الاتحاد

فكر

الأمل واليأس

الإنسان·· هذا المخلوق الضعيف في الملكوت الإلهي، القوي بإرادته ورغبته في معرفة الكون المحيط به، لا تنحصر إرادته في معرفة ما كان، بل تتجاوز هذا المنطق في رؤية ما سيكون·
منذ آلاف السنين، توسل الإنسان إلى الكائنات الطبيعية بالقرابين والعبادات، اعتقاداً منه أنها سترد عنه المصائب والأحداث، واليوم بعد أن كاد ينمحي هذا الاعتقاد من البيئة المعاصرة، ما زال الغد الآتي سراً، يسعى الإنسان المعاصر لسبر أغواره، فابتدع آلاف الطرق كتفسير الأحلام، وقراءة الكف·
ولأن الإنسان لا يفتأ يسأل عن الآتي، عن الغد، ولأنه يعتمد منطق رؤية المستقبل في إطار شروط الحاضر؛ فقد تجاذبته قوتان عظميان، وتوزَّعت حياته بين الأمل واليأس، فبعض الناس ينظرون نظرة متفائلة لكل القضايا سواء الذاتية أو الجماعية، بينما البعض الآخر يغرق في إحساس مدمر صورته انسداد الأفق المستقبلي، وقد تولَّد عن هذا الإحساس الحزين في الماضي مذهب يسمى بالرومانسية حيث البكاء على مصير الإنسانية حتى غدا الإحساس بالانهيار سمة مجتمع منهار عاجز· لكن العصر الحالي الذي يعتمد على الآلة والإنترنت لا يستطيع تحمل رخاوة الرومانسية، فمن يريد أن يبكي فعليه أن يبكي لوحده، ولن يلتفت إليه أحد، لأن القوة هي التي تفرض السيطرة والهيمنة على الطرف الضعيف على كافة المستويات العسكرية والاقتصادية والثقافية·
لكن الأمل يبقى ذلك السلاح الخفي الذي يعطى للمحارب ليصارع ظلام اليأس، ولقد وقفت البلاغة العربية في تشبيهها لليأس بالظلام المطبق، وللأمل بنور النهار، ولنلاحظ كيف يصارع النهار الليل، ويولد من رحمه، أليس العجز بذرة في رحم ليل أسود؟
ويبقى الأمل ذلك السلاح الذي يتمرَّد به الإنسان على قياسه المنطقي، وعلى قراءة المنجمين والسحرة، وبالأمل يغير الإنسان تطور الأشياء، وتغير الشعوب واقعها اليومي، ولو لم تكن هذه المسحة الرافضة لاستسلم الإنسان لوهم قراءة المستقبل في ضوء شروط الحاضر، فأعاد بدون وعي الحاضر مستقبلاً، وهذا حال المجتمعات كذلك·
ويظل الأمل يكبر، ومعه تكبر الأحلام التي عجز السحرة عن تأويلها، قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ (يوسف/ 44)· الأمل كما نعتقد رفض لفكرة المطابقة، رفض للواقع، الأمل فعل في المستقبل· الأمل إذن أن نقول (لا) للشروط التي تكبِّل الإرادة الإنسانية، ونُنجز الفعل في تفسيرها، الأمل عشق للآتي لأنه القادر على أن يغير حال الأفراد والجماعات، ولأن التغيير لا يتم إلا بعد عملية الرفض للواقع الذاتي والجماعي، تولد عشق خفي بين الأمل والنضال·

أحمد خضر

اقرأ أيضا