الاتحاد

تقارير

الأتراك... قرار رفع حظر الحجاب والديمقراطية العلمانية

الأتراك...  قرار رفع حظر الحجاب والديمقراطية العلمانية

الأتراك... قرار رفع حظر الحجاب والديمقراطية العلمانية

لقد أثار القرار الذي أصدرته الحكومة التركية خلال شهر يناير المنصرم، برفع حظر سابق على ارتداء الفتيات للحجاب في الحرم الجامعي، قلق الكثيرين وتساؤلاتهم حول ما إذا كانت الديمقراطية العلمانية قد بدأت بالتراجع أمام المد الإسلامي في تركيا؟ ولكن كم معقدة وخادعة هي الأشياء دائماً في تركيا· فمن رأي أغلبية المواطنين الأتراك، أن في مشروع هذا القرار الذي قدم أمام البرلمان الثلاثاء الماضي، وتتوقع إجازته دون عراقيل، مصلحة مشتركة للممارسة الديمقراطية والإسلام معاً·
ويعتبر أكثر المنتقدين والمراقبين لتطورات الأوضاع في تركيا من بين المواطنين، أشدهم نشاطاً في الممارسة الديمقراطية في ذات الوقت، بينما يلجأ الجيش -مؤسسة الحرس القديم العلمانية- إلى الانقلابات والأوامر القضائية· ويضرب هذا التناقض بجذوره العميقة في المجتمع التركي الحديث، الذي يرمز إلى ديمقراطية إسلامية باهرة قوامها 70 مليون نسمة، في التخوم المشتركة بين أوروبا والشرق الأوسط، إلا أنه لم يسبق مطلقاً لحكومات تركيا المنتخبة أن تمتعت بكامل الحرية في ممارستها للسلطة، والسبب أنها ظلت تحت الرقابة والخضوع المستمرين لعراقيل الجنرالات والقضاة الأقوياء الذين ورثوا السلطة من القائد المؤسس ''كمال أتاتورك''، الذي أنشأ دولة تركيا الحديثة في عام ،1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية·
كان النظام الذي أنشأه أتاتورك علمانياً، إلا أنه ينقسم إلى طبقات، تعلوها النخبة التي تعرف باسم ''الأتراك البيض''، وهذه يحق لها التدخل متى ما شعرت بحياد القادة السياسيين الذين انتخبهم الفقراء عن جادة الطريق العلماني؛ وتعليقاً على هذا السلوك قال ''دنجير مير محمد فرات'' -عضو الحزب السياسي الحاكم حالياً-: ''غالباً ما ينظر إلى المواطن العادي كما لو كان طفلاً يافعاً فاقداً للحيلة، ولا يكف مطلقاً عن العبث وإتلاف الأشياء، وهذا ما يحفز الدولــة دائماً إلى بناء سياج حوله لمنعــــه مــن العبــث''·
أما الآن، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ تركيا الحديثة، التي تتمكن فيها تلك الطبقة الاجتماعية الدنيا - المؤلفة من عامة المواطنين- من تمثيل المواطنين عبر الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء ''طيب رجب أردوجان''، زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم؛ وهاهي الحكومة الجديدة تناهض هذا النظام القديم، وتعلن قطيعتها معه في الوقت الراهن على الأقل؛ وتبدو تركيا اليوم، أشبه بمهاجر قلق أمضى الجزء الأعظم من القرن الماضي في الدول الغربية، في محاولة للهرب من ماضي ستة قرون أمضاها في حمل هوية تراث الشرق التقليدي، غير أن التحدي الأخير، الذي يرمز إليه قرار رفع الحظر السابق عن ارتداء الفتيات المسلمات للحجاب داخل الحرم الجامعي، يبدو لأكثر من سبب ووجه، كما لو أن تركيا قد اقتربت من هويتها الشرقية المسلمة، أكثر من أي وقت مضى؛ وفي حين يبدي الكثيرون في الأوساط التركية المتعلمة، ضيقاً وتبرماً من أن تنسب بلادهم إلى الشرق الأوسط الإسلامي، بدلاً من أوروبا الغربية العلمانية، يظل آخرون على حيادهم ومراقبتهم المعتدلة لما تتجه إليه الأوضاع والسياسات المتبعة·
