الاتحاد

تقارير

اتفاقية منع الإبادة الجماعية وغياب الإرادة الحقيقية

اتفاقية منع الإبادة الجماعية ظلت حبراً على ورق

اتفاقية منع الإبادة الجماعية ظلت حبراً على ورق

تُسجل هذه السنة مرور ستين عاماً على إقرار الأمم المتحدة لاتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها؛ وتعكس هذه الاتفاقية المهمة التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع في التاسع من شهر ديسمبر عام 1948 الجهود الحثيثة التي بذلها ''رافائيل ليمكين''، عالم اللغة البولندي واليهودي الذي نجا من المحرقة خلال الحرب العالمية الثانية· لكن ومع الأسف لم تتمكن الاتفاقية من الاضطلاع بمهمتها الأساسية، حيث شهدنا طيلة السنوات اللاحقة فشلها في منع وقوع جرائم الإبادة التي لطخت التاريخ البشري؛ ورغم المكانة التي تحتلها عبارة جرائم الحرب في عنوان الاتفاقية، والحالات العديدة التي كانت تستدعي وبإلحاح التدخل الدولي لمنع القتل والإبادة، ظلت كلمات الاتفاقية في كثير من الأحيان مجرد حبر على ورق ولم تفعل مقتضياتها على أرض الواقع·
بالطبع يكتنف عملية تحديد ما يقع تحت جرائم الإبادة الجماعية في وقت وزمن معينين، الكثير من الجدل والآراء المتضاربة؛ فهل الأحداث الدامية التي وقعت في كولومبيا خلال السبعينيات إبادة جماعية، أو أنها حملة سياسية عنيفة قامت على العبث الأيديولوجي ورامت التطهير السياسي؟ وهل كانت منطقة ''بيافرا'' النيجيرية مكاناً لوقوع إبادة جماعية في الستينيات، أو أنها مجاعة تسبب فيها الانفصاليون في المنطقة؟ وأخيرا هل يرقى الغزو الباكستاني لبنغلادش في السبعينيات إلى الإبادة الجماعية، أم لا؟ لكن رغم هذه الشكوك والقراءات التاريخية المتباينة لبعض الأحداث يبقى الهدف الرئيسي للاتفاقية، التي أقرها المجتمع الدولي في الأمم المتحدة، هو منع وقوع الإبادة الجماعية حتى قبل الدخول في تفاصيل الوضع القانوني للحدث، أو ثبوته كواقعة تاريخية؛ فنحن ملزمون بالتحرك عندما تبرز دلائل واضحة عن حصول تدمير على نطاق واسع يطال ''جماعة قومية، أو عرقية، أو إثنية، أو جماعة دينية، أو ما شابه ذلك''·
قد نقف لبعض الوقت عند الآليات والتفاصيل الضرورية لمنع حدوث الإبادة الجماعية، غير الواضحة بشكل كاف تحت البند الثامن من الاتفاقية، لكن الأكيد هو ضرورة التدخل لمنع وقوع جرائم الإبادة الجماعية؛ والمؤسف أنه في العديد من الحالات فشلت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في منع الإبادة الجماعية والفظائع الأخرى المرتبطة بها حتى في ظل غياب الشك ووضوح الرؤية؛ هكذا شهدنا جرائم الإبادة الجماعية في كل من البوسنة ورواندا وكردستان العراق دون أن يحرك العالم ساكناً ودون أن تُفعل الاتفاقية الأممية لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها؛ والواقع أن استمرار المجتمع الدولي في التقاعس أمام جرائم الإبادة الجماعية ليس ناتجاً عن غياب الوثائق والسجلات المؤكدة لذلك، بقدر ما هو ناتج عن غياب إرادة حقيقية للتدخل· وليس هناك من مثال أوضح على ذلك من قضية دارفور في السودان؛ فما يجري هناك واضح للعيان ولن يحجب هذا الوضوح سوى قراءة ضيقة للاتفاقية الأممية حول الإبادة الجماعية، أو تجاهل ما يجري في الإقليم من عنف وتدمير عرقي لا يرقى إليه الشك·
فالنظام في الخرطوم مستمر في ارتكاب الجرائم بدارفور التي تندرج جميعا تحت البند الثاني من الاتفاقية الأممية لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، لا سيما تلك الجرائم التي تتسق مع ما جاء في نص الاتفاقية ''الإخضاع المتعمد لمجموعة معينة لظروف معيشية الهدف منها التسبب في تدميرهم الجسدي سواء بصفة كلية، أو جزئية''؛ ولا نحتاج إلى أدلة أكثر وضوحاً من المنع الممنهج لبعض الجماعات الأفريقية في الإقليم من الاستفادة من الخدمات الإنسانية التي رصدتها المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة طيلة الأربع سنوات الماضية· وإذا كانت أعمال العنف قد تراجعت خلال العامين 2003 و2004 عن مستوياتها السابقة، إلا أنها مازالت مستمرة وسط حالة من الفوضى والاضطرابات·
وما لم تتمكن القوات المختلطة المشكلة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي من الانتشار في الإقليم لوقف العنف، فلا شك أن أعمال الإبادة الجماعية ستتسارع وتيرتها وستطال مئات الآلاف من الأشخاص، وإذا لم يلتزم المجتمع الدولي بتوفير الموارد الضرورية لإنجاح المهمة في دارفور، فإن العنف سيتفاقم إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما سيدفع بالمنظمات الإنسانية العاملة في الإقليم إلى تعليق عملياتها والانسحاب· وتشكل دارفور اليوم أكثر من أي وقت مضى اختباراً حقيقياً لمدى فعالية الاتفاقية الأممية لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بعد ستين عاماً على المصادقة عليها؛ ولعل المأزق الحالي الذي تواجهه عمليه نشر قوات دولية مختلطة في دارفور يؤكد مدى حاجة الأمم المتحدة لقوة خاصة يمكن نشرها على وجه السرعة لحماية السكان المدنيين من جرائم الإبادة الجماعية، أو الجرائم ضد الإنسانية· وفي حالة دارفور سيتم نشر القوات الأممية بناء على طلب من الأمين العام نفسه، وهو ما يستدعي موافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمن الدولي وعدم استخدام حق الفيتو من قبل أحد الأعضاء الدائمين·
والواقع أن التدخل الإنساني لوقـــف الإبــــادة الجماعيــــة يجـــب ألا يكون مرتهنا بحق الفيتو، وهو ما يستدعي مراجعة لميثاق الأمم المتحدة وإدخال ما يلزم من تعديلات على عمل المنظمــة الأمميــة التي يرى الكثيرون بأنها باتت ضروريــة حتى تضطلــع الأمــم المتحدة بدورها في القرن الحادي والعشرين·

إيريك ريفز
أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة سميث الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا