المقتول يصنف على أنه من المنتمين للحزب الشيوعي السوداني أو اليسار بصورة عامة· وإذا عدنا لتاريخ العنف في الجامعات السودانية فإننا نجد أنه بدأ في فترة الستينيات من القرن الماضي، وأن الذين كانوا البادئين به يومذاك هم الطلاب الذين ينتمون لتيار الإسلام السياسي، وبعد أن توالت أحداث ذلك العنف لجأ الآخرون من الذين يعارضون ذلك التيار سياسياً لذات المنهج، وكانت النتيجة قتلى وجرحى من الجانبين في أكثر من جامعة واحدة، ولكن في الفترة الديمقراطية التي امتدت لعامين فقط (1986-1988م)، انحسر ذلك العنف إلى حد ما، وشهدت الجامعات قدراً من الهدوء والتعايش سلماً بين الطلاب على اختلاف انتماءاتهم السياسية·
إن طلاب الجامعات في السودان رصيد لكل الذين يعملون في السياسة، وهم يعدون طليعة لا غنى عنها بعد أن أثبتوا خلال الفترة السابقة للاستقلال وبعدها، أنهم فئة مصادمة يمكن الاعتماد عليها في إثارة الرأي العام والتحريض لمصلحة الحكم القائم أو ضده وضد سياساته، ولهذا فإن الأحزاب السياسية تتسابق لكسب تأييد الطلاب والإمساك بقيادات اتحاداتهم التي تمثلهم، وهنا تكون المواجهة ويقع الصراع الذي ينحرف لأنه يرتكز كثيراً على العنف والعنف المضاد·
إن السياسة التي اتبعتها (الإنقاذ) في الجامعات أسهمت بقدر كبير في تأجيج الصراع بين الطلاب، وفي ازدياد العنف بكل أشكاله، ولنضرب لذلك مثالاً نقول: إن اختيار مديري الجامعات ونوابهم والوكلاء وعمداء الكليات وعمداء شؤون الطلاب، كل هؤلاء أصبح تعيينهم يتم وفق ولائهم السياسي للنظام الحاكم وليس للكفاءة والقدرات والخبرة كما كان الحال في السابق، ثم إن الجامعات التي يفوز فيها الطلاب الموالون للحكومة بقيادة اتحاد الطلاب تجد عناية واهتماماً فائقاً من الحكومة وأجهزتها المختلفة، ويكون الإغداق عليها على حساب الجامعات الأخرى، وهذا يعني أن الحزب الحاكم يستخدم نفوذه في أمر يفترض أن يكون بعيداً عن ذلك النفوذ وهذا هو جوهر المشكلة·
إن الجامعات هي منارات العلم والمعرفة، ورصيد أنفق عليه الشعب السوداني كثيراً من موارده، ولهذا فهو يأمل أن يراه مستقرا، يكون هَمّ الطلاب الأول هو التحصيل، على أن يكون الانتماء السياسي قائماً على الحجة والإقناع، على الحوار في الرأي والرأي الآخر بصورة تليق بأعلى المؤسسات التعليمية·
قصارى القول، هو أن الجامعات السودانية لن تؤدي واجبها تماما وتضمن الاستقرار والهدوء ونبذ العنف بكل أشكاله إلاّ إذا غير الحزب الحاكم من سياساته الحالية التي وصلت مستوى استخدام أجهزة الأمن في ملاحقة الطلاب المعادين سياسياً للحكم وتقديم العون لزملائهم الموالين، المطلوب ترك الطلاب يتناقشون سياسيا بالأساليب الديمقراطية واحترام نتائجها مهما كانت، وسلام على الجامعات السودانية في أيام الاستقرار الديمقراطي·

محجوب عثمان

اقرأ أيضا