كانت دراسة لاستطلاع الرأي العام، أجرتها ''المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية'' وهي مؤسسة أبحاث معروفه في اسطنبول، قد توصلت نتائجها إلى أن نسبة 59 في المائة من النساء وصفت نفسها بأنها ''شديدة التدين'' أو حتى ''متطرفة دينياً''، وقال ثلثا النساء اللائي شملتهن الدراسة -1500 امرأة- أنهن يغطين رؤوسهن بطريقة أو أخرى، لدى مغادرتهن للبيت· وكان ''أردوجان'' قد خاطب جلسة البرلمان يوم الثلاثاء الماضي بقوله: ''على الجميع أن يدرك أن الهدف الوحيد الذي نعمل من أجله هو رفع الظلم الواقع على بناتنا في مداخل الحرم الجامعي''؛ ولا تشير نتائج استطلاع الرأي هــــذه سوى لأمر واحد، وهو اتساع القاعدة الشعبيــة المؤيدة لمشروع قرار ''أردوجان''؛ وهذا ما أكده ''إيرجون أوزبودان'' -ليبرالي وأستاذ للقانون بجامعة أنقرة، وكان قد عيّن من قبل الحكومة وكلف بمهمة تنقيح الدستور-، فمن رأيه أن ''رفع الحظر المفروض سابقاً على الحجاب، هو مسألة حقوق إنسان أكثر مما لها صلة بالعلمانية''، وبما أنه سبق له العمل بالتدريس خارج تركيا، فقد استشهد بالفترة التي أمضاها في التدريس في الولايات المتحدة الأميركية سابقاً بقوله: ''لقد كانت لديّ طالبات يهوديات يغطين رؤوسهن باليرمولك، ولم يكن أحد ليأبه لذلك''·
غير أن هذا الموقف المعتدل، أبعد ما يكون عن نظرة ''دنيز بيكال'' -الذي ظل يتزعم حزب المعارضة العلماني لما يقارب العشرين عاماً-، فقد كان متوقعاً منه أن يتلاعب بإثارة مشاعر الذعر والخوف من مشروع القرار الجديد، خلال تصريحه التالي: ''إن هذه التحركات الرامية لإلغاء الحظر المفروض على ارتداء الحجاب، إنما تستهدف الأساس الذي قامت عليه جمهورية أتاتورك العلمانية''، ومضى ''بيكال'' إلى وصف الحجاب بأنه ليس جزءاً من ثقافة الأمة التركية ولا تاريخها ولا تقاليدها، لأنه جاء مستورداً ومفروضاً عليها من خارجها''·
أما في نظر ''هلال كابلان'' التي ترتدي الحجاب، فقد بدت لها تعليقات ''بيكال'' النارية هذه، وكأنها أصوات منبعثة من العالم القديم؛ وقالت ''كابلان'' معلقة على تلك التصريحات: ''كأن الأرض قد انشقت من تحت قدمي فجأة، وخرج من جوفها أناس ينتمون إلى ثلاثينيات القرن الماضي''! غير أن ''بيكال'' ليس هو الصوت الوحيد المعبر عن هذا الموقف الرافض المتشدد لمشروع القرار، والدليل أن غيره من زعماء المعارضة العلمانية مضوا شوطاً أبعد منه بمقارنتهم لمشروع القرار هذا، بالنزعتين الفاشية والنازية؛ فأثناء برنامج تلفزيوني حواري مفتوح عرض في الأسبوع الماضي، مضى البروفيسور ''إيمري كونجار'' إلى تشبيه الحظر المفروض على الحجاب، بالحظر الساري في ألمانيا حتى اليوم على الصليب المعقوف، الذي يرمز إلى النازية؛ ومضى قائلاً: يجـــوز حظـــر الرمــوز السياسيـــة والدينيـــة متى ما شكلت خطراً على الأمة·
سابرينا تافيرنس- اسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا