الاتحاد

ثقافة

مارينا تسفيتاييفا: أنا سفينة تغرق

محمد عريقات (عمان)

ربما يحتاج الشاعر حين يتأمل العالم، إلى الاحتفاظ بمسافةٍ عنه، خصوصاً إذا ظن أن القصائد يمكن تربيتها في حديقة المنزل أو في الغابة القريبة، وليس بين الناس والمقاهي وشوارع المدن المكتظة، لكن عكس ذلك بالضبط، هو ما حصل مع الشاعرة الروسية مارينا إيفانوفا تسفيتاييفا، حين تم اقتلاعها من جذورها، وإبعادها عن قصائدها، حتى تعيش في منفى كبير، وتموت تحت وطأة الحرب، لكن بيدها هي، لا بيد الأعداء ولا بيد الأصدقاء.
ولدت مارينا في عام 1892، وكان والدها أحد مؤسسي متحف الفنون في موسكو، بينما تعود أصول والدتها إلى جذورٍ بولونية وألمانية. كان مرض والدتها المبكر بالسل سبباً في تنقلها في دولٍ عديدة مع عائلتها كسويسرا وإيطاليا وألمانيا، فاكتسبت الطفلة خلال ذلك الوقت، اللغتين الفرنسية والألمانية، وحالة من عدم الاستقرار، سوف ترافقها طوال حياتها.
وبفعل اهتمامها الفني الذي ورثته عن أبيها، أخذ اهتمامها بالأدب والشعر ينمو معها، كجذورٍ وحيدة، انتمت إليها مارينا لاحقاً، حتى آخر يومٍ في حياتها. وفي تلك الفترة التقت بشعراء مهمين مثل بريوسوف وألكساندر بولوفوشين. أصدرت ديوانها الأول «معسكر البجع» مبكراً. لكن انطلاقتها الحقيقية، كانت في 1923، حين صدرت لها مجموعة «الحرفة» ومجموعة «الفراسخ». إذ ظهرت من خلال المجموعتين الأخيرتين بصمتها الشعرية الخاصة، المتمثلة في أنها أخذت تنبذ الانتماء إلى العالم، وترى أن هنالك انتماء أوسع، لعالم الشعر والحب، خصوصاً في وجه الحرب.
أثرت فكرة عدم الاستقرار فيها عميقاً، فلم تكن قصائدها ذات طابع رومانسي فقط، بل حملت ثيمات القهر والنبذ في ثناياها، عدا عن توجهها لمخاطبة شعراء وكُتاب آخرين من معاصريها المميزين، مثل الشاعر ألكساندر بلوك، والشاعرة آنا أخماتوفا، والروائي بوريس باسترناك.
أصدقاؤها هؤلاء، من شعراء وكُتاب كبار، تعرضوا جميعاً للملاحقة من قبل النظام الشيوعي الذي حكم روسيا منذ 1917. وتوفي بلوك، أما أخماتوفا، فكانت حياتها رهناً لإشاعات الانتحار تارةً، والاعتقال أو التصفية على يد البوليس السري الروسي تارةً أخرى. وقد أثر ذلك في مارينا كثيراً. ولأن زوجها سيرغي إيفرون، كان يحارب في صفوف القوات المضادة للشيوعيين، اضطرت في النهاية لقبول النفي من روسيا، بعد هروب زوجها إلى الخارج.
وعادت صاحبة «كبرياء جريح» للتشرد من جديد في لندن وباريس ومدنٍ أخرى من أوروبا. وبمضي الوقت، غلب الطابع الحزين على أشعارها، وقالت في ذلك الوقت «بالحزن وحده أقضي على حياة الضجر».
وفي نهاية الثلاثينيات، اضطر إيفرون لأن يصبح جاسوساً روسياً، حتى يعود إلى روسيا، ثم اضطر في 1938 للهروب من باريس إلى موسكو، ومعه ابنتهما أريادنا، بعد تورطه في حادثة اغتيال. وبعد ذلك، لحقت به تسفياتييفا في 1939. ولكن سرعان ما تم اتهام إيفرون بالخيانة، وأعدم. بينما أخذت أريادنا إلى الأشغال الشاقة مدة 15 عاماً.
وعلى أعتاب العام 1941، كانت تسفيتاييفا، قد فشلت في أن تعيش مع عائلتها بصورةٍ طبيعية، وفقدت عائلتها التي كونتها مع زوجها، أما أصدقاؤها فتشردوا واختفوا هنا وهناك. لقد احتل العالم الواقعي بقسوته وحروبه كل تفاصيل حياتها، أما عالم الحب والشعر الذي حلمت به، فلم يكد يتحقق منه شيء. في النهاية، وقبل هروبه من موسكو قبيل اشتعال أكثر معارك الحرب العالمية الثانية ضراوة، زارها الروائي بوريس باسترناك، ولم يجد في جعبته أي شيء ليهديها إياه، سوى حبلٍ متين، لتحزم به أمتعتها قبل أن ترحل عن موسكو.
ذلك الحبل الذي أمسكته بين يديها في البرد والوِحدة، ظل غامض الغاية لأيام، وهي تنظر إلى أمتعتها القليلة، وخساراتها الثقيلة التي تحتل قلبها وعقلها. ولم تغادر إلى أي مكان، حين فهمت أن ذلك الحبل يشدها إلى الموت، فقامت بالانتحار في 31 أغسطس 1941. بعد أن نادت على زوجها إيفرون الذي لم يرد، فقالت له من جديد:
«عدتُ إليك في منتصف ليلة سوداء،
أطلب مساعدتك الأخيرة.
أنا شحّاذة، لا أذكر لي أصلاً.
أنا سفينة تغرق».

اقرأ أيضا

الأشجار تغني في اللوفر أبوظبي